روزا لوكسمبورغ
صحيفة العمال السكسونية، 5 و6 ديسمبر 1904
مرة أخرى، تترافق الدورة التي افتتحت للتو في الرايخستاغ مع ظواهر بالغة الدلالة. فمن جهة، نشهد تجدد الهجمات الوقحة على الاقتراع العام من جانب الصحافة الرجعية، من قبيل صحيفة بوست؛ ومن جهة أخرى، نلمس في الأوساط البرجوازية نفسها مؤشرات واضحة على «الإرهاق البرلماني». ويضاف إلى ذلك إصرار الحكومة المتزايد على إرجاء موعد انعقاد الرايخستاغ، بحيث لا يحدد في نهاية المطاف إلا قبيل عطلة أعياد الميلاد. كل ذلك يقدم لنا صورة جلية عن التفكك السريع للبرلمان الألماني الأهم وعن تراجع وزنه السياسي. ومن الآن فصاعدًا، بات واضحًا أن الرايخستاغ لا يجتمع في الأساس إلا لإقرار الميزانية، والتصويت على مشروع قانون جديد بشأن الجيش، وتقديم قروض جديدة مخصصة للحرب الاستعمارية في أفريقيا، أو للموافقة على المطالب البحرية الجديدة التي لا مفر منها، والتي تلوح في الخلفية، فضلًا عن الاتفاقيات التجارية. إنها سياسة الأمر الواقع، الناجمة عن النشاط السياسي خارج البرلمان للقوى السياسية، والتي يوضع الرايخستاغ في مواجهتها، بعد أن اختُزل إلى مجرد آلة للموافقة، مهمتها تغطية نفقات هذه السياسة الخارجة عن البرلمان. وإلى أي حد تشارك البرجوازية، عن وعي كامل وخضوع تام، في هذا الدور المشين الذي يؤديه برلمانها، يتجلى لنا بصورة نموذجية في تصريحات صحيفة ليبرالية يسارية برلينية: فإزاء المطالب العسكرية الجديدة والمفرطة، التي تعني زيادة قوام القوات بـ10 آلاف رجل، وتؤدي إلى رفع النفقات بمقدار 74 مليونًا خلال السنوات الخمس المقبلة، وهي مطالب تضع، على نحو ما، السكين على عنق الرايخستاغ، وتلوّح بالتهديد المعتاد بإعادة العمل بالخدمة العسكرية لمدة ثلاث سنوات في حال رفضها، لا تملك صحيفتنا الليبرالية اليسارية سوى التنهد والتنبؤ بما يلي: بما أن النواب لن يرغبوا في عودة الخدمة العسكرية لمدة ثلاث سنوات، فينبغي اعتبار مشروع القانون «مُصادقا منذ الآن». ومن الواضح أن هذه النبوءة البطولية لليبرالية ستثبت صحتها بالقدر نفسه الذي يصح به أي حساب تكون مقدمته هي التنازل المخزي عن المسؤولية من جانب الأغلبية البرجوازية في الرايخستاغ.
وهكذا، فإننا، من خلال مصير الرايخستاغ الألماني، أمام فصل مهم من تاريخ البرلمانية البرجوازية بوصفها كذلك، ومن مصلحة الطبقة العاملة أن تدرك بصورة كاملة اتجاهاتها وعلاقاتها الداخلية.
إن الوهم القائل إن البرلمان هو المحور المركزي للحياة الاجتماعية، والقوة المحركة للتاريخ العالمي، ليس مجرد وهم يمكن تفسيره تاريخيًا، بل هو وهم ضروري للبرجوازية التي تناضل من أجل السلطة، وفائق الضرورة بالنسبة للبرجوازية التي تمتلك البرلمان بالفعل. والثمرة الطبيعية لمثل هذا التصور هي ما يسمى بـ«الغُفلية البرلمانية»؛ وهي حالة تجعل المرء، أمام الثرثرة الراضية لبضع مئات من النواب في غرفة تشريعية برجوازية، أعمى عن القوى الهائلة للتاريخ العالمي التي تعمل خارجها، في خضم التطور الاجتماعي، ولا تعبأ بصانعي القوانين البرلمانيين. والحال أن علاقة قوى التطور الاجتماعي الأولية العاتية هذه بالذات، والتي تشارك فيها الطبقات البرجوازية نفسها من دون أن تعلم أو تريد، هي التي تؤدي باستمرار إلى تقليص ليس فقط الدلالة الوهمية، بل كل دلالة للبرلمانية البرجوازية.
