الموقع تجريبي

وحدة التنظيم وحرية النقاش: في معنى المركزية الديمقراطية

إن النضال العمالي، في شقّيه الاقتصادي والسياسي، يفرض تنظيم قوى طبقتنا من أجل صدّ الهجمات المستمرة على مكاسبها، والانتقال،إلى شنّ هجوم طبقي يفرض مصالحها وخياراتها. فالتنظيم العمالي ضرورة قائمة في فترات خفوت الصراع الطبقي، كما في لحظات تصاعده وبلوغه ذروته.

غير أن التجربة العملية للنضال الطبقي أظهرت أن ما يفترض أن يكون أداةً للصراع ضد الطبقات الرأسمالية يمكن أن يصيبه صدأ البيروقراطية، فيتحول من أداة لتعبئة قوى الطبقة وتنظيم نضالها إلى كابحٍ لها، بل قد ينتهي به الأمر إلى إضعافها وتدمير قدرتها على المبادرة والفعل الجماعي.

فالمنظمات النقابية، والحزب العمالي، والدولة الانتقالية التي تنشأ بعد ثورة ظافرة وإسقاط السلطة الرأسمالية، هي جميعًا أشكال من أشكال التنظيم المرتبطة بالنضال العمالي. وهي، بحكم طبيعتها، تحمل في جوهرها قابليةً لنشوء ميل بيروقراطي يمكن، بتوافر جملة من العوامل المساعدة، أن يتطور إلى انحطاط بيروقراطي ناجز، وإلى تغير عميق في أدوار هذه المنظمات، فتنتقل من أدوات في يد الطبقة العاملة إلى أجهزة تخضع لسيطرة شريحة بيروقراطية ذات مصالح متمايزة عن المصالح التاريخية للطبقة العاملة.

 

حزب عمالي ممركز لقوى الطليعة، وتسيير ديمقراطي، وعلاقة ديمقراطية مع المنظمات الجماهيرية

أفقد انهيار التجارب الستالينية، التي جرى زورًا مماثلتها مع الاشتراكية، وعودة الرأسمالية إلى الصين، ومعاناة التجربة الكوبية تحت وطأة حصار إمبريالي مديد، مفهوم البديل الاشتراكي، وكذلك الحزب العمالي والديمقراطية العمالية، قدرًا كبيرًا من المصداقية. وتحتاج الأجيال الحالية إلى تجارب جديدة تعيد بناء هذه المصداقية عبر الممارسة الملموسة، وتجسيد منظومة كاملة من الترسانة النظرية والسياسية، باعتبارها حصيلة قرنين من نضالات الحركة العمالية وتجاربها.

إن النقاش حول ضرورة الحزب العمالي الاشتراكي يرتبط ارتباطًا لا انفصام له بالسؤال الجوهري: هل تظل الثورة الاشتراكية بديلًا للرأسمالية اليوم، أم أن أفق النضال ينبغي أن يقتصر على إصلاح الرأسمالية؟ وبالتالي، فإن النقاش حول ماهية الحزب العمالي، وبرنامجه، وآليات اشتغاله، لا يمكن فصله عن غاية محددة: بناء أداة قادرة على قيادة الثورة الاشتراكية، وتوجيه قواها نحو الانتصار على المدى المنظور.

شهدت منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في نهاية سنة 2010، اندلاع شرارة سيرورة ثورية انطلقت من تونس، لتجتاح لاحقًا بلدانًا عديدة، محدثة زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا هائلًا، واكتساحًا شعبيًا واسعًا للشوارع في انتفاضات ومدن وحركات احتجاجية استثنائية. وقد بلغت موجات هذه السيرورة، إلى حدود اليوم، حد إسقاط رؤوس وأنظمة استبدادية في تونس ومصر واليمن والسودان والجزائر، مع اختلاف مسارات هذه التجارب ومآلاتها من بلد إلى آخر.

لكن أية انتفاضة شعبية في بلدان المنطقة لم تنجح، حتى الآن، في تحقيق شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». بل نجحت الأنظمة القائمة، بدرجات متفاوتة، في تفكيك الديناميات الهجومية للجماهير الغاضبة، إما عبر القمع الدموي، مستفيدة من التركيز الشديد لقوة الدولة، وخاصة نواتها الصلبة المتمثلة في أجهزة الجيش والأمن، وإما عبر مناورات سياسية، من قبيل التضحية برأس النظام أو ببعض رموزه، دون المساس بجوهر المصالح الطبقية والسياسية للطبقات الحاكمة.

