الموقع تجريبي

حان الوقت لأن ندرك أن يسارًا راديكاليًا كبيرًا يتشكل في الولايات المتحدة!

بقلم: يورغوس ميترايلياس  Yorgos Mitralias

 

في ظل الحالة الكارثية التي يعيشها عالمنا، والتهديدات الوجودية الرهيبة التي باتت تخيم عليه، أصبح من الملح أكثر من أي وقت مضى البحث عن القوى القادرة ليس فقط على إعادة الأمل الذي تفتقده شعوب العالم بشدة، بل أيضًا، وقبل كل شيء، على أن تكون مصدر إلهام ومرجعًا لنضالاتها. والمهم أن نكتشف هذه القوى الآن، وليس بعد عشر أو ثلاثين أو خمسين سنة، أي قبل أن تقع الكارثة التي تلوح في الأفق.

ومن دون أدنى شك، لا بد من الإقرار بأن هذا المصدر للإلهام، وهذا المرجع، يتشكل اليوم في قلب الوحش الإمبريالي والرأسمالي نفسه: الولايات المتحدة الأمريكية. ويتمثل هذا في عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، ورفاقه/ته المناضلين/ات في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، والعدد الهائل من الشباب/ات الناشطين/ات والمتعاطفين/ات الذين/اللواتي يستلهمون تجربتهم/ن للنضال، لا من أجل خوض معركة رمزية أخيرة، بل من أجل الانتصار وإحداث تغيير جذري في بلادهم لصالح عالم الشغل وجميع كل من هم في الاسفل!

لا شك أن هذا القول سيصدم كل من يختزل الولايات المتحدة الحالية في دونالد ترامب، وأنصار حركة MAGA، وحزب ديمقراطي مهزوم وعاجز. ومما يُحسب لهم أن التاريخ مليء، للأسف، بأمثلة لأشخاص وأحزاب ــ وغالبًا من اليسار ــ عجزوا عن إدراك، في الوقت المناسب، القوى الجديدة التي كانت تعيد رسم المشهد السياسي في بلدانهم وحقبتهم. فمهما كان الرأي، فإن ممداني ورفاقه/ته يعيدون بالفعل تشكيل المشهد السياسي الأمريكي. والدليل على ذلك أن خصومهم، من قيادات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يهاجمونهم اليوم بصورة مباشرة، ولكن من دون نجاح. والأهم من ذلك أن نجاحاتهم الانتخابية المتتالية تتوسع باستمرار، بينما تتوالى استطلاعات الرأي التي تؤكد صعودهم السريع في افضليات الأمريكيين/ات. ومن الأمثلة على ذلك استطلاع حديث أجرته CNBC، دحض الادعاء القائل إن الاشتراكيين الديمقراطيين لن يستطيعوا الفوز إلا في معاقل الحزب الديمقراطي. ووفقًا لهذا الاستطلاع، أصبح عدد الناخبين/ات الأمريكيين/ات المستعدين/ات للتصويت لمرشحي الاشتراكيين الديمقراطيين يفوق عدد المستعدين/ات للتصويت لمرشحي حركة MAGA أو للمرشحين الذين يدعمهم ترامب! [1]

غير أن الأمر لا يقتصر على استطلاعات الرأي والانتصارات الانتخابية، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير السياسي لمواقفهم وسياساتهم. ومن أبرز الأمثلة موقفهم المناهض لبنيامين نتنياهو وشركاؤه في الحكومة في جرائم الإبادة الجماعية، وهو موقف أسهم بصورة حاسمة في التحول الكبير الذي شهدته مواقف الأمريكيين/ات لصالح الفلسطينيين وضد إسرائيل. ويتجلى هذا التأثير بوضوح في أن 103 أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس صوتوا، تحت ضغط قواعدهم الشعبية، لصالح وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، بعدما كان عدد المؤيدين لهذا الموقف لا يتجاوز في السابق تسعة أو اثني عشر نائبًا. كما أن الفيديو الذي ظهر فيه ممداني وهو يتهم نتنياهو بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ويطالب ترامب باعتقاله فور دخوله الأراضي الأمريكية، شاهده وأشاد به مئات الملايين من الأمريكيين، وحقق خلال ثلاثة أيام فقط أكثر من 91 مليون مشاهدة على منصة X وأكثر من 108 ملايين مشاهدة على إنستغرام!

وهنا، يحق لنا أن نتوجه إلى المشككين وسائر «المتعامون» سياسيًا ببعض الأسئلة الصادقة: هل تعرفون بلدًا آخر، في أوروبا أو في أي مكان آخر، يحكم فيه حزب من اليسار الراديكالي، أو على الأقل حزب يقع إلى يسار الاشتراكية الديمقراطية، مدنًا مثل نيويورك وسياتل وواشنطن العاصمة، ويستعد للفوز بإدارة مدن أخرى، تتصدرها لوس أنجلوس؟ وهل تعرفون بلدًا آخر في العالم يشهد حزبًا مثل الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (DSA) ترتفع شعبيته بهذه السرعة ويحقق مثل هذا النجاح الانتخابي؟ وأخيرًا، هل تعرفون بلدًا آخر، في أوروبا مثلًا، يوجد فيه سياسي يساري يناضل ويتحدث علنًا عن تضامن من هم في الأسفل، والراديكالية السياسية، والأممية العملية، بالطريقة التي فعلها زهران ممداني في خطابه التاريخي الأخير عن نيلسون مانديلا؟[2]