ويتيح لنا مصير الرايخستاغ الألماني أن نتحقق، بصورة أكثر وضوحًا مما هو عليه الحال في أي بلد آخر، من أن تداعيات التطور، الدولي منه والوطني على السواء، هي التي تؤدي إلى تفكك البرلمانات البرجوازية. فمن جهة، تدفع الحركة السياسية الدولية، التي شهدت خلال السنوات العشر الأخيرة ازدهارًا قويًا، الحياة الاقتصادية والاجتماعية برمتها في البلدان الرأسمالية إلى دوامة من التداعيات الدولية التي لا يمكن التنبؤ بها ولا التحكم فيها، ومن الصراعات والاضطرابات، فتقذف بالبرلمانات البرجوازية العاجزة ذاتها كما تُقذف الأخشاب في بحر هائج.
ومن جهة أخرى، فإن التطور الداخلي للطبقات والأحزاب في المجتمع الرأسمالي يمهّد لبلوغ خضوع البرلمان البرجوازي ويصل إلى أقصى عجزه أمام الصدمة المدمرة لأمواج السياسة العالمية المتلاطمة، وللنزعة العسكرة والمصالح البحرية والاستعمارية.
إن البرلمانية، خلافًا لكونها نتاجًا مطلقًا للتطور الديمقراطي، ولتقدم البشرية وأشياء جميلة أخرى من هذا القبيل، ليست في الواقع سوى شكل تاريخي محدد للهيمنة الطبقية للبرجوازية، ولصراعها ضد الإقطاع ــ وهذا ليس سوى الوجه الآخر لهذه الهيمنة. ولا تكون البرلمانية البرجوازية شكلًا حيًا إلا ما دام الصراع بين البرجوازية والإقطاع قائمًا. وما إن يخبو اللهب الذي يضفي الحياة على هذا الصراع، حتى تفقد البرلمانية غايتها التاريخية من وجهة نظر البرجوازية. غير أن التطور السياسي في البلدان الرأسمالية، منذ ربع قرن، يتسم عمومًا بتسوية بين البرجوازية والإقطاع. إن تلاشي الفارق بين الـ«ويغ» والـ«توري» في إنجلترا، وبين الجمهوريين والنبلاء الملكيين-الإكليروسيين في فرنسا، هو نتاج هذه التسوية وتعبير عنها. وفي ألمانيا، كانت التسوية حاضرة منذ مهد التحرر الطبقي للبرجوازية نفسها، إذ خنقت منذ البداية نقطة انطلاقه ــ ثورة مارس ــ بأن أضفت على البرلمانية، مسبقًا، شكلًا مشوهًا لجنين معلق بين الحياة والموت. وكان الصراع الدستوري في بروسيا يمثل آخر ألسنة لهب الصراع الطبقي للبرجوازية الألمانية ضد الملكية الإقطاعية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الأساس نفسه للبرلمانية ــ أي الاتفاق السياسي بين التمثيل البرلماني للشعب والسلطة الحكومية ــ يؤدي الدور نفسه الذي يؤديه في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، حيث تنبثق الحكومات من الأغلبية البرلمانية القائمة آنذاك؛ بل أصبح يؤدي، على العكس، دورًا معكوسًا، يتوافق مع البؤس الألماني-البروسي المميز: ذلك أن كل حزب برجوازي، ما إن يصل إلى السلطة في الرايخستاغ، يصبح بحكم الأمر الواقع حزب الحكومة، أي أداة للرجعية الإقطاعية. وما علينا إلا أن ننظر إلى مصير الليبراليين الوطنيين وحزب الوسط.
وبعد اكتمال التسوية الإقطاعية-البرجوازية، اختزلت البرلمانيةَ، حتى من وجهة نظر تاريخية، إلى مجرد بقايا شكلية، وإلى جهاز جُرّد من كل وظيفة؛ وبذلك أفرزت، بمنطق لا رجعة فيه، جميع السمات الراهنة اللافتة لتفكك البرلمان. وطالما استمر الصراع الطبقي بين البرجوازية والملكية الإقطاعية، كان الصراع المفتوح بين الأحزاب داخل البرلمان تعبيره الطبيعي. أما بعد اكتمال التسوية، فقد أصبحت الصراعات البرلمانية للأحزاب البرجوازية بلا غاية. ومنذ ذلك الحين، لم تعد النزاعات حول المصالح القائمة بين مختلف جماعات الرجعية الإقطاعية-البرجوازية المهيمنة تُحسم عبر اختبارات القوة داخل البرلمان، بل في شكل مساومات تجري في كواليس البرلمان. ولم تعد بقايا الصراعات البرلمانية المفتوحة للبرجوازية صراعاتٍ طبقية وحزبية، بل لم يبق منها، في أحسن الأحوال، في بلدان متخلفة مثل النمسا، سوى مشاحنات بين القوميات، أي بين الزمر، التي يتمثل شكلها البرلماني الملائم في المشاجرات والفضائح.
