في كل سنة يصادق البرلمان على قانون المالية كأداة رئيسية لتدبير الاقتصاد، وضبط التوازنات الماكرواقتصادية، ووضع التوجهات الاقتصادية الإجمالية والقطاعية، وتحديد الموارد والنفقات المالية للخزينة. غير أن هذا القانون لا يشكل مجرد وثيقة تقنية أو محايدة، بل يعكس في جوهره ميزان القوى الاجتماعية والطبقية السائد داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق فإن قوانين المالية المتعاقبة، وضمنها قانون المالية لسنة 2026، تُعبّر عن مصالح الطبقات السائدة، وتسهم في إعادة إنتاج سيطرتها الاقتصادية والاجتماعية. ويشغل النظام الضريبي موقعا مركزيا داخل هذا البناء، ليس فقط باعتباره المصدر الرئيسي لمداخيل الخزينة، وإنما أيضا بصفته أداة لإعادة توزيع الثروة. غير أن هذا التوزيع يتم، في الحالة المغربية، على نحو غير عادل، حيث يقتطع جزء مُعتَبر من مداخيل الطبقات الشعبية ذات المداخيل الدنيا، ليعاد توجيهه بشكل مباشر أو غير مباشر نحو خدمة مصالح الرأسمال. ويتجلى هذا الطابع الطبقي بوضوح تام من خلال الضرائب الثلاث الرئيسية: الضريبة على الشركات، والضريبة على الدخل، والريبة على القيمة المضافة.
الضريبة على الشركات، خفض ضريبي مُمَنْهَج لصالح الرأسمال
عرفت الضريبة على القيمة المضافة على الشركات، منذ بداية المرحلة النيوليبرالية في أواسط الثمانينيات، مسارا تصاعديا في الامتيازات الممنوحة لفائدة الرأسمال. فقد تراجع المعدل العادي لهذه الضريبة بشكل متواصل، من 45% سنة 1987 إلى 35% سنة 1996، ثم إلى 30% سنة 2008. ولم يتوقف هذا المسار عند هذا الحد، بل تعمق أكثر ابتداء من قانون المالية لسنة 2016، الذي قسّم السعر العادي للضريبة إلى عدة أشطر حسب حجم الربح، مما جعل المعدل الفعلي يميل نحو 20% أو أقل بالنسبة لغالبية المقاولات[1].
وتأكد هذا التوجه مع قانون المالية لسنة 2023، حيث أصبح معدل 20% مطبقا على الأرباح التي تقل عن 100 مليون درهم، في حين فرض المعدل الأعلى(35%) فقط على الأرباح الكبرى جدا. وبذلك جرى خفض العبء الضريبي على معظم القاولات، في انسجام تام مع مطالب أرباب العمل واللوبيات الرأسمالية.
إلى جانب ذلك، استفادت قطاعات واسعة من الرأسمال من إعفاءات ضريبية سخية، سواء بشكل دائم أو مؤقت. وتشمل هذه الامتيازات أرباح الصدرين، والمنعشين العقاريين، والاستثمارات السياحية، والفلاحية، والمنجمية، وأرباح البنوك، حصوصا في المناطق المالية الحرة، إضافة إلى مؤسسات التعليم الخاص، والمقاولات المقامة في مناطق التصدير الحرة، المسماة حاليا بمناطق التسريع الصناعي. وقد تحولت هذه المجالات إلى ما يشبه مناطق شبه معفاة من الضريبة، خاصة في الناطق الحرة، حيث لا تؤدي بعض المقاولات أي ضريبة على الشركات، أو تكتفي بمعدلات رمزية(معدل 8,75%) لمدد طويلة قد تصل إلى 25 سنة.
كما تستفيد البنوك والمؤسسات المالية من نظام ضريبي تفضيلي، سواء عبر تخفيض معدلات الضريبة أو عبر الإعفاء شبه الكامل للأرباح المحققة بالأسواق المالية، من خلال هيئات التوظيف الجماعي بمختلف أنواعها التي تعفى من الضريبة على الأرباح والعوائد المالية. وتستفيد كل هذه الهيئات المالية، التي تعد أدرعا للبنوك، من تخفيض 100% على عوائد الأسهم، وحصص المشاركة والمداخيل المالية الأخرى، مثل الربائح والفوائد، وعائدات شهادات الصكوك، بالإضافة إلى الاستفادة من إعفاء الأرباح الناجمة عن تفويت القيم المنقولة[2].
