الموقع تجريبي

نهاية كأس إفريقيا: الجماهير الكروية، مرارة الهزيمة والتحديات الجوهرية لقارتنا

حاز المنتخب السنغالي على كأس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم التي ترعاها الشركة البترولية “طوطال”، وهي واحدة من الشركات التي تُعتبر مثالاً على نهب قارتنا الإفريقية ومن أعمدة نشر الفساد ودعم الأنظمة التابعة. جاء الفوز على منتخب البلد المنظم خلال الأشواط الإضافية.

أضاع المنتخب المغربي فرصة حيازة الكأس بالنظر إلى مزايا الأرض والجمهور والدفع المعنوي الكبير لإضافة لقب قاري بعد مرور 50 عامًا على لقبه الأول والوحيد، ولزيادة غلة مكاسبه الكروية خلال السنوات الأخيرة التي شملت كأس العالم للشباب، وبرونزية الألعاب الأولمبية، وكأس الشأن، وكأس إفريقيا للسيدات، وكأس العرب… إلخ. والأهم أن يكون اللقب (لو أُحرز) قوة دفع أخرى لكأس العالم 2026 في أمريكا.

مرد المرارة التي اجتاحت الجماهير الكروية ليس في الهزيمة في حد ذاتها، بل في صدمة إهدار فوز كان في المتناول في لحظات ارتباك ودهشة من سوء تدبير لدقائق حاسمة. وهنا منبع طوفان من الآراء والانتقادات والتفسيرات التي تعج بها منصات التواصل الاجتماعي، لكن ذلك لا يغير من الواقع شيئًا، فاللقب حازه منتخب السنغال، والفرح الكروي هناك، ومرارة الخيبة هنا.

تنظيم قوي يثير الإعجاب والشكوك
بطولة كأس إفريقيا بالمغرب ليست مجرد كيس منفوخ تتقاذفه أرجل اللاعبين في رقعة خضراء، بل هي شبكة معقدة من المصالح المالية والتجارية تحت رعاية منظمة الكاف، بالإضافة إلى مصالح سياسية تخوض فيها أنظمة القارة وتوظفها لحساباتها الخاصة. إن استراتيجية النظام المغربي في كرة القدم تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا، مما جعلها رافعة رئيسية لتكريس استراتيجية المغرب كأقوى اقتصاد صاعد في القارة وكمنصة أساسية للرأسمال نحو إفريقيا. ولا تمثل كأس الاتحاد الإفريقي سوى جزء من سلسلة متواصلة في هذا السياق.

قامت الدولة المغربية باستثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية واللوجستية (مطارات، قطارات، طرق سريعة، تهيئة حضرية) بالإضافة إلى بناء مستشفيات مركزية وتحديث بنية التواصل التكنولوجي، وغيرها من البرامج التي ستتواصل بوتيرة أقوى وأوسع تحضيرًا لكأس العالم 2030.

حلت الفرق المتبارية في ظروف جيدة ومريحة، ولم تواجه صعوبات مألوفة كانت تعاني منها في المسابقات السابقة بسبب ضعف البنية التحتية في بلدان القارة في السنوات الماضية. في الأدوار الأولى، كانت الأمور تسير بشكل عادي جدًا. لكن في الأدوار الإقصائية، بدأت نبرة التبرم والتشكيك تصدر عن مسؤولي بعض المنتخبات وإعلام بعض الدول، محاولين قلب ما كان نقطة قوة إلى نقطة ضعف للبطولة، واستخدامها كوسيلة ضغط ضد المنتخب المستضيف. فإذا انتصر، يُشكك في نزاهة انتصاره، وإذا انهزم، تُعتبر تلك عدالة السماء.