مع انتهاء الصراعات بين الأحزاب البرجوازية، تختفي أيضًا أشكال التعبير الطبيعية عنها: الشخصيات البرلمانية البارزة، والخطباء الكبار، والخطب الكبرى. فالمبارزة الخطابية بوصفها وسيلة برلمانية لا يكون لها، في نهاية المطاف، معنى إلا بالنسبة إلى حزب يناضل ويسعى لكسب تأييد الشعب. والخطاب في البرلمان هو، في جوهره، دائمًا خطاب «من النافذة». أما من منظور المساومات التي تجري في الكواليس، والتي تشكل الوسيلة العادية لتسوية نزاعات المصالح في إطار التسوية الإقطاعية-البرجوازية، فإن المبارزات الخطابية تفتقر إلى المعنى، بل إنها غير ملائمة. وهذا ما يفسر استنكار الأحزاب البرجوازية لـ«الثرثرة» في الرايخستاغ، وشعور الشلل والانحطاط المعنوي الناجم عن إدراكها لانعدام جدوى وجودها، ذلك الشعور الذي يخيم كغطاء من الرصاص على الحملات الخطابية للأحزاب البرجوازية، ويحوّل الرايخستاغ إلى مكان من أكثر الأمكنة قحطًا روحيًا وفقدانا للحياة.
وأخيرًا، تنتهي التسوية الإقطاعية-البرجوازية إلى وضع حجر الزاوية للبرلمانية ــ أي الاقتراع العام نفسه ــ موضع تساؤل. ففي نظر البرجوازية، كان للاقتراع العام معنى تاريخي ما دام سلاحًا في الصراع بين الفصيلين الكبيرين من الطبقات المالكة. فقد كان ضروريًا للبرجوازية حتى تتمكن من تعبئة «الشعب» في حملة ضد الإقطاع. وكان ضروريًا للإقطاع حتى يحشد الريف ضد المدينة الصناعية. لكن الصراع انتهى إلى تسوية، وأنجبت القوتان؛ المدينة والريف؛ بدلًا من جيوش ليبرالية أو قروية، قوة ثالثة هي الاشتراكية الديمقراطية؛ ومنذ ذلك الحين، أصبح الاقتراع العام ضربًا من العبث من وجهة نظر مصالح الهيمنة الإقطاعية-البرجوازية.
وهكذا، أكملت البرلمانية البرجوازية دورة تطورها التاريخي، وانتهت إلى نفي ذاتها. غير أن الاشتراكية الديمقراطية، بوصفها في آن واحد سببًا ونتيجة لهذا المصير الذي آلت إليه البرجوازية، رسخت وجودها في البلاد وفي البرلمان. وفي الوقت الذي كانت فيه البرلمانية تفقد كل مضمون بالنسبة إلى المجتمع الرأسمالي، أصبحت أحد أقوى وأهم أدوات الصراع الطبقي بالنسبة للطبقة العاملة الصاعدة. وإنقاذ البرلمانية البرجوازية من أمام البرجوازية وضد البرجوازية، تلك إحدى المهام السياسية الملحة للاشتراكية الديمقراطية.
قد تبدو صياغة المهمة على هذا النحو تناقضًا في حد ذاتها. لكن، كما يقول هيغل: «التناقض هو الحركة». وتقتضي المهمة المتناقضة للاشتراكية الديمقراطية تجاه البرلمانية البرجوازية الدفاع عن هذا الصرح المترنح من العظمة الديمقراطية البرجوازية وإسناده، على نحو يؤدي إلى تسريع الزوال النهائي للنظام البرجوازي برمته، والتعجيل باستيلاء البروليتاريا الاشتراكية على السلطة.
