أُعلن عن تشكيل ائتلاف حكومي يضم حزب الأصالة والمعاصرة وأحزاباً كانت تشكل أعمدة ما عُرف بالكتلة الديمقراطية، وهي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية. ويطرح هذا الائتلاف سؤالاً جوهرياً: أي جديد في تشكيل الحكومة الحالية، إذا كانت الاستراتيجية السياسية والاقتصادية التي تؤطر عملها محددة سلفاً، ومهمتها تدبير تنفيذ بنودها؟
إن تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات، ليس سوى حلقة في عملية إعادة تدوير الواجهة الحزبية والحكومية بما يضمن استمرار الاستراتيجية نفسها. فقد راكمت أجهزة الدولة والبيروقراطية الإدارية والأعيان وكبار الرأسماليين خبرة طويلة في هندسة الخريطة الانتخابية وضبط موازين القوى الحزبية، مستفيدة من غياب القوى السياسية الجماهيرية المستقلة القادرة على فرض إرادة الناخبين والناخبات. وهكذا تصبح المنافسة الانتخابية محددة نتائجها العامة، ولا تتيح خروجاُ عن الأهداف الاستراتيجية للحكم.
أدى حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسته للحكومة السابقة، مهمة تنفيذ سياسة شرسة تخدم الرأسمال الكبير، عبر تمويل المشاريع الكبرى للبنية التحتية الضرورية للاستثمارات المُوجّهة أساسا لحفز الصادرات بالاعتماد على الاستدانة العمومية. وفي ظل هذه الحكومة السابقة، انفجرت قضايا فساد وشبهات تواطؤ لنهب المال العمومي أثارت غضبا شعبيا واسعا، كفضيحة تواطؤ الشركات المحتكرة لاستيراد وتوزيع المحروقات، وتلاعبها بالأسعار، ونيل صفقات المشاريع الكبرى كمحطة تصفية المياه بالدار البيضاء، وفضيحة دعم استيراد الأغنام والأبقار… إلخ. وبذلك تحمّل حزب الأحرار المسؤولية السياسية عن خيارات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح واجهةً استوعبت جانباً من الغضب الشعبي، الذي سبق وأن بلغ ذروته في حملة مقاطعة بعض الشركات الاحتكارية. إذن، بعد أن انصب معظم الغضب الشعبي على هذا الحزب، وعلى ائتلافه الحكومي، يتيح استبداله بإتلاف حزبي آخر تجديداً للواجهة الحكومية، مع الإبقاء على جوهر السياسة نفسها. هذا هو الدور الموكول لهذا الحزب الصاعد وائتلافه الحكومي.
ولا يمكن فهم هذا التحول دون استحضار طبيعة النظام السياسي، القائم على ملكية ذات صلاحيات مطلقة، ودورها المركزي في تحديد السياسات الاستراتيجية وتوجيهها. فالحكومة لا تتحكم في جوهر القرار السياسي والاقتصادي، كما أن قطاعات ومؤسسات الدولة الأساسية خارج سلطتها المباشرة. وتظل القرارات الجوهرية، بل التدبيرية في بعض السياقات، تُحسم بأوامر من مركز الحُكم. وحتى الصلاحيات المُخولة للحكومة دستورياً تتبخر على أرض الواقع، وتتحول الحكومة الى فريق من المديرين التنفيذيين المُقيّدين بآليات راسخة ومتشعبة من التحكم السياسي. ومن ثم، فإن تغيير الحكومة لا يعني تغيير جوهر السياسات، كما أن النتائج الانتخابية تفقد كل مضمون ديمقراطي، لأنها لا تعبر عن إرادة شعبية مستقلة، ولايمكن تحويلها إلى اختيارات فعلية قابلة للتنفيذ دون تغيير جذري ديمقراطي.
من مشروع “الانتقال الديمقراطي” إلى الاندماج في تدبير الحكم
تضم الحكومة الحالية أعمدة المعارضة البرجوازية التاريخية (الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، التقدم والاشتراكية)، غير أن مسار الكتلة الديمقراطية انتهى إلى التخلي الكلي عن مشروع “الانتقال الديمقراطي” التوافقي، بعدما أخفقت في فرض إصلاحات جوهرية لبنية النظام السياسي. وتفككت قاعدتها وتراجعت قدرتها على التعبئة، لتتحول مكوناتها إلى أحزاب تنتظر فرص المشاركة في حكومات لا تتحكم في توجهاتها الأساسية. ويجسد انضمامها إلى حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة نهاية مسار دام ثلاث عقود، حيث لم تعد المطالبة بتغيير قواعد الحكم هي المحدد الأساسي لممارستها السياسية، بل أصبحت المشاركة في تنفيذ الاستراتيجية القائمة مبرراً لحضورها الحكومي.