وفي عدد من البلدان، لجأت الطبقات الحاكمة وحلفاؤها إلى إدارة أو تغذية حروب أهلية مدمرة بهدف إجهاض الدينامية الثورية للانتفاضات، وتحويل غضب الجماهير إلى اقتتال واستنزاف، وجعل الشعب منهكًا ومروّعًا وباحثًا عن مجرد الأمان أمام هول الدمار والقتل والتشريد.

فما الدرس الجوهري الذي نستخلصه من تجارب ما تزال ماثلة أمامنا في عدد من بلدان منطقتنا؟

الدرس واضح: من دون حزب عمالي جماهيري يحظى بثقة الطلائع، أي القوى العمالية والشعبية التي تخوض المعارك النضالية في الميدان، ومسلح بالخبرة المتراكمة، ومحافظ على استقلاليته السياسية والبرنامجية والتنظيمية، ويبرهن عمليًا عن استحقاقه لتوجيه ومركزة القوى الثورية، سيكون من الصعب مواجهة الطبقات الحاكمة الأكثر قوة، والتي تمتلك أجهزة دولة متماسكة، وقوة عسكرية وأمنية هائلة، وموارد مادية واسعة، وخبرات متراكمة في إدارة المجتمع وقمع الجماهير وخداعها واحتواء نضالاتها.

ومن يؤمن بأن الثورة الجذرية لتغيير الأنظمة الرأسمالية ما تزال مطروحة على جدول الأعمال، عليه أن يفهم أن تحقيق هذا الهدف مستحيل، كما تؤكد التجربة، دون مركزة قوى الشعب الكادح والطبقة العاملة ،بأقسامها وتقاطع أشكال استغلالها واضطهادها، عبر أدواتها التنظيمية، وفي مقدمتها الحزب العمالي الجماهيري.

وهذا الحزب ليس مجرد اسم يُطلق، ولا لافتة تُعلّق، ولا إعلانًا ذاتيًا لا يغير شيئًا من الواقع. لقد شهدنا، عشية اندلاع السيرورة الثورية، عشرات المسميات لأحزاب ومنظمات وعصب أضيفت إليها نعوت «الشيوعية» و«الثورية» و«العمالية» و«الاشتراكية»، لكنها لم تكن، في الواقع، سوى إعلانات عن النوايا، لا تعكسها مواقعها الفعلية داخل الحركة العمالية والشعبية ولا وزنها في الصراع الطبقي.

إننا، في الواقع، إزاء تنظيمات وتيارات ومناضلين ومناضلات أفراد يرفعون راية النضال من أجل ثورة عمالية اشتراكية، في سياق تتضافر فيه أزمات النظام الرأسمالي المتعددة، ولكن أيضًا في سياق أزمة البديل العمالي الذي فقد مصداقيته في أعين قطاعات واسعة من الطلائع التي تناضل اليوم بشراسة ضد أحد أوجه تناقضات الرأسمالية، من دون أن تمتلك رؤية إجمالية لبديل اجتماعي وسياسي.

فالنضالات الهائلة التي تخوضها الجماهير لا تتحول، في معظم الأحيان، إلى قوة تعزز منظمات النضال العمالي والشعبي، ولا تزال البدائل الاشتراكية متقوقعة في أوساط محدودة جدًا، مقابل هيمنة الثقافة الرأسمالية وتقديس الملكية الخاصة، وربطها تعسفًا بالحريات الفردية والترقي الاجتماعي الفردي، مع التغاضي عن الكلفة التي يفرضها هذا النمط من الإنتاج على المجتمع: أزمات اقتصادية مدمرة، وتفاقم اللامساواة والاستغلال، وكارثة بيئية تهدد مستقبل الكوكب.

فكيف يمكن إقناع الطلائع المناضلة، التي تخوض معارك شرسة من أجل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وضد الاستعمار والصهيونية، وضد التسلح ومخاطر الدمار الشامل، ومن أجل حماية البيئة، بجدوى البديل الاشتراكي، إذا كانت التنظيمات المدافعة عنه تتكرّس داخلها مركزية بيروقراطية تخنق النقاش والديمقراطية؟

كيف يمكن تبرير مطالبة مناضلين ومناضلات داخل هذه التنظيمات بالاصطفاف وراء رأي أو خيار تكتيكي معين، رغم امتلاكهم رأيًا آخر، ثم منعهم من تشكيل تيار قانوني داخل الحزب حول هذه المسألة، مع الالتزام في الوقت نفسه بتنفيذ قرار الأغلبية؟

ومن سيقبل بالبقاء في حزب أو تنظيم يعيد إنتاج التراتبية نفسها وتقسيم الأدوار السائدين في المجتمع الطبقي، بدل أن يقدم في ممارسته التنظيمية نموذجًا مختلفًا للعلاقات الديمقراطية التي يناضل من أجلها؟

إن الدفاع عن الديمقراطية العمالية، بما هي أوسع وأعمق من الديمقراطية البرجوازية، سواء في إطار دولة المجتمع الانتقالي بعد إسقاط حكم البرجوازية، أو داخل الحزب، أو في العلاقات مع منظمات النضال الجماهيري، هو شرط أساسي لكل من يقتنع ببناء حزب العمال الاشتراكي باعتباره أداة لا غنى عنها للثورة الاشتراكية.