نتيجة لهذه السياسة، لا تساهم موارد الضريبة على الشركات إلا بجزء ضئيل، لا يتجاوز رُبُع الموارد الضريبية الإجمالية في السنوات الأخيرة. وسبب ذلك يعود إلى الخفض التدريجي للمعدل الأساسي للضريبة الذي امتد خلال العقود السابقة، وتقليص وعاء الضريبة بالاستثناءات الضريبية المتنوعة، والانتشار الواسع للغش والتهرب الضريبيان. ونتيجة لذلك فإن معظم موارد هذه الضريبة تتركز على عدد صغير جدا من المقاولات، إذ أن 2% فقط من عدد المقاولات تؤدي 82% من إجمالي موارد هذه الضريبة[3]. ويعود تملص أغلبية المقاولات من أداء الضريبة على الشركات إلى التساهلات التي تقدمها المدونة العامة للضرائب، بحيث تجد المقاولات طرقا عديدة من الحيل لخفض أرباحها، وإعلان العجز[4]. لا زالت الدولة تتغاضى عن وضع حد للتهرب الضريبي، إذ عدد المقاولات المعلنة عن نتائج سلبية في تزايد منذ الثمانينيات(55% سنة 1985)، لتصل 60% خلال السنوات الأخيرة.
الضريبة العامة على الدخل، ضريبة طبقية بامتياز
هذه الضريبة مفروضة على خمسة أصناف من المداخيل، هي المداخيل المالية والعقارية والفلاحية والمهنية، والأجرية. غير أن توزيع المساهمة بين هذه الأصناف يكشف عن اختلال بنيوي صارخ، فالمأجورون هم المضغوط عليهم لتمويل الخزينة، حيث يساهمون لوحدهم في تحمل ثلاثة أرباع(75%) الموارد الضريبية الإجمالية لهذه الضريبة، بينما لا تساهم الأصناف الأربعة الأولى إلا بالرُّبُع المُتبقي لا غير(25%) رغم كونها الأعلى ربحا.
ويطهر هذا الواقع، أن الضريبة على الدخل ضريبة طبقية، تستنزف المداخيل الدنيا وتعفو عن أرباح الميسورين. وقد حافظت الطبقات السائدة طيلة العقود الماضية على جوهرها هذا عبر قوانين المالية، وضمنها قانون المالية لسنة 2026. وهكذا، جرى تكريس الطابع غير العادل لهذه الضريبة من خلال عدة آليات، بدءا بفرض سلم معدلات ضريبية لصالح الأكثر ثراء، ووضع وعاء ضريبي بنفس الغاية، وطرق تحديد الدخل الإجمالي الخاضع للضريبة، والاستثناءات الضريبية المختلفة، مثل إعفاءات وخصوم، وتخفيضات، وصولا إلى ما يتيحه القانون الضريبي من هامش كبير للغش والتهرب الضريبيان.
وعلى غرار الضريبة على الشركات، شهد سلم معدلات الضريبة على الدخل، هو الآخر، منحى لخفض السقف الأعلى لمعدل الضريبة. فبضغط من الطبقات الميسورة، انتقل هذا المعدل من 52% خلال بداية التسعينيات، إلى 42% في السنوات اللاحقة، ليصل 38% ابتداء من سنة 2010، ليتواصل هذا المنحى بمعدل 37% سنة 2025. ويتوقف السلم الضريبي عن التزايد عند هذا المستوى، حالما يبدأ بمس مداخيل كبار الميسورين الرأسماليين، من مستثمرين ماليين، ومنعشين عقاريين، ومقاولين صناعيين وتجاريين كبار ومستثمرين فلاحيين مصدرين. وتنزل الضريبة على الدخل بكل ثقلها على ذوي المداخيل الدنيا، وفي مقدمتهم المأجورين والشرائح الدنيا لممارسي الأنشطة المهنية والخدماتية المستهدفين بنظام المساهمة المهنية الموحدة، طلما أن هذان الصنفان من الدخل هما اللذان يتحملان معظم الموارد الإجمالية للضريبة على الدخل. إنه نموذج لسلم تصاعدي بالنسبة لذوي المداخيل الدنيا والمتواضعة.
