شهدت مدينة بولونيا الإيطالية يوم 19 يوليوز واحدة من أبشع التدخلات الأمنية على المهاجرين، نتج عنها مقتل المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير، 42 سنة هاجر الى إيطاليا منذ أن كان طفلا رفقة عائلته واستقر بها إلى أن لقي حتفه على يد الشرطة الإيطالية. تظهر العديد من مقاطع الفيديو الطريقة الإجرامية التي تعاملت بها الشرطة وحجم القوة التي استعملت ضده من قبل شرطيين ومواطن مدني، حيث لم تجد صرخاته المطالبة بالتوقف والنجدة (basta, aiuto) آذانا صاغية حتى من قبل رجال الإسعاف الذين اكتفوا بمشاهدته يموت. أبانت نتائج التشريح الأولي أن عبد الرحيم توفي بسبب انسداد مجرى التنفس وتسرب الدم إلى الرئتين نتيجة الضغط الذي مارسه الشرطيون على جسده لمدة تجاوزت خمس دقائق. لم يكن وراء مقتل عبد الرحيم فقير مسؤولية فردية للرجال الست الذين اعتدوا عليه، بل القضية جزء من مشهد أكبر، قوامه صعود الفاشية الجديدة ومقاومة الإيطاليين، خاصة العاملات والعمال، لها ولما تمثله.
دعاية اليمين المتطرف والفشل السياسي
بعد الحادثة مباشرة انطلقت في مدينة بولونيا احتجاجات عارمة ليست للمطالبة بكشف الحقيقة والعدالة لفقير وحسب رفعت شعارات ضد العنصرية والفاشية الجديدة، وضد عنف الدولة وارباب العمل، رددها شباب يرى أبعد من هذه الجريمة وينظر في جذورها، وما تحمله من خطر على المهاجرين وعلى عموم الشعب الإيطالي، في ظل حكومة يقودها اليمين المتطرف. صرحت رئيسة الحكومة جورجا ميلوني بعد الضغط الذي واجهته بأنه “يجب فتح تحقيق صارم حول ما حدث لفقير” لكنها عادت بعد ذلك لتحيي رجال الامن في أكثر من مناسبة، أما نائبها اليميني المتطرف وزعيم حزب الرابطة la legaماتيو سالفيني فقد أدان الاحتجاجات المطالبة بالعدالة بشدة وعجرفة وذهب ليحيي رجال الشرطة ويقدم دعمه لقمع الاحتجاجات.
إنّ تفشي خطاب الكراهية والعنصرية داخل المجتمع الإيطالي يعود بالأساس الى سعي حكومة اليمين المتطرف بقيادة ميلوني لحل الازمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعرفها البلد على حساب العمال والعاملات والمهاجرين والمهاجرات.
ارتفع الدين العمومي الإيطالي الى 138,6 في المئة من الناتج الداخلي خلال سنة 2026 بمجموع 3139,9 مليار أورو فيما سجلت نهاية 2025، 137,1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فيما تتزايد خصخصة الشركات المملوكة للدولة، حيث عمدت الحكومة الى بيع أصول شركات عمومية كبريد إيطاليا وشركة النفط ايني وشركة السكك الحديدية فيريفي ديلو ستاتو. وعلى المستوى الاجتماعي يتواصل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة بينما تتدهور حالة الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والنقل والسكن بمستويات غير مسبوقة في بلد مثل إيطاليا.
تلعب الآلة الإعلامية الضخمة لأحزاب اليمين واليمين المتطرف دورا كبيرا في توجيه أزمات إيطاليا الاقتصادية والاجتماعية الى الهجرة، خاصة المهاجرين القادمين من افريقيا والبنغلاديش وباكستان، حيث يرتفع خطاب عنصري مبني على التمييز العرقي والديني. ويتم بناء حركات أكثر تطرفا وفاشية من قبيل حركة (طرد المهاجرين واسترداد إيطاليا) remigrazione e riconquista، هذه الأخيرة نظمت يوم 13 يونيو مظاهرة بشوارع العاصمة روما مطالبة بإعادة المهاجرين/ات إلى بلدانهم حتى آخر مهاجر(ة)، فيما ظهرت وسط هذه المظاهرة تجمعات تتشبه بالحزب الفاشي بقيادة موسليني في عشرينيات القرن الماضي، بأقمصة سوداء وشعارات تسيء الى المسلمين/ات، فيما كان الرد في اليوم التالي حيث نظمت مظاهرات حاشدة للرد على الخطابات العنصرية والفاشية وللمطالبة بالحرية.
