الموقع تجريبي

ترحيل السكان وهدم الأحياء السكنية: الرأسمال الكبير وحرب الاستحواذ على العقار

الجزء الثاني

السيطرة على الأرض ميدان صراع طبقي

نذكر أن التغلغل الاستعماري للمغرب واجهته مقاومة قروية شرسة دفاعا عن الأرض والسيادة الوطنية، وفسح اخماد اخر موجات تلك المقاومة القروية 1934 الطريق أمام اللاستعمار لفرض سيطرته على البلد، لكنه ضل حدرا من انبعاتها من جديد. ولتفادى دلك سن جملة قوانيين توفر الحماية القانونية للأراضي الجماعات السلالية في المناطق البورية والمسقية (ضهير 1919 وظهير 1922). طبعا حينها كان الاحتياط العقاري وافرا، بالنظر لعدد السكان،ولزيادة المساحة الصالحة للاستثمار الفلاحي بفضل المنشئات الجديدة ( كالسدود ،استصلاح الأراضي) وبفضل التطبيقات التقنية الحديثة في السقى والأساليب الزراعية وادخال مزروعات جديدة والمناهج  العلمية في الانتاج الفلاحي.هكذا تمكن الاستعمار من اخضاع الانتفاضة القروية بالدمج بين القمع الشرس للمقاومة وسن اجراءات تهدئة كما اشرنا فتحول مركز ثقل النضال ضد الاستعمار من القرية الى المدينية بظهور طليعة فتية ولدت في قلب الاوراش الرأسمالية والاحياء الصناعية وتجمعات السكن العمالية الحديثة.

استعمل النظام المغربي مسألة  الأرض كأحد ادوات تجديد قاعدته ودعاماته، يتجلى دلك من أشرف الملك الراحل محمد الخامس  الخميس 20 شتنبر 1956  بمنطقة المناصرة بإقليم القنيطرة، على انطلاق أول عملية للإصلاح الفلاحي. و كان مجموع الأراضي التي تم توزيعها في حينها تقدر ب 2180 هكتارا استفاد منها 105 من الفلاحين، وبعده صدر المرسوم الملكي رقم 66-267 الصادر في 4 يوليوز 1966، والذي وضع الإطار القانوني لتنظيم توزيع أراضي من ملك الدولة وكذا تنظيم الفلاحين المستفيدين من هذه العملية في إطار ما أصبح يعرف بتعاونيات الإصلاح الزراعي . وكان مجموع الأراضي التي تم توزيعها على الصعيد الوطني في إطار هذه العملية قد بلغ 320000 هكتار، مكنت العملية أسر قروية بلا أرض قطع صغيرة جدا بالغ في اطار تعاوني او بشروط تقنية ومالية غير متاحة للجميع، في حين أن الغنيمة الكبرى منحت للأسروالشخصيات الثرية القريبة للحكم. كما أبقت الدولة على  الاراضي الجماعية(السلالية) رغم تقلص مساحتها ونهبها المستمر طيلة العقود الماضية كمجال اسغلال تناوبي بين المنتمين لنفس الجماعات السكانية ، لكن تغير الوضع حاليا وباتت على مرمي الاستحواد الواسع من طرف الرأسمال الكبير.

 