من الطبيعي أن يحظى الفريق السنغالي أو أي فريق آخر بتعاطف واسع في مواجهة الفريق المستضيف، لسبب بسيط وهو أن الجماهير الإفريقية تميل إلى التعاطف مع من يظهر أنه الأضعف ومساندته لتفادي الهزيمة وتحقيق النصر. ألا يساند المغاربة بلدان إفريقيا أو آسيا ضد فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا؟ ألا نساند بلدان إفريقيا والبرازيل والأرجنتين؟  الى ما يعزى إلى ذلك؟ مرده  التضامن مع من نعتقد أنه الأضعف ويحتاج لدعم صموده في وجه الاخر الدي له مزايا أخرى ترجح كفته.

الهزيمة الكروية  والخلاصات البئيسة

أظهر الشعب المغربي في المدن التي استضافت البطولة وعيًا بتجسيد العلاقات الأخوية مع شعوب قارتنا في شقها الرياضي، خصوصًا علاقته مع جمهور شمال إفريقيا. وأكدت الأحداث أن دق الأسفين بين الشعوب تغذيه آلة إعلامية مسمومة تهدف إلى تفكيك أواصر وحدة شعوبنا ضد أعدائها. كانت شوارع المدن المحتضنة تعج بصور التعاون، لكن بعض المواقع ظلت تنفث السموم وتتصيد الأحداث في انتظار فرصة للانقضاض على ما أكده الواقع وصناعة رواية تمجد العداء والقطرية الضيقة، والبحث عن شماعة خارجية لتعليق الفشل الداخلي، وإغراق المنصات بالغوغائيات وضيق الأفق، وإسكات كل صوت مدافع عن وحدة شعوبنا ودفعه إلى الهامش.

ظن البعض أن الاستقبال الجيد يلغي شراسة المنافسة على اللقب، وصُدموا من تصريحات هنا وهناك اعتبروها نكرانًا للجميل وإنكارًا للحقائق، في حين أنها جزء من الضغط لتشتيت التركيز النفسي، وتصب في مصلحة ترجيح كفة الفوز، وقد نجحت الخطة، والسلام.

دفع ضياع اللقب إلى السطح غوغائيون وسطحيو الفكر، والباحثون عن فرصة لاستعراض أحقادهم، واخرون المسثمرون في اثارة حروب منصات التواصل الاجتماعي الجالبة لنسب المشاهدة المؤدى عنها . منهم من يدعو دون خجل إلى طرد “الأفارقة”، متغافلًا أن المغرب في إفريقيا وإفريقيا في المغرب. وآخرون يحرضون على عدم تقديم المساعدة البسيطة للاجئين، متناسين أن هؤلاء ضحايا فروا بحثًا عن الأمان من الحروب والموت والمجاعة. وهؤلاء وأولئك لا يتذكرون أن ما لا يقل عن 6 ملايين مغربي مهاجرون خارج البلد، وجزء منهم في قارتنا الأم.

العودة إلى الجادة: أفريقيا قارتنا وشعوبها إخوتنا
ضاع لقب كروي كان يمكن إحرازه، ومعه بعض القلق المشروع وقليل من الحسرة أيضًا. للرياضيين استخلاص الدروس، وللمحللين التعليق، وللجمهور حق النقد الحاد. أما غير المهتمين بكرة القدم، فلهم حق الاندهاش والاستغراب من هذا الجنون الجماهيري. لكن إفريقيا، قارتنا، وشعوبها إخوتنا، وتحررها وتقدمها ليليق بأبنائها هو هدف يوحدنا. شعبنا جزء من نهضتها المناهضة للعنصرية والاحتقار، وضد استغلال ثرواتها من قبل الاستعماريين. إفريقيا ديمقراطية وسيدة، تنظم بطولاتها بنفسها وبعبقرية أبنائها، لا بوصاية الشركات الإمبريالية المكرسة للاستعمار الجديد. خُسرت مباراة، وانتهت بُطولة، علينا نُواصل النضال من أجل وطن حر ديمقراطي يليق بأبنائه ويفتخر بانتمائه لقارته.

 

بقلم:  موسى واكريم

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