اغتيل ليون تروتسكي على يد عميل ستاليني يُدعى رامون ميركادير، في 20 غشت 1940، بمنزله في مكسيكو سيتي، حيث ضربه بفأس لتسلق الجبال على رأسه، وهي الجريمة التي استعاد الكاتب الكوبي ليوناردو بادورا تفاصيلها في رواية صدرت عام 2009 بعنوان «الرجل الذي كان يحب الكلاب».
اضطهاد سياسي، وحظر فكري، وتصفية جسدية
اغتياله لم يكن سوى الحلقة الأخيرة في مطاردة طويلة قادها جهاز ستالين ضد تروتسكي وعائلته ورفاقه. فقد طارد ستالين أبناء وأحفادتروتسكي، وتعرض أنصاره للتصفيات والإبادة في معسكرات الاعتقال الوحشية في سيبيريا،لم يسلم منها معظم القادة البلاشفة الأساسيين،أعضاء لجنة الحزب المركزية الذين قادوا إلى جانب لينين وتروتسكي ثورة أكتوبر المجيدة. كما شهدت الأحزاب الشيوعية حملات تطهير واسعة ضد التروتسكيين. وفي الوقت نفسه، كانت الفاشية تطاردهم وتسحقهم، بينما عملت الحكومات الليبرالية على خنقهم وملاحقتهم في بلدانها.
طُرد تروتسكي من الاتحاد السوفياتي، وأُسقطت عنه جنسيته السوفياتية، وجُرّد من عضويته في الحزب الشيوعي السوفياتي، في محاولة يائسة لدفن تاريخ سياسي وفكري شامخ. فقد كان تروتسكي رئيساً لمجلس سوفيات بطرسبورغ خلال ثورة 1905، وأحد أبرز قادة الثورة الروسية، ثم مؤسساً للجيش الأحمر وقائده خلال الحرب الأهلية الدامية التي شنّتها القوى الإمبريالية وفلول الجيش القيصري والثورة المضادة، في محاولة لخنق الثورة الروسية الفتية.
جال تروتسكي العالم بحثاً عن ملجأ، لكن الديمقراطيات البرجوازية في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية لم تغفر له دوره في انتصار ثورة أكتوبر 1917، ولا إسهامه في إسقاط القيصرية وتهديد امتيازات الطبقات المالكة، ولا فضحه للنظام الإمبريالي ومعاهداته وتقسيماته ونهبه لشعوب العالم. والأهم من ذلك، أنها لم تغفر له مساهمته في إعادة شبح الثورة الاشتراكية والشيوعية ليحوم فوق عروش الرأسمالية.
ورغم المأساة الشخصية والتضحيات الهائلة التي دفع ثمنها بفقدان أفراد من أسرته ورفاقه في بلدان عديدة، ورغم الافتراءات الستالينية والتهديدات الفاشية والملاحقات والمضايقات التي لا حصر لها، ظل تروتسكي وفياً لما اعتبره أعظم مهمة ألقاها التاريخ على عاتقه، ومسؤولية تفوق كل ما اضطلع به من مهام في الماضي. مسؤولية إبقاء الراية الاممية العمالية الثورية مرفوعة بإعلانه تأسيس الأممية الرابعة في وجه الإنحطاط الذي بلغته الاممية الستالينية التي لم يبق منها، منتصف الثلاثينيات، إلا الإسم الذي أطلقته عليه مؤسسوها وكان تروتسكي أبرزهم.
إرث حي لا يموت
لقد اعتبر تروتسكي أن الدفاع عن الثورة الاشتراكية، وعن الماركسية الثورية، وعن الديمقراطية العمالية، في مواجهة المسخ البيروقراطي الستاليني الذي استولى على السلطة في الاتحاد السوفياتي، واجباً تاريخياً لا تراجع عنه؛ واجباً تجاه الأجيال القادمة التي ستواصل النضال ضد النظام الرأسمالي وضد كل أشكال الديكتاتورية، من أجل ألا تُثقل كاهلها بإرث الجرائم التي ارتُكبت باسم الثورة الروسية والاشتراكية. لذا كرّس تروتسكي السنوات القليلة التي سبقت تصفيته لتأسيس أممية جديدة(الرابعة)، بعدما أفلست الاممية الثالتة بعد وفاة لينين، وسيطرة الستالينية على قيادتها، وبذلك تخلت عن استراتيجيةالثورة البروليتاريا العالمية.