ويكشف هذا المسار عن تآكل الفوارق البرنامجية والتنظيمية التي كانت تميز هذه الأحزاب عن أحزاب نشأت في سياق تدخل الدولة المباشر في تشكيل الخريطة الحزبية، مثل التجمع الوطني للأحرار سنة 1978، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية سنة 1963، ثم حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، بعد مرحلة تمهيدية ارتبطت بحركة لكل الديمقراطيين. وقد جمعت هذه التجارب شخصيات وأعياناً ومنتخبين وتيارات متباينة، في سياقات ساهمت فيها دوائر الدولة في إعادة تشكيل المشهد الحزبي. لذلك لا تعكس مشاركة أحزاب الكتلة في الحكومة الحالية مجرد تحالف ظرفي، بل تعبر عن تحول عميق في هويتها ووظيفتها السياسية، من السعي إلى انتزاع إصلاحات تحد من الاستبداد وتوسع سلطة المؤسسات المنتخبة، إلى التنافس على تدبير السياسات التي يحددها مركز الحكم.
البرنامج الحكومي وأوضاع الجماهير الكادحة
من المنتظر أن تعرض الحكومة برنامجها أمام البرلمان وتحصل على ثقة أغلبيته، وسط نقاشات حول تسيير الجلسات والتصويت ومواقف المعارضة. لكن هذه المناقشات تظل محدودة الأثر، لأنها لا تعكس صراعا حقيقيا بين منظورات اقتصادية واجتماعية وسياسية. فالمشكلة لا تكمن في تبديل الأشخاص والحقائب الوزارية، بل في استمرار السياسات نفسها التي تتحمل الجماهير الشعبية الكادحة كلفتها الأساسية.
وتندرج ضمن أولويات الدولة، التي تشكلت لأجلها الحكومة الحالية، تهيئة الشروط الاقتصادية والسياسية لإنجاح كأس العالم 2030، بما يحمله من رهانات لتكريس موقع المغرب قارياً في المجالات الاقتصادية والسياسية والطاقية والأمنية، فضلاً عن تدبير ملف الصحراء الغربية في ضوء مساعي التوصل إلى حل سياسي.
سيستمر نهب المال العمومي، عبر تنشيط الاستثمار العام الممول بالديون بما يخدم الرأسمال الكبير، ويتواصل ارتفاع معدلات البطالة ، بينما ستتدهور خدمات التعليم والصحة العموميين، وينحدر مستوى الأجور مقارنة وارتفاع الأسعار، ويزداد العبء الضريبي على الكادحين-آت تحت ضغط حاجيات تمويل الدولة وخدمة ديونها. وبينما تُهيأ شروط الاستثمار والربح للرأسمال الكبير، لا يضمن ذلك خلق فرص الشغل الكافية أو تحسين شروط عيش العمال- آت والشباب والفئات الشعبية. وعندما تتعثر الوعود الحكومية، تجد الجماهير نفسها مضطرة للنضال دفاعا عن مطالبها، ومواجهة القمع ومحاولات الاحتواء. كما سيشتدّ التضييق على حريات الاعلام المستقل والضغط على التنظيمات الجماهرية، وسيستخدم القمع المباشر والاعتقال لإخماد التعبئات العمالية والشعبية.
التغيير رهين بتعديل بميزان القوى
إن الصراع السياسي والاجتماعي لا تحسمه الوعود ولا تبديل حكومات الواجهة، بل يُحدّده تعديل ميزان القوى بين من يمتلكون الثروة والسلطة ويوظفون جهاز الدولة للدفاع عن مصالحهم، وبين من لا يملكون سوى قوة عملهم-هن ويواجهون-ن الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد السياسي. فالقوى المستفيدة من الوضع القائم تدافع عن مصالحها بشكل مُنظم، ولا تتخلى عنها تلقائياً أو بمبادرات حسن النية.
ومن ثم، فإن التغيير المنشود الذي سيُحرّر شعبنا سياسيا من الاستبداد ويغير أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، ويكرس السيادة الشاملة ويقطع مع التبعية للامبريالية، يمر عبر بناء قوة عمالية وشعبية مستقلة، قادرة على توحيد النضالات حول مطالب ديمقراطية واجتماعية واضحة، وعلى فرض ميزان قوى مُغاير بوجه هيمنة الرأسمال الكبير وبوجه الاستبداد والاستغلال.
المناضلة الإشتراكية
17 أكتوبر 2026