إن فكرة أن إجراء تحليل واضح وجلي للتفسخ الداخلي للبرلمانية، وتوجيه نقد صارم وصريح إليها، يمثلان مغامرة سياسية خطرة، منتشرة إلى حد بعيد في صفوفنا. أفلا نخاطر، في الواقع، بتدمير آمال الشعب في قيمة البرلمانية، وبالتالي بخدمة الرجعية التي تسعى تحديدًا إلى تقويض الاقتراع العام؟
كل من هو على دراية بفكر الاشتراكية الديمقراطية يدرك بسهولة خطأ مثل هذه الحجج. ولن يكون بوسعنا أبدًا خدمة المصالح الحقيقية للاشتراكية الديمقراطية، ولا مصالح الديمقراطية عمومًا، إذا أخفينا عن الجماهير الواسعة حقيقة الأمور كما هي. قد تصلح الحيل الدبلوماسية من حين إلى آخر للمناورات البرلمانية الحقيرة لبعض الزمر البرجوازية. أما الحركة الكبرى للاشتراكية الديمقراطية، التي تتحرك على نطاق التاريخ العالمي، فلا تعرف، في المقابل، إلا الصراحة والصدق المطلقين إزاء الجماهير الكادحة. أفليست طبيعتها الأعمق، ورسالتها التاريخية تحديدًا، هي الارتقاء بالبروليتاريا إلى الوعي الواضح بآليات التطور الاجتماعي والسياسي البرجوازي، في مجمله وفي أدق تفاصيله؟
وفيما يتعلق بالبرلمانية على وجه الخصوص، فإن المعرفة الدقيقة بأسباب تفسخها، المترتبة؛ بمنطق حديدي؛ عن تطور البرجوازية، ضرورية كل الضرورة لتحصين الطبقة العاملة الواعية ضد هذا الوهم الخبيث القائل بإمكان إنعاش الديمقراطية البرجوازية والمعارضة البرجوازية البرلمانية بشكل مصطنع، من خلال تخفيف الصراع الطبقي للاشتراكية الديمقراطية ولجم حدته.
وتوضح السياسة الوزارية الحالية لجوريس النتائج القصوى لهذه الطريقة الرامية لإنقاذ البرلمانية. وهي تقوم على حيلة مزدوجة. فمن جهة، تقوم على نشر آمال وأوهام مبالغ فيها بين العمال بشأن المكاسب الإيجابية التي يمكنهم انتظارها من البرلمان. فالبرلمان لا يحظى فقط بالمديح بوصفه أداة ملائمة للتقدم الاجتماعي والعدالة وارتقاء الطبقة العاملة والسلام العالمي وسائر هذه الأمور العجائبية، بل يُقدَّم، فضلًا عن ذلك، بوصفه الأداة الملائمة لتحقيق الأهداف النهائية للاشتراكية نفسها. وهكذا، تتركز كل آمال الطبقة العاملة وتطلعاتها واهتمامها على البرلمان.
ومن جهة أخرى، داخل البرلمان نفسه، لا يحكم موقف الاشتراكيين الوزاريين سوى إرادة إيصال ما تبقى من الديمقراطية البرجوازية البائس إلى السلطة والإبقاء عليه حيًا. ولتحقيق ذلك، يتجاهلون تمامًا التناقض الطبقي القائم بين السياسة البروليتارية والسياسة الديمقراطية البرجوازية، ويتخلون عن المعارضة الاشتراكية. وهكذا ينتهي الاشتراكيون الجوريسيون، في تكتيكهم البرلماني، إلى التصرف كديمقراطيين برجوازيين عاديين. ولا يعود هؤلاء الديمقراطيون المتنكرون يختلفون عن الديمقراطيين الحقيقيين إلا باليافطة الاشتراكية وبـ… قدر أكبر من الاعتدال.
ومن المستحيل الذهاب أبعد من ذلك في إنكار الذات، وفي التضحية بالاشتراكية على مذبح البرلمانية البرجوازية. وما النتائج المترتبة على ذلك؟
إن النتائج الوخيمة لتكتيك الجوريسية على الحركة الطبقية للبروليتاريا الفرنسية معروفة على نطاق واسع: تفكك المنظمات العمالية، وتشوش الأفكار، وإحباط النواب الاشتراكيين. لكن ما يهمنا هنا ليس هذه النتائج بقدر ما تهمنا نتائج هذا التكتيك على البرلمانية نفسها. وهذه النتائج بالغة السوء على نحو خاص. فالديمقراطيون البرجوازيون، والجمهوريون، و«الراديكاليون»، بدلًا من أن يروا سياستهم تتعزز وتتجدد، فقدوا، على العكس، كل احترام وكل خشية تجاه الاشتراكية التي كانت، في السابق، تمنحهم على الأقل مظهرًا من مظاهر الانضباط والاتزان. غير أن إحدى الأعراض الأشد خطورة ظهرت في الأيام الأخيرة: تزايد خيبة أمل العمال الفرنسيين أنفسهم إزاء البرلمانية. فالأوهام المبالغ فيها لدى البروليتاريا، التي غذتها سياسة جوريس اللفظية، كان لا بد أن تُحدث ارتدادًا عنيفًا، وبالفعل، لم يعد قسم كبير من العمال الفرنسيين يريد أن يسمع شيئًا اليوم، لا عن الجوريسية فحسب، بل عن البرلمان والسياسة عمومًا.