لقد قادت هذه الاستراتيجية، إلى إفشال ثورات بروليتارية وشيكة في عدد من البلدان، وإلى انتصار الفاشية، مما قاد إلى سحق الطبقة العاملة الألمانية، وما تبع ذلك لاحقاً من حرب عالمية ثانية كلّفت الإنسانية والطبقة العاملة ثمناً باهظاً.
كتب دويتشر[1]
” إن مجرى حياة تروتسكى غنى ومتألق لدرجة أن أياً من أجزائه كان كافياً بملأ حياة شخصية تاريخية مرموقة. لو توفى في التلاثين أو الخامسة والتلاثين من عمره، قبل عام 1917 بقليل، لكان وضع في مصاف مفكرين وثوريين روس من أمثال بيلينسكي وهرزن وباكونين، كسليلهم الماركسي والمساوي لهم. ولو أن حياته انتهت عام 1921، أو بعد ذلك، في الفترة التي مات فيها لينين تقريباً، لكان الناس تذكروه كقائد ثورة أكتوبر ومؤسس الجيش الأحمر وقائده الكبير خلال الحرب الأهلية وكمرشد الأممية الشيوعية، الذي كان يتوجه إلى عمال العالم بقوة ماركس وألقه، وبنبرات لم يجر سماعها منذ البيان الشيوعي(…)حتى لو توفى عام 1927، لكان ترك خلفه تراثاً من الأفكار لا يمكن تدميره أو الحكم عليه بنسيان طويل الأمد، تراث من أجله واجه الكثير من أنصاره مفرزة الإعدام واسمه على شفاههم، تراث يزيد الزمن من راهنيته ووزنه ويتلمس الطريق نحو جيل سوفياتي جديد”
قُتل تروتسكي غدراً على يد الستالينية، كما قُتل آلاف الشيوعيين في روسيا وفي مختلف أنحاء العالم، قبل اغتياله وبعده. دُفن جسده في قبر، لكن أفكاره ومواقفه لم تُدفن معه. بقيت حية في وعي أجيال من المناضلين والمناضلات، وفي عقول شبيبة ثورية تواصل البحث عن ومضة الثورة الاشتراكية في براثن ظلام البربرية الرأسمالية، وسط أزماتها المتفاقمة، وحروبها المدمرة، وكارثتها البيئية، وعنصريتها، واستعمارها المستمر بأشكال جديدة.
نشاطر ما كتبه إرنست ماندل في تقديمه لكراسه : تروتسكي:دراسة في دينامية فكره،
” إننا لا نؤمن بإن هناك شيئا ما كإنسان عبقري معصوم عن الخطأ، ولا بالطبع حزب سياسي أو لجنة مركزية أو قيادة لحزب معصومة عن الخطأ. لقد كان لتروتسكي أخطاؤه، وسنشير إلى بعضها في مسار تحليلنا. ولكن كحالة المفكرين الكبار الآخرين وبالأخص الثوريين الآخرين، فإن أخطاءه كانت بدورها مصادر لمعرفة وبراهين عن منزلة رفيعة. ورغم أنه ليس لدينا أية نية لكتابة سيرة قديس، فنحن مقتنعون حتى أكثر مما كنا حين بدأنا نضالنا السياسي من أجل الماركسية الثورية منذ أربعين سنة، بأن مقام تروتسكي لن يتوقف عن الإرتفاع مع مرور الزمن.”[2]
اغتيل تروتسكي، لكنه لم يمت فأفكاره السياسية وإرثه النظري لازال يلهم الطلائع الثورية في معاركها اليوم
بقلم: بوعزة الخليل
21/08/2026
إحالات:
[1] – اسحاق دويتشر كاتب سيرة تروتسكي في ثلات أجزاء. صدرت الطبعة الأولى باللغة العربية بترجمة رائعة وبتقديم كميل قيصر داغر سنة 1982 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر
[2] -https://www.marxists.org/arabic/archive/mandel/1900-lt/index.htm