أصوات حرة ومعارضة صلبة
في وجه تفشي الخطاب العنصري بإيطاليا نجد مقاومة شرسة وباسلة لقطاعات واسعة من الإيطاليين/ات، الذي يرفضون هذا الخطاب، خاصة الشباب، الذي سبق أن قاد حملة “لا” خلال استفتاء شعبي ضد تمرير تعديل دستوري يهدف إلى إلغاء الفصل الوظيفي بين منصبي المدعي العام والقضاة، وهي خطوة حاولت من خلالها الحكومة تشريع سيطرة السلطة التنفيذية على المدعين العامين. حقق اليسار نتائج طيبة في الاستفتاء الشعبي لسنة 2025 حول سن 5 قوانين تتعلق 4 منها بقوانين العمل، فيما القانون الخامس بتقليص منح الجنسية الإيطالية من 10 سنوات الى 5 من الإقامة، حيث جمع 34٪ من مجموع أصوات الشعب الإيطالي رغم أن هذه النسبة لم تكن كافية لبلوغ النصاب القانوني الذي يشترط نسبة 50٪+1 مواطن من مجموع الناخبين. فيما شكل الرابع من أكتوبر في نفس السنة يوما استثنائيا للطبقة العاملة الإيطالية، حيث تم تنفيذ اضراب عام شل معظم القطاعات بالبلد تضامنا مع الشعب الفلسطيني، دعت إليه نقابة الاتحاد العام الإيطالي للعمال CGIL وهي أكبر نقابة إيطالية، وقد شارك في الإضراب العام أيضا أحزاب يسارية وحركات نسوية وحركات طلابية وتلاميذية .
ان ما حدث مع عبد الرحيم فقير وغيره من ضحايا التميز العنصري لم يكن حدثا معزولا في الساحة الإيطالية، بل كان نتيجة سياسة يقودها اليمين المتطرف غرضها تحميل المهاجرين أسباب الازمات، رغم أن الاحصائيات تفيد بغير ذلك. فحسب دراسة أجرتها جمعية الشركات الصغيرة “سي جي إي أيه”، ومقرها مدينة ميستري، أن واحدا من كل أربعة موظفين تم تعيينهم في إيطاليا خلال عام 2025 كان مواطناً أجنبيا، وأشارت إلى أن عدد الموظفين الأجانب قد نما بشكل ملحوظ، ما يثبت أن هذا التوجه أصبح “هيكليا”. وأنّ العمال الأجانب يلعبون دورا في سد نقص القوى العاملة خاصة في قطاعات مثل الزراعة والسياحة والبناء، وأضاف التقرير على أن الأجانب يدفعون أكثر مما يتلقون، مما يساهم في دعم نظام الرعاية الاجتماعية، من حيث التدفق النقدي المتاح. وهذا ما يناقض سردية اليمين المتطرف.
المقاومة تستدعي التنظيم
رغم المعارضة الكبيرة التي يمارسها الشعب الإيطالي اتجاه حكومة اليمين المتطرف، فإن العمال المهاجرون لا يلعبون دورا نضاليا كبيرا، خاصة من حيث المساهمة في بناء مقاومة موحدة للطبقة العاملة الإيطالية. فالانخراط في النقابات العمالية يبقى محدودا وبدون تأثير، إذ يقتصر في غالبيته في الاستفادة من خدمات تقدمها النقابات: كالوساطة المجانية او شبه مجانية مع الإدارات الرسمية. وحتى مساهمتهم على مستوى التنظيمات الجمعوية ذات الطابع السياسي فهي ضعيفة، ولا ترتقي إلى الجهد المطلوب للمساهمة في بناء مقاومة موحدة، ونفس الأمر بالنسبة الى انخراط المهاجرين في الأحزاب السياسية.
لضمان عدم تكرار ما وقع مع فقير وآلاف غيره من المهاجرين/ات، علينا كطبقة عاملة مهاجرة ألا ننعزل وان لا نكتفي بالمتابعة السلبية لما يقرره السياسيون حولنا، بل يجب علينا:
- الانخراط الفعال في جميع التنظيمات النقابية جنبا إلى جنب مع رفاقنا ورفيقاتنا العمال والعاملات الإيطاليون/ات في بناء نقابات صلبة وقوية ومطهرة من البيروقراطية.
- الانخراط في الأحزاب السياسية ذات العمالية والمناهضة للرأسمالية والفاشية.
- تأسيس جمعيات ومنظمات متعددة الفروع لتعزيز التضامن بين المهاجرين/ات بغض النظر عن الجنس او الدين.
- توحيد نضال المهاجرين/ات مع باقي الحركات النسائية العمالية…إلخ داخل إيطاليا وخارجها.
بقلم: كريم
مراجع:
Debito pubblico: nel 2026 l’Italia sorpasserà la Grecia
الأنظار نحو إيطاليا.. تنذر بخطر فقاعة «ديون»
دراسة: عدد الموظفين الأجانب داخل قطاعات اقتصادية إيطالية مختلفة ازداد وأصبح “هيكليا” – مهاجر نيوز