لا توجد طريق معبّدة للوصول إلى هذا الهدف، ولا يوجد كتاب يمكنه أن يقدم وصفة جاهزة لسبل وطرق بلوغ الاستقلال السياسي والتنظيمي للطبقة العاملة. لكن المؤكد أن التجارب الغنية للحركة العمالية، والإرث النظري والسياسي الذي راكمته، إلى جانب تجاربنا الملموسة، تمنح الاشتراكيين والاشتراكيات عدةً غنية تساعدهم على الإجابة عن قضية مصيرية وبالغة التعقيد ظلت مطروحة أمام أجيال متعاقبة من المناضلين-ات.

علينا أن نتسلح بوعي نقدي ومتقدٍ ومنفتح، وبقدر كبير من التواضع، وبالعمل الصبور والدؤوب، وبالاقتناع بأن القضايا الجوهرية لا تُحسم بمناورة هنا أو هناك، ولا بالادعاءات الإستعراضية، ولا بإطلاق الشعارات، وإنما بعمل طويل النفس، وبالاختبار الفعلي للأفكار في خضم الصراع الطبقي، وبالقدرة على تحويل مبادئ الديمقراطية العمالية إلى ممارسة يومية داخل الحزب وفي علاقاته مع الطبقة العاملة والجماهير الكادحة.

 

البيروقراطية في المنظمات العمالية

فالبيروقراطية شريحة ذات امتيازات خاصة، تتشكل من مناضلين ومناضلات أُسندت إليهم مهام ووظائف داخل الجهاز التنظيمي، لكنهم يكتسبون، تدريجيًا، استقلالية متزايدة عن القاعدة التي انتدبتهم. ويصبحون أصحاب القرار الفعلي في التنظيم ، عبر مسار متدرج يؤدي إلى شلّ الحيوية الرقابية للقاعدة، وصولًا إلى نشوء مصالح مشتركة خاصة بهذه الشريحة. وقد تتحول البيروقراطية، في مرحلة معينة، إلى قوة واعية بمصالحها كجهاز، فتعمل على إحباط محاولات استعادة الديمقراطية الداخلية في التنظيم العمالي.

وغالبًا ما تنشأ البيروقراطية على قاعدة المنافع والامتيازات المادية التي يستفيد منها الممثلون العماليون. لذلك اعتبر لينين أن الأرستقراطية العمالية في الأممية الثانية نشأت في سياق سياسة التوافق الطبقي واندماج الشرائح العمالية العليا في المجتمع البرجوازي، فيما شرح تروتسكي نشوء البيروقراطية الستالينية بالاستناد إلى المكاسب المادية والسياسية التي أفرزتها ثورة أكتوبر العمالية.

فهل الشروط المادية وحدها هي سبب بروز الظاهرة البيروقراطية؟ لا شك في أنها تشكل عاملًا أساسيًا، لكنها ليست شرطًا وحيدًا. فقد ظهرت البيروقراطية، بمعنى استئثار الجهاز بالقرارات واتخاذ القاعدة مجرد جسم للتصفيق، داخل منظمات عمالية محدودة الموارد وبائسة الإمكانات، لكنها تكرّس نوعًا من «عبادة الرفيق القائد»، أو تضفي عليه هالة معنوية يُحقن بها الملتحقون الجدد، فيُسلّمون بكل ما يصدر عن القيادة من قرارات، ويستعصي عليهم محاسبتها على خياراتها وأخطائها. ويجري، في هذه الحالة، مماثلة القيادة بالتنظيم نفسه: فلا تنظيم بدونها، ولا مجال للتفكير في تغييرها حتى وإن ثبت عقم نهجها وإفلاس منظورها. وغالبًا ما يبقى التنظيم عالقًا بين كماشة هذا النوع من البيروقراطية حتى ينهار ويدفن. للظاهرة البيروقراطية بعد اخر كما كتب ارنست ماندل “على الصعيد النفسي والأيديولوجي، جلي أنه من المستحب للغاية، لاشتراكي أو شيوعي مقتنع، أن يناضل اليوم كله من أجل أفكار وأهداف هي أفكاره وأهدافه، بدل أن يقوم، طوال ساعات، بحركات آلية في منشأة، مدركا أنه في الأخير إنما يسهم في إغناء الطبقة العدو.” و أظاف : “طالما بقيت المنظمات العمالية مجموعات صغيرة جدا، وعصبا سياسيا أو مجموعات دفاع ذاتي ضئيلة عدديا، ليس ثمة جهاز، وليس ثمة مداومون ولا يمكن أن تطرح المشكلة. يمكن بالأكثر أن تثار على هذا الصعيد مسالة العلاقات بين المثقفين البرجوازيين الصغار الذي يأتون للمساعدة في تطور هذه الحركة العمالية الجنينية، وحتى استبدادية القادة الصغار العماليين التي تعكس التراتب الاجتماعي وقيمه في صفوف الطبقة العاملة. أيا كان طابع هذه الظاهرة المقلق، ليس ثمة بعد قاعدة مادية تحدد استمرارها ولا حتى استقرارها” (1)

