الموقع تجريبي

نحو نضال نسوي تحرري يتجاوز تمثيل النساء السياسي المؤسساتي

 

عاودت المسألة النسائية الظهور إلى واجهة النقاش السياسي خلال الانتخابات التشريعية بالمغرب التي نظمت يوم 23 شتنبر المنصرم. وكانت المنظمات النسائية الليبرالية قد طالبت وذكرت قبل الانتخابات بضرورة تعزيز التمثيل السياسي للنساء في المؤسسات المنتخبة، ودعت في بياناتها الأحزاب إلى إسناد رئاسة لوائحها الانتخابية للنساء.

ترى مكونات الحركة النسوية الليبرالية في رفع التمثيل السياسي للنساء في البرلمان والمجالس الجهوية والمحلية تجسيدا لمبدأ المساواة في الحقوق السياسية بين النساء والرجال. وتنطلق مطالبتها بالمساواة بين الجنسين في التمثيل السياسي المؤسساتي من دستور 2011 الذي نص في الفصل 19 على المساواة بين النساء والرجال، ولاسيما فقرته الثانية التي تنص على مبدأ المناصفة.

هل زيادة عدد النساء في المؤسسات الانتخابية كاف لتجسيد حقوق النساء؟

ينبغي طرح السؤال بطريقة مغايرة: ما هي فئات النساء التي تتجسد مصالحها في التمثيل السياسي في مؤسسات الدولة. وهل يكفي أن تصل النساء إلى البرلمان، لتعديل شروط الميز؟ في وقت تظل فيه جماهير النساء العاملات والكادحات محرومات من شروط تحقيق حياة مستقلة وكريمة؟

لا يمكن اختزال النضال النسوي في ظفر النساء بمقاعد في البرلمان، لاسيما أن هذه المؤسسة ذاتها لا تعدو أن تكون سوى واجهة لعصرنة استبداد سياسي ضاربٍ في القدم، ومعادٍ لأي تطلع شعبي تحرري. كما لا تنحصر المسألة في عدد النساء المرشحات والناخبات، وإن كان ذلك يمثل إحدى حقوقهن السياسية الأولية جدا التي وجب تثبيتها والدفاع عنها.

إن تمثيل النساء السياسي في مؤسسات برجوازية، حتى أكثرها ديمقراطية، لا يغير في واقع الأمر علاقات السيطرة البنيوية التي يقوم عليها اضطهاد واستغلال النساء. وقد يعطي ارتفاع عدد النساء في المؤسسات التمثيلية مظهرا تقدميا لسلطة الاستبداد السياسي، خاصة في مجتمع أبوي قامع للنساء ولا يعترف بأبسط حقوقهن الإنسانية. لكن عندما تصطدم جماهير النساء العاملات والكادحات والعاطلات بشراسة قمع جهاز السلطة الأبوي في النضالات الشعبية والعمالية والنسوية يسقط القناع النسوي الخادع لهذه السلطة.

النضال الطبقي النسوي من أجل حقوق النساء الديمقراطية.

إن المساواة القانونية، في بعدها المتعلق بتمثيل النساء السياسي في مؤسسات برجوازية، لا تمس الأساس المادي لاضطهاد واستغلا النساء. وانطلاقا من هذه المسألة يمكن فهم تعارض النسوية الليبرالية المدافعة عن التمكين الفردي والسياسي والاقتصادي للنساء، مع مصالح جماهير النساء المنتميات للطبقات الشعبية. لن يَحُدّ برلمان، يخدم من يسيطر طبقيا؛ بتحقيقه شرط المناصفة؛ منتدهور شروط معيشة النساء الكادحات. فالعاملة التي تضطر إلى العمل بأجر منخفض، ثم تعود إلى المنزل لتتحمل وحدها أعمال الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنين، لا تتحرر بمجرد وضع ورقة في صندوق الاقتراع. والمرأة العاطلة، التي لا تملك دخلاً مستقلاً، لا تصبح حرة اقتصادياً لمجرد أنها تستطيع التصويت. والمرأة القروية التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية والنقل لن يتغير وضعها الاجتماعي بمجرد أن تصل امرأة أخرى إلى البرلمان.

لا يكتفي التحليل النسوي الماركسي بدراسة بنية القوانين والثقافة السائدة التي تكرس اضطهاد النساء، بل يفكك الشرط المادي لهذا الاضطهاد الجندري الذي يوجد في بنية اجتماعية واقتصادية تقوم على التسليع والاستغلال. وهنا تكمن إحدى أُسُس النقد الذي وجهته نسويات ماركسيات إلى طروحات النسوية الليبرالية المطالبة ب “تمكين المرأة” وتحطيم “السقف الزجاجي”. فهذا النوع من النسوية يعبر عن المساواة بين نساء ورجال الطبقة المُسيطِرة في ممارسة السيطرة على باقي أقسام المجتمع. لذا يمكن للرأسمالية أن تستوعب عدداً متزايداً من النساء في مؤسساتها السياسية والاقتصادية، من دون أن يَمسّ ذلك بالأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تعيد انتاج اضطهاد وقهر غالبية النساء.

تدافع الاشتراكية الثورية عن الحقوق الديمقراطية. ولا تختزلها في التنصيص القانوني، وتناضل من أجل تجسيدها في واقع الطبقة العاملة نساء ورجالا. ويعد حق الاقتراع للنساء والعمال وحرية التنظيم النقابي والسياسي والتعبير مكاسب تاريخية انتزعتها الحركة العمالية والنسوية عبر نضالات طويلة وفرضتها على البرجوازية. غير أن المهمة الرئيسية لإنهاء شروط استغلال النساء واضطهادهن تتمثل في بناء حركة نسوية ممثلة لمصالح الأغلبية الساحقة من النساء، تضع ضمن أهدافها الرئيسية المساهمة في ثورة اجتماعية لنسف أسس سيطرة الرأسمالية الذكورية.

بقلم: تيليلا

 

 

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