الضريبة على القيمة المضافة تنزل بمعظم ثقلها على الكادحين
يعتمد النظام المغربي بشكل بنيوي على الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها الضريبة على القيمة المضافة، التي تشكل أحد أهم مصادر الموارد الجبائية. وتفرض هذه الضريبة على السلع والخدمات الموجهة للاستهلاك، دون مراعاة للقدرة الشرائية للمستهلكين أو مستوى دخلهم، مما يجعلها بطبيعتها ضريبة غير عادلة اجتماعيا. فهي تُعامل كل المستهلكين على قدم المساواة، رغم التفاوت الكبير في مستويات الدخل، وهو ما يفضي عمليا إلى تحميل الفئات ذات الدخل الأدنى والمتوسط عبئا ضريبيا أثقل نسبيا من ذلك الذي يتحمله الأغنياء.
وقد اتجه المعدل العادي للضريبة على القيمة المضافة نحو الارتفاع منذ الثمانينيات، منتقلا من 15% إلى 20% سنة 2005، ليستقر عند هذا المستوى المرتفع إلى اليوم. ويعد هذا المعدل من بين المعدلات العليا دوليا، وقد شكل، ولا يزال، ضغطا كبيرا على القدرة الشرائية، خاصة أن معظم السلع والخدمات ذات الاستهلاك اليومي والواسع تخضع له. وبذلك تمثل هذه الضريبة أداة فعالة لاستخلاص الموارد المالية من جيوب الكادحين، في مقابل تقديم امتيازات سخية للرأسمال عبر هذه الضريبة والضرائب الأخرى.
أما فيما يتعلق بالمعدلات الاستثنائية، فقد كانت الضريبة على القيمة المضافة تُعْرِفُ، إلى حدود سنة 2023، أربع معدلات، هي 7% و10% و14% و20%. وكان من بين هذه المعدلات معدل مرتفع بلغ 30%، فُرِض سابقا على السلع والخدمات الكمالية المُوجّهة لبذخ الأثرياء، مثل اليخوت والطائرات السياحية، والسيارات الفارهة، وتجهيزات الرفاهز غير أن الدولة ألغت هذا المعدل الأعلى نهائيا سنة 2008، مما أفضى عمليا إلى إخضاع هذه السلع للمعدل العادي، في قرار يعكس بوضوح الانحياز الطبقي للسياسة الضريبية.
وابتداء من سنة 2024، وبذريعة تبسيط الضريبة على القيمة المضافة، جرى تقليص عدد المعدلات إلى اثنين فقط، يتجليان في معدل أدنى قدره 10%، ومعدل أعلى يبلغ 20%. غير أن هذا التبسيط أسفر عمليا عن رفع معدلات الضريبة على عدد من المنتجات والخدمات الأساسية ذات الاستهلاك الواسع. فقد جرى رفع الضريبة من 7% إلى 10% على خمسة منتجات وخدمات أساسية من أصل 11 كان يطبق عليها المعدل الأدنى، وهي الماء المزودة به شبكات التوزيع؛ وإيجار عداد الماء؛ وخدمات التطهير؛ والسكر المصفى أو المكتل؛ والسيارة المسماة “السيارة الاقتصادية”. وتمس هذه الزيادات مباشرة الفئات ذات الدخل المحدود، باعتبارها المستهلك الرئيسي لهذه المواد.
كما جرى رفع سعر الضريبة من 14% إلى 20% على مواد وخدمات أساسية أخرى، أبرزها الزبدة(باستثناء التقليدية) والطاقة الكهربائية. ويترتب عن رفع الضريبة على الكهرباء آثار مُضاعفة، إذ لا يقتصر الأمر على ارتفاع فواتير الاستهلاك المنزلي، بل يمتد إلى رفع كلفة إنتاج ونقل وتوزيع معظم السلع والخدمات، مما يؤدي إلى موجة غلاء تمس مختلف مناحي الحياة اليومية. أما بخصوص النقل، فقد تقرر رفع معدل الضريبة على نقل المسافرين، والبضائع عبر السكك الحديدية والنقل الجوي والبحري إلى 20% ابتداء من سنة 2026، مقابل خفضها إلى 10% بالنقل للنقل الطرقي. وبالنظر إلى أن الواردات تشكل المصدر الأساسي للاستهلاك الداخلي، فإن رفع الضريبة على النقل الدولي للبضائع سينعكس مباشرة على الأسعار، ويضر بالقدرة الشرائية.