الريع العقاري والرأس المال الكبير

يظهر أننا نشهد عمليات واسعة لإعادة النظر جذريا في التوزيع الموروث تاريخيا لوضعية الملكية العقارية في المغرب بشكل يفوق ما أحدثه الاستعمار الأجنبي من حيث الحجم والاتساع. فالرأسمال الكبير المدعم من الدولة يشن حرب استحواذ كبيرة على الملك العقاري في جميع مناطق المغرب وبوثائر سريعة وبأساليب عنيفة. ويبدو أن حذر الدولة تراجع وجرأتها ارتفعت بعد نجاحها لحد الساعة في تفكيك بؤر سكانية كبيرة في المدن الكبرى التي لعبت دورا مركزيا في الانتفاضات المدنية خلال العقود لاأخيرة الأخيرة. ولا شك أن عدوانها الشرس سيتخذ أبعادا أكبر ووثائر أسرع، و أشكالا متنوعة خصوصا مع اقتراب موعد كأس العالم 2030. تستثمر الدولة فرصة هذا الموعد برفع حدة استغلال الكادحين، وبالسيطرة على ملكيتهم للأرض، قاذفة بهم بعيدا عن مراكز المدن، متسترة على هذه الحرب الطبقية بشعارات الأمجاد والسمعة العالمية والحماسة والوطنية الزائفة…إلخ.

ان التحولات الاقتصادية بالمغرب في العقدين الاخير تميز بزيادة توسع الرأسمال الكبير المحلي والأجنبي على حساب صغار المالكين-ات وعلى بعض القطاعات الانتاجية الصغيرة، وأيضا بالرفع المستمر لحصته من فائض القيمة المنتجة على حساب الأجراء والأجيرات.

ان الاسثمار في العقار ملاذ للراسميل الفائضة التي تريد جني أرباح مع تجنب مخاطر المنافسة وضعف المردودية. فالريع العقاري المرتفع ناتج عن تخلف البنية الاقتصادية وفي الآن نفسه أحد أسباب تخلفها. فالرأسمالي لن يوظف أمواله في مشروع لن يثمر أرباحا سريعة، في حين أن المضاربات العقارية تتيح ذلك.

” إن الريع العقاري، والفائدة المئوية، والربح الصناعي ليست سوى تسميات مختلفة لمختلف أجزاء القيمة الزائدة للبضاعة، أي للعمل غير المدفوع الثمن المتجسد فيها، وهي بمقياس واحد مستمدة من هذا المصدر، ومنه وحده. فهي غير متولدة لا من الأرض كأرض ولا من الرأسمال كرأسمال، ولكن الأرض والرأسمال هما اللذان يتيحان لمالكيهما أن يحصل كل منهما على حصته المناسبة من القيمة الزائدة التي يبتزها الرأسمالي رب العمل من العامل،” ص 56 ماركس: الأجور والأسعار والأرباح، الجزء الثاني  مختارات،  إصدارات دار التقدم.

إن السيطرة على الأرض كملكية حصرية تتيح الاستحواذ على الدخل دون مساهمة مباشرة في الإنتاج. هنا يمكن الاستناد إلى التحليل الماركسي، حيث لا يقتصر الأمر على الاستثمار العقاري، بل يشمل فصل المنتجين عن شروط معيشتهم (السكن، والصيد، والأرض)، وإدماجهم قسرًا في سوق العمل الهش، أو دفعهم الى البطالة أو الهجرة.

يجدر التوضيح أن الريع العقاري ليس مجرد دخل من الأرض، بل هو جزء من فائض القيمة يُقتطع لصالح مالك الأرض، وينشأ عن الاحتكار القانوني للأرض باعتبارها شرطًا لا غنى عنه للإنتاج أو السكن. ويتخذ الريع العقاري شكل ريع مطلق، ناتج عن احتكار الملكية بغضّ النظر عن الإنتاجية، وريع تفاضلي مرتبط بموقع الأرض، وخصوبتها، وقربها من السوق أو البنية التحتية.

فعملية تحديد الملك العمومي (البحري والغابوي)، وعمليات نزع الملكية، وإنجاز البنية التحتية (طرق، موانئ، مشاريع سياحية) ترفع قيمة الأرض بشكل سريع وكبير، ما يجعل الدولة/الاستبداد فاعلًا مركزيًا في إنتاج الريع الرأسمالي المرتبط بالأرض، ويستفيد منه منعشون عقاريون مرتبطون بمراكز القرار ومقاولات أجنبية، بينما يُرحل السكان الأصليون أو يُعوَّضون بأثمان زهيدة.

