نظّمت تنسيقية خريجي وخريجات المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة احتجاجات نضالية في عدد من جهات المغرب، في إطار برنامج نضالي يتضمن محطات احتجاجية متتالية خلال شهر أكتوبر الجاري.
رفض واقع البطالة
يُنتقى الطلبة المترشحون للالتحاق بالمعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، ويخضعون لتكوين نظري وتداريب عملية على مدى ثلاث سنوات، تنتهي باجتياز امتحان التخرج والحصول على شهادة الأهلية بحسب التخصص.
ويبلغ عدد خريجي وخريجات هذه المعاهد، بمن فيهم الممرضون والممرضات وتقنيو وتقنيات الصحة (ISPITS)، العاطلين عن العمل في المغرب نحو 8500 شخص، وفقًا لمعطيات وردت في جلسة برلمانية واحتجاجات مسجلة في أغسطس 2026. ويشمل هذا العدد نحو 7000 من خريجي الأفواج السابقة، يُضاف إليهم قرابة 1500 خريج جديد. في المقابل، لا يتجاوز عدد المناصب المالية المعلن عنها سنويًا 5000 منصب.
تعمل الدولة، في الواقع، على الفصل بين التكوين والتشغيل، بحيث تتحول مؤسسات التكوين إلى جهات تمنح شهادات لا تضمن لحامليها الحصول على عمل قار، بل تتركهم عرضة للاستغلال من طرف المستثمرين الخواص، بأجور هزيلة وفي ظروف مهنية هشة.
سبق للدولة أن اعتمدت سياسة مماثلة في قطاع التعليم، ما فجّر معركة نضالية بطولية خاضها الأساتذة والأستاذات المتدربون، انتهت بانتزاع مطلب إدماجهم وإدماجهن في الوظيفة العمومية. غير أن الدولة لم تتراجع عن مخططها، بل غيّرت المسميات والصيغ لتمرير التوجه نفسه، من خلال ما سُمّي بالتوظيف بالتعاقد، الذي فجّر بدوره معركة نضالية استمرت سنوات، وأجبرت الدولة على التراجع عن هذا النظام، دون أن تتخلى عن هدفها المتمثل في ضرب مكتسبات الوظيفة العمومية.
بطالة الخريجين وخصاص المستشفيات
يتزايد عدد خريجي وخريجات التمريض وتقنيات الصحة، في الوقت الذي تصر فيه الدولة على إبقائهم وإبقائهن في وضعية البطالة. وفي المقابل، تقرّ بوجود خصاص كبير في الأطر التمريضية والتقنية والطبية، وهو ما تؤكده معاناة المرضى من ضعف الخدمات الصحية الناجم عن نقص الأطر الطبية والتمريضية والتقنية والتجهيزات.
كما تكشف المؤشرات المتعلقة بعدد الممرضين والممرضات مقارنة بعدد السكان عن احتلال المغرب مراتب متدنية، ليس على الصعيد العالمي فحسب، بل حتى ضمن ترتيب بلدان شمال إفريقيا.
وهكذا، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة صارخة: خريجون وخريجات مؤهلون للعمل يواجهون البطالة، ومستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الموارد البشرية. وهي مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء القرارات السياسية والاقتصادية التي تحكم تدبير قطاع الصحة، وفي مقدمتها سياسة التقشف وتقييد التوظيف العمومي التي تفرضها مؤسسات الديون الدولية من صندوق النقد الدولي وغيره.
سياسة التقشف أنهكت قطاع الصحة المريض
تتفاخر الدولة بمخططات بناء المستشفيات الجامعية والمتخصصة، وتوسيع شبكة كليات الطب، ورفع أعداد الخريجين، وزيادة ميزانية الصحة. لكنها تعتمد في عرض حصيلة هذه السياسات على مقارنات مضللة، تقارن فيها الوضع الحالي بما كان عليه في السابق، وميزانيات السنوات الأخيرة بميزانيات السنوات التي سبقتها، دون ربط هذه الزيادات بالحاجيات الصحية الفعلية للمواطنين والمواطنات.
إن التقييم الموضوعي يقتضي أولًا مراعاة التحولات التي عرفها المجتمع، وفي مقدمتها ارتفاع عدد السكان، والتغيرات الديمغرافية المرتبطة بتقلص نسبة الفئات الشابة وارتفاع احتياجات فئات عمرية أخرى إلى الرعاية الصحية. كما يقتضي اعتماد مؤشرات المقارنة التي توصي بها المنظمات الدولية المختصة، ومنها نسبة ميزانية الصحة العمومية إلى الميزانية العامة للدولة، فضلًا عن مؤشرات الإنفاق الصحي للفرد، وتوفر الأطر الطبية والتمريضية، وعدد الأسرة والتجهيزات الصحية مقارنة بعدد السكان.
أما الحقيقة التي لن تستطيع دعاية الدولة إخفاءها، والتي يعرفها كل مريض ومريضة وكل مرتفق ومرتفقـة، فهي أن الدولة حولت الصحة، عمليًا، من حق أساسي مكفول للجميع إلى سلعة تتحدد إمكانية الحصول عليها بحسب القدرة على الدفع، ومدى التوفر على التأمين الصحي من عدمه.
لقد جعلت الدولة القطاع الصحي يسير على قدمين متفاوتتين: قدم قوية تحظى بكل شروط التوسع والتمدد، يمثلها القطاع الصحي الخاص؛ وأخرى ضعيفة وعرجاء تصارع من أجل البقاء، تتمثل في المنظومة الصحية العمومية.
