الموقع تجريبي

رحيل موريس بوتان… ستة عقود من النضال من أجل الحقيقة والعدالة

رحل موريس بوتان، المحامي الفرنسي والمناضل الديمقراطي، في باريس عن عمر ناهز 97 عاماً، ابن مدينة مكناس، الذي ارتبط اسمه طوال أكثر من ستة عقود بقضية اختطاف واغتيال الشهيد المهدي بن بركة. غادر الحياة دون أن تتوقف القضية التي ناضل من أجلها: كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل المتورطين في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في تاريخ المغرب المعاصر.

لم يكن بوتان مجرد محامٍ تولى الدفاع عن ملف قضائي؛ كان مناضلاً جعل من مهنته أداة للنضال من أجل الحرية والعدالة، ومن قضية بن بركة قضية سياسية تتجاوز حدود المحاكم والملفات القضائية. فمنذ سنوات الاستعمار الفرنسي، دافع عن المناضلين الوطنيين، واستمر بعد الاستقلال الشكلي في الدفاع عن الديمقراطيين والمعتقلين وضحايا القمع السياسي. وظل وفياً، في الوقت نفسه، للقضايا التحررية العادلة، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني، منخرطاً في حركة التضامن مع نضاله من أجل التحرر والاستقلال.

 

المهدي بن بركة: مناضل في قلب معارك التحرر

كان المهدي بن بركة واحداً من أبرز قادة الحركة الوطنية المغربية، ومن أكثر المعارضين السياسيين حضوراً وتأثيراً على الصعيدين المغربي والدولي. وكان أيضاً من أبرز الأصوات المناهضة للاستعمار والإمبريالية، ومنسقاً لمؤتمر القارات الثلاث الذي انعقد في هافانا سنة 1966، في سياق كانت فيه شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تخوض معارك التحرر الوطني وتواجه الاستعمار والإمبريالية وأشكال التبعية.

وفي 29 أكتوبر 1965، اختُطف المهدي بن بركة في قلب باريس. ومنذ ذلك التاريخ، ظل مصيره مجهولاً، بينما تحولت جريمة اختطافه واغتياله إلى ملف سياسي مفتوح، تتقاطع فيه مسؤوليات أجهزة الدولة وأجهزة القمع والاستخبارات، وتتداخل فيه المصالح الفرنسية والمغربية في حماية أسرار الجريمة وعرقلة الوصول إلى الحقيقة.

ومنذ سنة 1975، ناضلت أسرة المهدي بن بركة من أجل فتح الملف القضائي، وكشف ملابسات الاختطاف والاحتجاز والاغتيال، والوصول إلى جميع الوثائق والاستماع إلى الشهود والمتهمين وتحديد المسؤوليات. لكن الحقيقة ظلت محاصرة خلف جدران السر السياسي، وظل الوصول إليها خاضعاً لحسابات الدول ومصالحها، لا لحق الضحايا والشعب في معرفة الحقيقة.

 

حدود العدالة البرجوازية

وهنا تكمن إحدى الدلالات السياسية العميقة لقضية موريس بوتان. فالقضية لم تكن صراعاً بسيطاً بين عائلة تبحث عن مصير أحد أفرادها وبين مؤسسة قضائية تبحث عن أدلة، بل كانت صراعاً بين مطلب الحقيقة والعدالة من جهة، ومصالح أجهزة الدولة والطبقات الحاكمة من جهة أخرى.

فالعدالة، حين تصطدم بأسرار الدولة وبالمصالح الاستراتيجية وبشبكات السلطة، تكشف حدودها الطبقية والسياسية. وما يسمى بـ«استقلال القضاء» يصبح محدوداً حين يتعلق الأمر بجرائم سياسية تورطت فيها أجهزة الدولة أو حمتها علاقات القوة بين الدول.

لقد اصطدمت جهود موريس بوتان بهذه الجدران طوال عقود. وظل يناضل من أجل الحقيقة في مواجهة سياسة المماطلة، وحجب الوثائق، وإخفاء المسؤوليات، وانتظار أن يفعل الزمن فعله بالمتهمين والشهود. ومع مرور السنوات، رحل العديد من الشهود والمتورطين، وضاعت بذلك أجزاء من الحقيقة، فيما بقيت الدولة متشبثة بإخفاء ما تعتبره أسراراً لا ينبغي كشفها. لكن موريس بوتان لم يستسلم لمنطق النسيان.

لقد أدرك أن معركة الحقيقة ليست مجرد معركة قضائية، وإنما هي أيضاً معركة ذاكرة ووعي سياسي. ولذلك ترك وراءه، إلى جانب مساره النضالي، شهادة مكتوبة ذات قيمة تاريخية وسياسية كبيرة في كتابه «الحسن الثاني، ديغول، بن بركة: ما أعرفه عنهم»، الذي يقدم مادة مهمة لفهم جوانب من التاريخ السياسي المعاصر للمغرب، منذ مرحلة الاستعمار وما رافقها من صراعات سياسية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد وفاة الحسن الثاني.

والأهم أن بوتان لم يتعامل مع قضية بن بركة باعتبارها حادثة معزولة عن سياقها السياسي، بل وضعها ضمن تاريخ الصراع على السلطة، وطبيعة النظام السياسي، وقمع الحريات، والجرائم التي ارتُكبت خلال ما عرف بـ«سنوات الرصاص». ومن هذه الزاوية، تكتسب مواقفه من تجربة «هيئة الإنصاف والمصالحة» أهميتها. فقد رفض أن تتحول المصالحة إلى بديل عن الحقيقة والعدالة، أو أن يُطوى الماضي دون كشف مسؤوليات الدولة وأجهزتها، ودون ضمانات حقيقية تمنع تكرار الجرائم السياسية.

