تم اعتقال مواطنة من العرائش كانت من بين الآلاف من المواطنين والمواطنات الذين حاولوا عبور معبر سبتة الحدودي. وقد انتشرت شهادتها، على وسائل الإعلام الالكترونية على نطاق واسع، كاشفة عن وقائع صادمة ومؤلمة عاشها مواطنون ومواطنات قدموا من مختلف مناطق المغرب، أملاً في العبور إلى الضفة الأخرى.
وتطرح هذه المواطنة، في تصريحها، أسئلة مشروعة حول ملابسات فتح المعبر والسماح باجتياز الأعداد الهائلة من المهاجرين والمهاجرات في ظرف وجيز لبوابتي المعبر، ولماذا إغلاقه لاحقاً وإعادة من نجحوا في العبور سباحةً ومشياً. والسؤال الأكثر إلحاحاً: من المسؤول عن عشرات الوفيات التي ذهبت سدى، وعن المعاناة التي تكبدتها هذه الحشود من الشباب والنساء والقاصرين؟
إنها أسئلة يطرحها كل من تابع فصول مأساة أكبر موجة للهجرة القسرية الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة. غير أن رد الدولة لم يكن تقديم أجوبة عن هذه الأسئلة، ولا فتح تحقيق في أسباب هذه المأساة ومسؤوليات الجهات التي تتحمل تبعاتها، بل كان الإسراع باعتقال المواطنة التي تجرأت على نقل ما عاناه آلاف الذين واللواتي توجهوا إلى نقطة العبور بحثا عن فضاء آخر يحتضن آمالهم في حياة كريمة وعادلة.
شهادة مواطنة معتقلة تفضح واقعاً قاسياً تعيشه نساء الطبقات الشعبية
عرّى حديث هذه المواطنة واقعاً مؤلماً، مثقلاً بالفقر والقهر واللامساواة واللاعدالة، تعيشه نساء الطبقات الشعبية في المدن والقرى على حد سواء. فقد جاءت شهادتها بمثابة صرخة في وجه بنية اقتصادية واجتماعية وسياسية تنتج البؤس وتحرم ملايين الكادحين والكادحات من أبسط شروط العيش الكريم.
تحدثت هذه المرأة بحرقة عن بؤس حياتها، وعن المخاطر تتعرض لها النساء جراء هذا البؤس، من عنف وإذلال واستغلال وسحق الكرامة. ففي مجتمع طبقي أبوي قائم على الاستغلال، تتحول النساء إلى قوة عمل رخيصة يستفيد منها رأس المال، بينما تُدفع أخريات، تحت ضغط الحاجة وانسداد سبل العيش، إلى أشكال قصوى من الاستغلال والاتجار بأجسادهن.
من هذا المنظور، لا يمكن اختزال الهجرة في قرار فردي حر ومنعزل عن شروطه الاجتماعية. فالهجرة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الكادحين والكادحات، ليست اختياراً حراً بقدر ما هي نتيجة مباشرة لواقع اقتصادي واجتماعي يسلبهم ويَسلبهن شروط الحياة الكريمة، ويدفعهم-هن إلى المخاطرة بحياتهم-هن بحثاً عن فرصة للعيش بكرامة.
إن من يهرب من الفقر والبطالة والتهميش لا ينبغي أن يكون هو المتهم، بل ينبغي أن تُطرح الأسئلة على النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتج هذه الشروط، وعلى السياسات التي تجعل الهجرة ملاذاً أخيراً أمام من سُدّت في وجوههم-هن سبل العيش.
لا لتحميل الضحايا كلفة أزمة سياسات اقتصادية واجتماعية جائرة
تلجأ الدولة، كما تفعل في كل مرة تنفجر فيها أزمة اجتماعية أو تتصاعد فيها نضالات عمالية وشعبية، إلى جهازها القمعي لتحميل الكلفة لمن اكتووا واكتوين أصلاً بنتائج خياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وهي خيارات تخدم، في جوهرها، مراكمة الثروة في يد أقلية مسيطرة.