يشكّل الاستيلاء على الأراضي وطرد السكان جزءًا مهمًا من أشكال التراكم الرأسمالي التي يعالجها الماركسي ديفيد هارفي. ينطلق هارفي من مفهوم “التراكم البدائي” عند ماركس، معتبرًا أنه ليس مجرد مرحلة تاريخية من بدايات الرأسمالية، بل هو آلية مستمرة وبنيوية في الرأسمالية المعاصرة، ويبرز طابعه المستمر من خلال ما أسماه “التراكم عبر المصادرة أو نزع الملكيات” (نص بالمرفق). ففي حين يقوم التراكم “الاعتيادي” للرأسمال على استغلال العمل الأجير في عملية الإنتاج (إعادة الإنتاج الموسعة)، يقوم التراكم “عبر المصادرة” على عمليات عنيفة وسياسية وقانونية للنهب والمصادرة، تُستخدم خصوصًا عندما يواجه الرأسمال أزمات فرط التراكم (زيادة حجم رأس المال دون وجود منافذ مربحة). وتقوم الدولة بدور مركزي، حيث تضمن قانونيًا وعسكريًا هذه العمليات وتكفل استمرارها.

أن الريع العقاري في المغرب ليس رأسماليًا صرفًا، بل يتداخل مع آليات عمل نظام الاستبداد (المحسوبية للمقربين)، وضعف سندات حقوق الملكية للفئات الشعبية (من الحقبة الاستعمارية). وهذا يفند ضجيج الخطاب الرسمي حول التنمية والاستثمار والتهيئة، الذى يخفي حقيقة نهب عنبف وعمليات نقل منظّم للثروة من الأسفل إلى الأعلى، من الجماعات المحلية إلى رأسمال عقاري–مالي، تحت رعاية الاستبداد.

ان توسع الرأسمال الكبير أشعل حرب السيطرة على الأراضي داخل المجالات الحضرية أوالمحيطة بها، وأيضا في القرى بل وفي  قفار الصحراء. فالرساميل الكبيرة تتهافت لافتكاك حصتها من الوعاء العقاري في كل المناطق باعتباره  مجالا لاستثمار فائض الرساميل وفرصة  لتحقيق أرباح بأقل المخاطر كاشفا عن الدور الكابح للريع العقاري في تطوير المجتمعات التابعة حتي بمنظور رأسمالي “تطوري” ، لأن الاستثمارات لا تتوجه للمجالات التي تكلف استثمارات ضخمة و دورة استرداد الارباح طويلة ومحفوفة بالمخاطر.

يشكل النضال ضد عمليات الاستحواذ على الملك العمومي وعمليات نزع الملكيات مهمة رئيسية في مقاومة السياسات النيوليبرالية الكاسحة. الى جانب هذا الاستيلاء العنيف والمباشر على الأراضي والمجالات في إطار العنف النيوليبرالي، تتمثل أشكال أخرى للتراكم عبر المصادرة في خصخصة وتسليع الموارد المشتركة (الأرض، المياه، الموارد الطبيعية، الخدمات العمومية، نظام الحماية الاجتماعية)، وفرض نظام الديون العمومية والخاصة، والاستحواذ عبر حقوق الملكية الفكرية، الخ.

هكذا يتمفصل النضال من أجل الحفاظ على الحقوق المكتسبة للطبقة العاملة مع النضال من أجل استعادة الملكيات المشتركة وفق منظور اصلاح فلاحي جدري يستفيد من تجارب نضالات شعوب العالم ويدمج التطورات التقنية والعلمية لعالم اليوم. وهذا ما نراه حاليا في نضالات الشعوب على المستوى العالمي في سياق الهجوم الكاسح للردة الليبرالية وبرامج اليمين المتطرف وصعود الفاشية.

 

بقلم: طارق الزيتوني

 

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