وتتمثل إحدى المداخل الأساسية للخروج من هذا التناقض بين ضرورة التنظيم وخطر انحطاطه البيروقراطي في بناء منظور برنامجي يجري بلورته واختباره في واقع الصراع الطبقي، وفي تكريس المركزية الديمقراطية كآلية للعمل داخل التنظيم، مع إغنائها بالدروس المستخلصة من تجارب المنظمات العمالية ومن تاريخ نضالات الطبقة العاملة.

 

المركزية الديمقراطة والمركزية البيروقراطية

فالمركزية الديمقراطية ليست علاجًا سحريًا للبيروقراطية، ولا تشكل ضمانة نهائية ضد الأزمات التنظيمية. لكنها تظل، في تصورنا، الآلية التي تتيح الجمع بين وحدة التنظيم وحرية النقاش، وبين وحدة الفعل وحق الاختلاف، بما يحول دون تحول الخلافات التكتيكية والسياسية إلى تمزقات تنظيمية.

وفي هذا السياق، يمكن تمييز صنفين من الاشتراكيين والاشتراكيات.

الصنف الأول يدافع عن مركزية بيروقراطية باسم الانضباط الحديدي، ويرفض حق تشكّل التيارات داخل التنظيم حول القضايا السياسية أو التكتيكية موضع الخلاف. وغالبًا ما ينظر هذا التصور إلى كل تمايز إيجابي داخل التنظيم باعتباره مساسًا بالطبيعة الطبقية المشتركة لأعضائه وعضواته، أو تهديدًا لوحدته.

غير أن واقع هذه المنظمات سيتكفل، عاجلًا أم آجلًا، بتلقين أصحاب هذا التصور دروسًا مؤلمة، عبر سلسلة متواصلة من الأزمات التنظيمية والسياسية التي لن تنفع معها خطابات التخوين، ولا اتهامات الارتداد عن «الخط السديد»، ولا الادعاء باحتكار الوفاء للمبادئ.

أما الصنف الثاني، فيعلن دفاعه عن المركزية الديمقراطية بكل أبعادها، لكنه يقوضها في الممارسة العملية ويُفرغها من مضمونها. فقد عرف اليسار الاشتراكي حالات تفكك لمنظمات بأكملها، وأزمات عميقة داخل منظمات أخرى، كان من نتائجها فقدان آلاف المناضلين والمناضلات الاشتراكيين والاشتراكيات، بعدما اصطدموا بالتناقض الصارخ بين القول بالمركزية الديمقراطية وبين ممارسات تنظيمية تنتهك جوهرها.

 

المركزية الديمقراطية: من حرية النقاش إلى ديمقراطية فعلية داخل الحزب

إن اختزال المركزية الديمقراطية في صيغة «الحرية في النقاش والانضباط في العمل» صيغة مضللة، لأنها توحي بأقصى قدر من الحرية قبل اتخاذ القرار، ثم بالصمت المطيع بعد اتخاذه. فالمركزية الديمقراطية لا تعني إغلاق النقاش بمجرد تصويت الأغلبية، ولا تحويل الانضباط التنظيمي إلى حق في إسكات الرأي المخالف.

إنها تعني، في المقابل، الحق في الدفاع عن الرأي المخالف حتى بعد اتخاذ القرار بالأغلبية، مع الالتزام في الوقت نفسه بتنفيذ القرار المتخذ. كما تعني أن يكون للرأي المخالف الحق في أن يتحول إلى تيار معترف به داخل الحزب، وأن يمتلك كامل الحق في طرح المسألة من جديد للنقاش والتصويت، متى توفرت الشروط السياسية والتنظيمية لذلك. فالوحدة في العمل لا تستلزم وحدة الآراء، والانضباط التنظيمي لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء للتعدد السياسي والفكري داخل الحزب.