الجواب هو: لا. وللأسف، لا يوجد مثل هذا المثال. ومع ذلك، لا تزال هذه القوى والأحزاب تتعامل مع ممداني ورفاقه بإحدى ثلاث طرق: إما بتجاهلهم تمامًا، والتزام الصمت إزاء الأحداث التي تقلب رأسًا على عقب مجتمع أعظم قوة عظمى في العالم ومشهده السياسي.  أو بمحاولة تشويههم، كما يفعل بعض أنصار الاصطفافات الجيوسياسية والمؤيدين لبوتين، الذين يصرون على تصويرهم كأدوات في يد أجهزة الاستخبارات أو في يد الملياردير جورج سوروس.  أو بالاكتفاء بانتقاد جانب أو آخر من نشاطهم بهدف نزع الشرعية عنهم بالكامل.

ومن الطبيعي ألا يتفق المرء مع كل ما يقوله أو يفعله ممداني ورفاقه في الاشتراكيين الديمقراطيين، كرفضهم مثلًا التفكير في إنشاء حزب عمالي ثالث مستقل. غير أن هذا الخلاف لا يبرر إطلاقًا تجاهل الحقيقة التاريخية المتمثلة في بروز قوة سياسية يسارية وازنة داخل قلب القوة العظمى الأمريكية نفسها، قوة تبشر بالكثير بالنسبة للفئات المستغَلة والمضطهدة، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في العالم بأسره !

إن تجاهل هذا الحدث التأسيسي، وعدم أخذه في الاعتبار عند وضع الخطط السياسية والنضالية، حتى خارج الولايات المتحدة، يعني ببساطة أن هذه الخطط ستظل منفصلة عن الواقع، وبالتالي محكومًا عليها بالعجز والفشل منذ البداية.

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. ذلك أن تجاهل «الأوروبيين» وغيرهم من «المتشككين» لـ«ظاهرة ممداني» والصعود السريع لحركته يعني أيضًا تجاهل التحولات الجديدة والواعدة التي يشهدها المجتمع الأمريكي. وهذا لا يمكن إلا أن يحكم عليهم بأن يبقوا مجرد متفرجين و الاكتفاء بأدوار ثانوية في الصراعات الطبقية الجارية والقادمة.

ذلك أن ممداني ورفاقه لم يهبطوا من السماء، ولا يمثلون ظاهرة عابرة أو مصادفة تاريخية، بل هم ثمرة هذه «الوقائع الجديدة للمجتمع الأمريكي»، وقد نبتت جذورهم في صميمها!

وفيما يلي نموذج لهذه التحولات العميقة التي تعيد تشكيل المجتمع الأمريكي، والتي قد تمهد لهزات سياسية كبرى تتجاوز حدود الولايات المتحدة نفسها. فبحسب استطلاع رأي حديث ومفصل للغاية أجرته مؤسسة غالوب (Gallup)، لم يعد يفصل بين المؤيدين للرأسمالية والمعارضين لها سوى أربع نقاط مئوية فقط؛ إذ بلغت نسبة المؤيدين 50% مقابل 46% من المعارضين. أما قبل سبع سنوات فقط، في عام 2019، فقد كانت نسبة المؤيدين 57%، بينما لم تتجاوز نسبة المعارضين 27%.  لكن الأكثر دلالة هو التحول الجذري في نظرة الأمريكيين/ات إلى الشركات الرأسمالية الكبرى خلال السنوات الأربع عشرة الماضية.

ففي عام 2012، كانت 58% من الآراء مؤيدة لهذه الشركات، مقابل 39% فقط معارضة لها. أما اليوم، فقد انقلبت الصورة تمامًا، إذ أصبحت نسبة المعارضين 62%، في حين تراجعت نسبة المؤيدين إلى 37% فقط. وبالمثل، يصرح 61% من الأمريكيين بأنهم «منزعجون جدًا» لأن الأثرياء لا يدفعون نصيبهم العادل من الضرائب، كما يرى 60% منهم الشيء نفسه بشأن الشركات الكبرى، ومن بين هؤلاء 42% من الجمهوريين.[3]

ويمكن الاستمرار في عرض نتائج عشرات استطلاعات الرأي التي تؤكد جميعها عمق التحولات الجارية داخل المجتمع الأمريكي. وهي تحولات تشكل الأساس الذي يقوم عليه الصعود السريع لـ«الممدانية المنتصرة»، وفي المقابل التراجع الحاد في شعبية ترامب وظاهرة «الترامبية». وهكذا، وللمرة الأولى منذ عام 2016، تقلصت القاعدة الصلبة التي كانت تؤيد ترامب «بشكل أعمى» سنوات طويلة، والتي كانت تقدر بنحو 33% من الأمريكيين، إلى 15% فقط اليوم.

وهذا مؤشر يبشر بمسار أكثر إيجابية للأحداث المقبلة.

 

30 يوليو/تموز 2026

المصدر: https://tinyurl.com/yc8mwfsw

 


إحالات:

[1]Democratic socialists top MAGA candidates among voters in CNBC’s All-America poll, CNBC, 17 juillet 2026.

[2] – Yorgos Mitralias, « Mamdani sur Mandela : un discours inspirant et crucial ! », Mediapart, 23 juillet 2026.

[3]Americans — including many Republicans — are losing faith in capitalism, polling shows, CNN, 23 juillet 2026.

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