نشرت مؤخرا الصحيفة الناطقة عادةً باسم الماركسيين الفرنسيين الشباب، والتي تتميز بقدر كبير من الذكاء والفائدة، “الحركة الاشتراكية“، سلسلة مفاجئة من المقالات تدعو فيها إلى التخلي عن البرلمانية والعودة البسيطة والمباشرة إلى العمل النقابي؛ بل إنها تعتبر أن «الروح الثورية الحقيقية» تكمن في النضال الاقتصادي للعمال وحده. وفي الوقت نفسه، تقترح صحيفة اشتراكية أخرى تصدر في الأقاليم، هي “عامل اليون”، فكرة أكثر غرابة: بما أن العمل البرلماني لم يحقق أي ثمار للبروليتاريا، ولم يؤدِّ إلا إلى الفساد، فمن الأفضل من الآن فصاعدًا التخلي نهائيًا عن انتخاب نواب اشتراكيين، والاكتفاء بإرسال، مثلًا، راديكاليين برجوازيين إلى البرلمان.
ها هي إذن الثمار الزاهرة لعملية إنقاذ البرلمانية التي باشرها جوريس: اشمئزاز متزايد لدى الشعب من كل عمل برلماني، واللجوء إلى الفوضوية؛ باختصار، هنا يكمن في الواقع الخطر الأكبر الذي يهدد وجود البرلمان والجمهورية عمومًا!
في ألمانيا، لا شك أن مثل هذه الانحرافات في الممارسة الاشتراكية عن ميدان الصراع الطبقي لا يمكن تصورها في الظروف الراهنة. لكن العواقب القصوى التي أفضى إليها هذا التكتيك تشكل تحذيرًا واضحًا للحركة العمالية الدولية بأسرها: فليست هذه هي الطريق التي ينبغي للبروليتاريا أن تسلكها للاضطلاع بمهمتها في الدفاع عن البرلمانية البرجوازية المتحللة. فالطريق الصحيح لا يمر عبر إخفاء الصراع الطبقي البروليتاري والتخلي عنه، بل، على العكس، عبر تصعيده وتوسيعه بأقصى قدر من الحزم، سواء داخل البرلمان أو خارجه. وينتج عن ذلك ضرورة تعزيز العمل خارج البرلمان للبروليتاريا، وتنظيم العمل البرلماني لنوابنا.
ونحن نرى، خلافًا للتصور الخاطئ لتكتيك الجوريسية، أن أسس البرلمانية تكون أكثر رسوخًا وضمانًا كلما لم يعتمد تكتيكنا على البرلمان وحده، بل استند إلى العمل المباشر للجماهير البروليتارية. وستتراجع التهديدات التي تحيق بالاقتراع العام بقدر ما نجعل الطبقات المهيمنة تدرك أن القوة الحقيقية للاشتراكية الديمقراطية لا تكمن إطلاقًا في نفوذ نوابها في الرايخستاغ، بل تكمن خارج البرلمان، بين صفوف الشعب، «في الشارع»، وأن الاشتراكية الديمقراطية قادرة على تعبئة الشعب مباشرة للدفاع عن حقوقه السياسية، ومستعدة للقيام بذلك إذا اقتضى الأمر. وهذا لا يعني أن الإضراب العام دواء شامل يكفي إبقاؤه جاهزًا في كل لحظة لدرء جميع تقلبات السياسة. فالإضراب العام السياسي هو، بلا شك، أحد أهم مظاهر العمل الجماهيري للبروليتاريا؛ ولذلك، من الملح للغاية أن تبدأ الطبقة العاملة الألمانية، بعيدًا عن كل غرور وكل دوغمائية، في اعتبار هذا الأسلوب، الذي لم يُختبر حتى الآن إلا في البلدان اللاتينية، أحد أشكال النضال الممكنة في ألمانيا. ومع ذلك، فإن ما يهم قبل كل شيء هو التنظيم العام لنشاطنا التحريضي وصحافتنا، من أجل دفع الجماهير الكادحة إلى الاعتماد أكثر فأكثر على قواها الذاتية وعلى عملها المستقل، وألا تعود تنظر إلى الصراعات البرلمانية بوصفها المحور المركزي للحياة السياسية.