وفّرت الدولة للقطاع الصحي الخاص سوقًا واسعة للربح، من خلال توجيه جزء من موارد أنظمة الاحتياط الاجتماعي والتأمين والتقاعد نحو الخدمات التي يقدمها، في حين تركت الفئات التي لا تملك القدرة على تحمل تكاليف العلاج تواجه مصيرها داخل المستشفيات العمومية، التي تعاني نقص الموارد البشرية والتجهيزات وضعف الإمكانات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كرّس القانون الأساسي للهيئات الجهوية للصحة ما يُسمّى بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، فاتحًا المجال أمام المستثمرين الخواص لاستغلال البنايات والتجهيزات والإمكانات والموارد البشرية العمومية تحت غطاء الشراكة. والحال أن هذه الصيغة، بدل أن تعزز المرفق الصحي العمومي، تنطوي على خطر تحويل الإمكانات العمومية إلى وسيلة لدعم التوسع والربح الخاص على حساب المصلحة العامة.
لماذا يجب أن تنخرط باقي فئات الشغيلة الصحية في نضالات الخريجين؟
إن معركة خريجي وخريجات المعاهد العليا لمهن التمريض وتقنيات الصحة ليست معركة فئوية معزولة، بل هي جزء من المعركة المشتركة ضد التقشف وتفكيك الوظيفة العمومية وتفويت الخدمات الصحية للقطاع الخاص. فبطالة الخريجين، والخصاص الذي تعاني منه المستشفيات، والهشاشة المهنية التي تهدد العاملين والعاملات، و تسليع العديد من الخدمات الصحية وجوه متعددة لسياسة واحدة تستهدف إضعاف الصحة العمومية وضرب حق الجميع في العلاج المجاني والجيد. لذلك، فإن دعم هذه المعركة والانخراط فيها يشكلان مصلحة مباشرة لباقي فئات الشغيلة الصحية خصوصا و كذلك لكل الطبقة العاملة المتضررة الأولى من خوصصة قطاع الصحة، لأن عزل الخريجين اليوم يسهّل الهجوم على مكتسبات العاملين غدا. والمطلوب هو توحيد النضالات وبناء جبهة كفاحية مشتركة، دفاعا عن الإدماج الجماعي في الوظيفة العمومية، والتشغيل القار، والكرامة المهنية، وخدمة صحية عمومية جيدة ومجانية للجميع. و إعادة توجيه عملنا النقابي نحو بوصلة تدمج مطالب الزيادة في الأجور و تحسين ظروف العمل مع مطالب طلبة و خريجو و خريجات معاهد العليا للمهن التمريضية و تقنيات الصحة مع مطالب الوضيفة العمومية القارة و مجانية الخدمات الصحية.
دفاعًا عن الحق في التشغيل ضمن منظومة صحية عمومية جيدة ومجانية
يدرك الخريجون والخريجات أن التشغيل في القطاع الخاص يعني، في كثير من الحالات، أجورًا منخفضة، واستغلالًا مفرطًا، وهشاشة مهنية، وتضييقًا على الحريات النقابية. وهذا الوعي، المستمد من التجربة العملية، هو ما يدفعهم إلى الدفاع عن التشغيل في القطاع العام، ورفض العمل في القطاع الخاص ما لم يكن خيارًا اضطراريًا لا بديل عنه.
لكن سياسة الدولة تسير في اتجاه تفكيك منظومة القطاع العام، بما في ذلك ضرب مكتسبات التشغيل، من خلال اعتماد التوظيف بالعقود، وإسناد بعض المهام إلى الجماعات الترابية والجمعيات، واستغلال المتدربين والمتدربات في أداء مهام تتجاوز أهداف التكوين، وغيرها من التدابير التي تسهم في تكريس الهشاشة المهنية.
ويتمثل الهدف من هذه السياسات في جعل المستخدمين والمستخدمات المرسمين أقلية داخل منظومة تتسع فيها أشكال التشغيل غير المستقر، وتتعدد فيها الأنظمة التعاقدية، بينما تتوحد أوضاع العاملين والعاملات في ما تتسم به من هشاشة وغياب للاستقرار المهني.
إن نضال خريجي وخريجات المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، إلى جانب الممرضين والممرضات والتقنيين والتقنيات، من أجل الحق في الإدماج الجماعي في الوظيفة العمومية، يستدعي دعم المنظمات النقابية والتنسيقيات المناضلة. فهذه الفئات ليست وحدها المعنية بهذه المعركة، بل هي حليف أساسي لكل العاملين والعاملات في قطاع الصحة، ولكل المدافعين والمدافعات عن الحق في العلاج.
إنها معركة مشتركة ضد هجوم يستهدف تقويض ما تبقى من مكتسبات التوظيف العمومي، وإضعاف المنظومة الصحية العمومية، وتوسيع مجال الاستثمار الخاص في قطاع يفترض أن يضمن حق الجميع في العلاج، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية وقدرتهم على الدفع.
ومن ثم، فإن الدفاع عن الحق في التشغيل والإدماج الجماعي في الوظيفة العمومية ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو جزء لا يتجزأ من النضال من أجل صحة عمومية جيدة ومجانية، وعن مرفق صحي عمومي يستجيب لحاجيات المواطنين والمواطنات بدل إخضاع الحق في العلاج لمنطق الربح والسوق.
بقلم : نقابي المناضلة الإشتراكية