لكن السؤال لا يتوقف عند حدود العلاقة بين الأغلبية والأقلية. كيف نضمن ألا يعيد الحزب، في بنيته وعلاقاته الداخلية، إنتاج أشكال الاضطهاد والقهر التي يناضل ضدها في المجتمع؟

كيف ندمج البعد النسوي ومناهضة القهر والتمييز على أساس الجنس أو اللغة أو الانتماء العرقي، من خلال إجراءات ملموسة للتمييز الإيجابي لصالح الفئات الأكثر هشاشة والأقل تمثيلًا داخل التنظيم؟ وكيف نضمن أن تتحول المساواة المعلنة إلى مساواة فعلية في القدرة على الكلام، والمشاركة، وتحمل المسؤوليات، وصنع القرار؟

وكيف يمكن توظيف التقنيات الحديثة لتوسيع الديمقراطية الداخلية، وتسهيل الوصول إلى المعلومات، وتنظيم النقاش، وتمكين المناضلين والمناضلات من المشاركة في صناعة القرار، دون أن تتحول هذه التقنيات نفسها إلى أدوات جديدة للمراقبة أو التحكم البيروقراطي؟

ثم كيف نكسر سطوة التمييز بين العمل الذهني والعمل اليدوي، وبين العمل الحزبي الحصري والخبرة المكتسبة في النضالات والمنظمات الجماهيرية؟ وكيف نجعل الحزب فضاءً تتفاعل فيه مختلف الخبرات والمعارف التي تنتجها الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في خضم نضالاتها، بدل إعادة إنتاج تقسيم العمل السائد في المجتمع الطبقي داخل التنظيم الثوري نفسه؟

هذه بعض القضايا الإشكالية التي تطرحها مسألة الديمقراطية الداخلية في السياق السياسي الراهن. وهي ليست قضايا تقنية أو تنظيمية هامشية، بل تمس جوهر المشروع الذي نريد بناءه: كيف نبني حزبًا للطبقة العاملة لا يعيد إنتاج علاقات الهيمنة التي يناضل من أجل تجاوزها؟

وكلما تقدمنا في تقديم أجوبة عملية وملموسة عن هذه الأسئلة، وكلما نجحنا في اختبارها وتصحيحها عبر الممارسة، اقتربنا من ردم الهوة بين هدف بناء حزب العمال المنشود وواقعنا الراهن. فالديمقراطية العمالية لا تُقاس فقط بما ينص عليه النظام الداخلي، وإنما بما يعيشه المناضلون والمناضلات فعليًا في حياتهم التنظيمية اليومية.

 

نحو يسار اشتراكي ثورى نقدي

إن النقاش حول مختلف القضايا التي تهم اليسار الاشتراكي ينبغي أن ينطلق من إرادة تصويب مساره، وتجاوز الاختلالات التي تعتري هذا اليسار الفتيّ الباحث عن سبل تجذره الفعلي في أعماق الطبقة العاملة والجماهير الكادحة.

غير أن تحقيق ذلك يظل رهينًا بقدرة هذا اليسار على أن ينفض عن نفسه الكثير مما علق به، فكريًا وسياسيًا وتنظيميًا وعمليًا، وأن يعيد بناء ممارساته على أساس الربط الجدلي بين الديمقراطية داخل التنظيم، ووحدة الفعل، والصراع الطبقي، والالتزام الجماعي بالقرارات التي تُتخذ ديمقراطيًا.

فالتنظيم العمالي ليس غاية في ذاته، والمركزية الديمقراطية ليست مجرد قواعد إجرائية؛ فكلاهما أدوات في خدمة الصراع الطبقي، وتُقاس قيمتهما بقدرتهما على تعزيز استقلال الطبقة العاملة، وتوسيع قدرتها على التنظيم والمبادرة، ورفع مستوى وعيها الطبقي، وتحويل قوتها الجماعية إلى قوة سياسية قادرة على مواجهة الرأسمال وفرض بديلها.

 

“ليس من تربية ثورية دون ديموقراطية داخلية. وليس من عمل ثوري دون انضباط.”

بقلم: أحمد أنور

 

مراجع


(1)-  مفاهم أساسية حول البيروقراطية- من كتيب: حول البيروقراطية في حركة الطبقة العاملة

(2)- المرجع نفسه

 

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