في المقابل، تضم لائحة المواد والخدمات الخاضعة للمعدل الأدنى 10% نحو 90 منتوجا، غير أن عدد المواد الغذائية الأساسية ضمنها لا يتجاوز 11 مادة، لا غير. ويدل ذلك على أن معظم المواد الحيوية ذات الاستهلاك الواسع تخضع للمعدل الأعلى البالغ 20%. ويكشف هذا التوزيع عن مضمون طبقي واضح، إذ يُوجّه المعدل المُخَفّض أساسا لخدمة مصالح المستثمرين، خاصة في قطاعات الفلاحة، والصيد البحري، والسياحة، والقطاع المالي.
ويتعزز هذا الانحياز الطبقي عبر منح حق الخصم للمستثمرين، أي إمكانية خصم الضريبة المؤداة على المدخلات والسلع التجهيزية المستخدمة في الإنتاج من الضريبة المستحقة. وبذلك، لا تتحمل هذه القطاعات عمليا عبء الضريبة على القيمة المضافة، بل تسترجعها بالكامل، مما يجعلها خارج دائرة المساهمة الفعلية في هذه الضريبة. ويشمل ذلك المستثمرين الفلاحيين، ومالكي البنوك، والفاعلين في الأسواق المالية، وهيئات التوظيف الجماعي، الذين يستفيدون من إعفاءات واسعة ودائمة.
كما يستفيد المصدرون من إعفاء دائم من الضريبة على القيمة المضافة مع حق الخصم، ونتيجة لذلك لا تساهم منتجاتهم في الموارد الضريبية، ولا تتحمل مدخلاتهم أي عبء ضريبي. وتمتد هذه الامتيازات، بشكل مؤقت، إلى أغلب الاستثمارات الكبرى، خاصة تلك المنجزة في إطار اتفاقيات مع الدولة، مثل تلك المبرمة في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وقد مدد قانون المالية لسنة 2026 أجل هذا الإعفاء إلى أربع سنوات، بدل ثلاث، مما يشكل دعما ماليا مباشرا للرأسمال الخاص.
في المقابل، ورغم وجود لائحة المواد المعفاة من الضريبة على القيمة المضافة، فإن جزءا منها لا يستفيد من حق الخصم، مثل الخبز، والحليب، والسكر، واللحوم، وزيت الزيتون. ويترتب عن ذلك أن الضرائب المفروضة على المدخلات وعلميات النقل والتوزيع تنعكس في أسعار هذه المواد، رغم إعفائها الشكلي، مما يفرغ هذا الإعفاء من مضمونه الاجتماعي.
باختصار، تظهر الضريبة على القيمة المضافة، في صيغتها الحالية، أنها أداة مركزية لإعادة توزيع العبء الضريبي لغير صالح ذوي المداخيل الدنيا، وذلك بفرض معدلات مرتفعة على الاستهلاك الواسع، مقابل إعفاءات وامتيازات سخية لفائدة الرأسمال. ولهذه الضريبة إذن وجهان، فهي “نار” على المستهلكين، و”برد وسلام” على أرباح كبار الرأسماليين.
يبين تحليل النظام الضريبي، حتى الآن ، بالنسبة للضرائب الثلاثة التي تطرقنا لها، أن قانون المالية لسنة 2026 يكرس نظاما ضريبيا ذا طابع طبقي واضح المعالم. فهو يميل دوما لتخفيف العبء الضريبي عن الرأسمال عبر الإعفاءات والتخفيضات والحوافز، بينما يثقل كاهل المأجورين وصغار المنتجين والمستهلكين عبر الضرائب المباشرة وغير المباشرة. وبذلك لا يقتصر دور النظام الضريبي على تمويل الدولة على حساب الأقل دخلا، بل يتحول إلى أداة لإعادة توزيع للثروة لفائدة الطبقات السائدة وتعميق الفوارق الطبقية.
بقلم: حمزة
[1] راجع المادة 19 من المدونة العامة للضرائب لسنة 2016.
[2] راجع المادة 6 من المدونة العامة للضرائب لسنة 2025.
[3] النظام الضريبي المغربي، التنمية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي و البيئي، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إحالة ذاتية، 2012.
[4] نظام ضريبي معقد وغير منسجم وغير عادل، نجيب أقصبي ، مجلة إكونوميا عدد 3 شتنبر 2008.