 

«لإنصاف والمصالحة» والحقيقة المؤجلة

إن الاعتراف بالضحايا وتعويض بعضهم لا يمكن أن يكون بديلاً عن كشف الحقيقة. والعدالة الانتقالية التي لا تصل إلى تحديد المسؤوليات، ولا تكشف بنية القمع وأجهزته، ولا تضمن عدم الإفلات من العقاب، تظل عدالة منقوصة. أما المصالحة التي لا تضع الحقيقة في قلبها، فقد تتحول إلى وسيلة لإغلاق الماضي بدل فتحه على المستقبل. وكان بوتان واضحاً في التأكيد على أن معرفة الحقيقة ليست ترفاً تاريخياً، بل شرطاً لفهم حاضر المغرب ومستقبله. وقد كتب:

«ولي اليقين أن هؤلاء المناضلين يدركون تمام الإدراك أن المشاكل التي يواجهها الشعب المغربي لا يمكن التعامل معها بعمق ووعي إلا إذا تم الكشف عن حقائق الماضي وأسراره، لهذا تراهم أيضاً يطالبون بحقهم في معرفة الحقيقة» (ص. 386).

وهذه الفكرة تتجاوز قضية بن بركة نفسها. فالشعوب لا تستطيع بناء مستقبلها فوق ذاكرة مقموعة، ولا يمكن لنظام سياسي أن يدّعي القطع مع الاستبداد بينما يرفض الكشف عن جرائمه السياسية.

لقد قُتل المهدي بن بركة لأنه كان مناضلاً من أجل التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولأنه انخرط في صراع سياسي يتجاوز حدود المغرب نحو أفق تحرري أممي مناهض للاستعمار والإمبريالية. ورحل موريس بوتان بعد عمر طويل من النضال، لأنه اختار أن يقف إلى جانب الحقيقة، إلى جانب الضحايا، وإلى جانب أصوات الأحرار التي حاول الاستعمار إسكاتها، ثم واصل الاستبداد قمعها وطمس آثارها. وبين المهدي بن بركة وموريس بوتان خيط سياسي وأخلاقي واضح: رفض الصمت أمام الجريمة، ورفض تحويل النسيان إلى سياسة، ورفض منح المجرمين صك البراءة.

 

شهادة موريس بوتان للأجيال القادمة

لكن رحيل بوتان لا يعني نهاية المعركة، فالقضية التي حملها طوال عقود لا تزال مفتوحة. والحقيقة التي لم تُكشف كاملة لا تسقط بالتقادم، وذاكرة الشعوب لا تُغلق بقرار إداري أو قضائي، ولا تموت بموت الشهود.

إن قضية المهدي بن بركة ليست مجرد صفحة من الماضي؛ إنها جزء من معركة الحاضر من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستبداد والتبعية. وهي، بالنسبة إلى اليسار الاشتراكي، ليست قضية حقوقية منفصلة عن الصراع الاجتماعي.  إنها جزء من معركة أوسع ضد أنظمة الاستغلال والقهر، وضد التبعية للإمبريالية والنهب الاقتصادي، ومن أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها وبناء مستقبلها بعيداً عن الوصاية والاستغلال.

لقد رحل موريس بوتان، لكن الأسئلة التي حملها لم ترحل معه.

من اختطف المهدي بن بركة؟ من أمر باغتياله؟ من نفذ الجريمة؟ وحماها؟ ومن أخفى الأدلة؟ ومن يملك، إلى اليوم، مفاتيح الحقيقة؟

ستظل هذه الأسئلة مطروحة ما دامت الحقيقة لم تُكشف كاملة.

ومن واجب الأجيال الجديدة ألا تسمح بأن تتحول جرائم الماضي إلى مجرد حكايات في كتب التاريخ. فمعركة الذاكرة هي أيضاً معركة الحاضر، ومعركة كشف الحقيقة هي جزء من معركة التحرر. لقد أرادوا للمهدي بن بركة أن يصمت إلى الأبد، فبقي اسمه حاضراً في ذاكرة المناضلين. وأرادوا للجرائم السياسية أن تُدفن مع ضحاياها، فاستمرت الأسئلة تطارد جلاديها.

إن أفضل وفاء لموريس بوتان بعد رحيله، هو مواصلة ما دافع عنه. وأفضل وفاء للمهدي بن بركة ليس تخليد اسمه في المناسبات، بل استعادة مشروعه التحرري والاجتماعي والأممي، وربطه بمعارك الحاضر.

رحل موريس بوتان، لكن نضاله ترك درساً لا يُنسى: حين تُحجب الحقيقة، يصبح كشفها فعلاً من أفعال المقاومة؛ وحين يُفرض الصمت، يصبح الكلام مسؤولية سياسية.

إنها مسؤولية الجيل الجديد من المناضلين والمناضلات: أن يحملوا شعلة الذاكرة، وأن يواصلوا النضال من أجل الحقيقة والعدالة، ومن أجل التحرر من الاستبداد السياسي والاستغلال الطبقي والتبعية الإمبريالية.

 

نم قرير العين، موريس بوتان.

لقد رحلتَ، لكن القضية التي ناضلت من أجلها لم تمت.

وستظل الحقيقة، مهما طال الزمن، حقاً لا يسقط بالتقادم.

يوم 11 غشت 2026

حسن أبناي

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