وتتوقف تكتيكاتنا في الرايخستاغ ارتباطًا وثيقًا بذلك. ومن الواضح ــ ويجب أن نكون واعين بذلك تمامًا ــ أن غياب أي ديمقراطية برجوازية أو معارضة برجوازية جديرة بهذا الاسم في الرايخستاغ الألماني يتيح لنوابنا مجالًا واسعًا لحملاتهم البارزة ولدورهم المرموق. فالاشتراكية الديمقراطية تجد نفسها في موقع مريح إزاء الأغلبية الرجعية، إذ إنها وحدها تمثل، بصورة متماسكة وثابتة، مصالح الشعب، والنضال من أجل رفاهه والتقدم في جميع مجالات الحياة العامة.
غير أن هذه الوضعية الاستثنائية تفرض على الكتلة البرلمانية للاشتراكية الديمقراطية مهمة صعبة: أن تظهر ليس فقط بوصفها حزبًا معارضًا، بل في الوقت نفسه بوصفها ممثلةً لـطبقة ثورية. وبعبارة أخرى، لا تتمثل مهمتها في الاكتفاء بانتقاد سياسة الطبقات المهيمنة من زاوية المصالح المباشرة للشعب وحدها، أي من زاوية المجتمع القائم، بل في أن تضع في مواجهتها، خطوةً بخطوة، مشروع مجتمع اشتراكي يتجاوز أكثر السياسات البرجوازية تقدمًا. فإذا كان يتعين على الشعب، بمناسبة كل نقاش في الرايخستاغ، أن يقتنع بوضوح بأن ظروف الحياة في الدولة القائمة اليوم ستُنظَّم بصورة أكثر عقلانية وتقدمًا وفائدة من الناحية الاقتصادية، متى ما طُبقت المطالب ومشاريع القوانين التي تطرحها الاشتراكية الديمقراطية، فعليه في الوقت نفسه أن يقتنع ــ وبصورة أكثر تكرارًا مما كان عليه الحال حتى الآن ــ بأنه من أجل بناء الاشتراكية، لا بد من قلب هذا النظام برمته.
وفي العدد الأخير من «المجلة الاشتراكية الشهرية»، يطرح بيسولاتي، أحد قادة الانتهازيين الإيطاليين، في مقال له عن الانتخابات الإيطالية، من بين أمور أخرى، ما يأتي:
«في رأيي، إن استمرار نضال الأحزاب المختلفة حول توجهاتها العامة وحدها، من دون أن يتناول المسائل الخاصة المنبثقة من واقع الحياة اليومية والتي تتيح تجسيد هذه التوجهات، دليل على تخلف الحياة السياسية».
ومن الواضح أن هذا الاستدلال، النموذجي للانتهازية، يقلب الحقيقة رأسًا على عقب. فتطوير الاشتراكية الديمقراطية وتعزيزها يفرضان عليها، تحديدًا، إيلاء اهتمام خاص للأمر الآتي: ألا تغرق، ولا سيما داخل البرلمان، في مختلف مسائل الحياة اليومية، وألا تكتفي بممارسة المعارضة السياسية، بل، على العكس، أن تعلن بقوة عن «توجهها العام»: التطلع إلى استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية بهدف تحقيق الثورة الاشتراكية.
فكلما تميز النشاط النضالي الحي والسخي للاشتراكية الديمقراطية عن النبرة الجافة والمبتذلة، وعن الانشغال الانتهازي الضيق للأحزاب البرجوازية، وكلما دافعت، لا عن برنامجها الأدنى فحسب، بل عن مشاريعها الاشتراكية أيضًا، كلما كان الرايخستاغ شاهدا على مدى التقدير لها في أعين الجماهير الواسعة. وبالمقدار نفسه، سيغدو الضمان أقوى أيضًا بألا تتمكن الرجعية من انتزاع هذه المنصة وهذا الاقتراع العام من الجماهير الشعبية بهدوء.