ولم يتأخر التدبير الأمني والقضائي لإدارة تداعيات أزمة موجة الهجرة القسرية غير المسبوقة التي عرفها معبر سبتة الحدودي يوم 30 يوليوز 2026. فقد باشرت الدولة، عبر أجهزتها الأمنية والقضائية، عمليات بحث ورصد وملاحقة واسعة استهدفت نشطاء ونشيطات على شبكات التواصل الاجتماعي، انتهت باعتقال عدد منهم بتهم من قبيل «التحريض على الهجرة» و«نشر أخبار مضللة وكاذبة».
وبدل مساءلة السياسات التي أنتجت الفقر والتهميش والبطالة، ومساءلة المسؤولين عن تدبير الحدود وعن المأساة التي عاشها آلاف المواطنين والمواطنات، يجري تحويل الضحايا إلى متهمين، وتجريم كل صوت يحاول كشف الحقيقة.
إن اعتقال مواطنة كادحة من العرائش ليس سوى محاولة لإخراس صوت من نجا ونجت من مأساة العبور الجماعي، وثني الناجين والناجيات عن فضح ما تعرضوا وتعرضن له من إهانات وقمع وتنكيل خلال رحلة العبور ومسار الإعادة.
وتدرك الدولة أن اتساع حجم هذه المأساة يضع الخطاب الرسمي حول الاستقرار والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية موضع مساءلة، ويكشف التناقض الصارخ بين ما يُسوّق من شعارات وبين واقع قطاعات واسعة من الشعب المغربي التي تعيش البطالة والفقر والتهميش وانسداد الأفق.
لذلك، فإن القمع لا يستهدف فقط أفراداً بعينهم، بل يستهدف أيضاً إمكان تشكل تضامن شعبي واسع مع ضحايا هذه السياسات، ومع أبناء وبنات الطبقات الشعبية الذين واللواتي يدفعون ويدفعن ثمن البطالة والقهر والقمع، فيما يواصل نظام الحدود العالمي فرض قيود عنصرية على حرية تنقل البشر، ويحوّل البحر إلى مقبرة للفقراء والمهمشين.
لا لتجريم الهجرة وحرية التنقل.
تُعتقل هذه المواطنة لأنها تجرأت على انتقاد واقع اقتصادي واجتماعي يسلب الشعب المغربي حقه في حياة عادلة وحرة وكريمة. لكن صوتها لا ينبغي أن يُخنق بالاعتقال، بل ينبغي أن يتحول إلى صوت جماعي يطرح السؤال الجوهري: لماذا يُطلب من ضحايا الفقر والتهميش أن يصمتوا، بينما يُعفى المسؤولون عن إنتاج هذه الشروط من المساءلة؟ وكما قالت في تصريحها، علينا أن نكسر الصمت وأن نطالب باسترداد حقوقنا.
إن الدفاع عن حق الهجرة وحرية التنقل ليس دفاعاً عن مأساة الهجرة القسرية، بل هو رفض لتحويل ضحاياها إلى مجرمين. كما أن مواجهة هذه المأساة لا تكون بتشديد القمع وعسكرة الحدود، وإنما بالقضاء على الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الملايين إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل.
الحرية الفورية للمواطنة المعتقلة من العرائش على خلفية تصريحها.
لا لتجريم الحق في الهجرة وحرية التنقل.
لا لتحميل ضحايا الفقر والتهميش كلفة السياسات التي تنتج الفقر والتهميش.
لنعمل، أكثر من أي وقت مضى، على تنظيم فعل المقاومة الجماعي من أجل فرض بديل اجتماعي ديمقراطي شامل، يضع حاجات الإنسان وحقوق الكادحين و الكادحات فوق منطق الربح و مراكمة الثروة.