الموقع تجريبي

من “عمر حلفي” إلى “ياسين الشبلي”: الموت رهن الاعتقال وصمود الأسر

لقي الشاب “عمر حلفي” حتفه يوم الأربعاء 18 فبراير 2026، وكان حينها قيد التحقيق بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء. أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أن “نتائج التشريح الطبي لجثة الشخص الذي قفز من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء (BNPJ) أبانت أن تعدد الإصابات التي لحقت بالهالك تتوافق مع وضعية إلقاء الشخص المعني لجسده من النافذة”، و”أن نتائج التشريح الطبي الذي قامت به لجنة طبية ثلاثية أبانت أيضا أن الوفاة ناتجة عن مضاعفات جراء الإصابة برضوض عديدة مع كسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، مع وجود نزيف سحائي”.

التوضيحات الرسمية تتجاهل الأسئلة الجوهرية و تتغافل الحقائق.

ركزت التوضيحات الرسمية حول وفاة الشاب “عمرحلفي” على جزء فقط من الواقعة، أي كل ما وقع منذ إلقاء جسد الشاب خارج النافذة وما خلفه الارتطام بالأرض من كسور وجروح. لكن جوهر القضية ليس هنا، بل في ما حصل داخل مقر الشرطة القضائية، وهو ما لا يرد ذكره في التبريرات الرسمية؛ لأن أدلة أصل قضية موت الشاب “عمر” توجد داخل مقر الشرطة القضائية، وتحديد تفاصيل القضية برمتها وكشف ملابساتها ممكنة ومتاحة للنيابة العامة.

السؤال البديهي: لماذا يندفع شاب للمخاطرة برمي نفسه من أعلى عمارة شاهقة رغم علمه أن حظوظ نجاته ضئيلة؟ هل بسبب نزوعات انتحارية؟ أم هروباً من تعذيب تعرض له؟

السؤال الجوهري: أين كان المحققون حتى يتسنى لمعتقل تحت مسؤوليتهم إزالة حاجز أمان النوافذ؟ وإن كان وحيداً وفي أمن وسلام، لماذا يرمي بنفسه إلى الموت؟

سؤال الإثبات: لماذا لا تستند التوضيحات الرسمية لإثبات روايتها للواقعة إلى دلائل مسجلة في كاميرات المراقبة؟ فالمباني الأمنية وقاعات التحقيق مجهزة بكاميرات المراقبة، وهي أدلة مادية في متناول اليد.

طالما لم تعرض النيابة العامة أمام أسرة الشاب “عمر” و للرأي العام نتائج تحقيق يتضمن حقائق ثابتة مع حق ذوي الحقوق في التحقق منها وإجراء خبرة مضادة، لا تعد التصريحات الرسمية سوى عملية تضليل وتستر على انتهاكات وإخفاء أدلة.

عائلة  “عمرحلفي” تطالب بالحقيقة وتلقي بمعطيات إضافية

شكك والدا الشاب “عمر” في الرواية الرسمية التي تحدثت عن انتحاره، وطالبوا بفتح تحقيق “جدي”، وقدما معطيات جديدة تتعلق بنزاع ابنهما في قضية سابقة مع مسؤول شرطة، وأنه تعرض لتهديدات وضغوط من طرف ثلاثة أفراد من الشرطة لإجباره على التنازل عن شكايته داخل أحد مقرات الشرطة بالدار البيضاء. إذا كان “عمر حلفي” في نزاع مع مسؤول شرطة وتعرض للضغط للتنازل، وظل متشبثاً بخياره في أن تأخذ القضية مسارها القانوني، فما الدافع الذاتي الذي يحول ثباته إلى رعب يفضل معه الموت بدل مواجهته؟ مرة أخرى، الرواية الرسمية تنهار.

الموت في المخافر وفي الشارع وصمت القبور

حالة الشاب “عمر حلفي” ليست الأولى؛ فقد سبقتها قضية وفاة الشاب ياسين الشبلي داخل مخفر للشرطة بمدينة بنجرير قبل عامين. كان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش قد أعلن في بلاغ مطلع شهر دجنبر من سنة 2022، أن “وفاة المسمى قيد حياته ياسين الشبلي لم تكن ناتجة عن ظروف إيقافه واقتياده لمركز الشرطة ولا نتيجة الصفعات التي تعرض لها من قبل عناصر الشرطة، وإنما نتيجة الرضوض التي تعرض لها إثر إيذائه لنفسه وسقوطه المتكرر على الأرضية الصلبة للغرفة الأمنية، نتيجة الحالة الهستيرية التي كان عليها”. هذا البلاغ رفضته عائلة الشاب ياسين الشبلي، واعتبرت في بلاغ لها أن الوكيل العام حاول “نفي العنف الحقيقي والتعذيب الهمجي الذي تعرض له وهو مكبل اليدين، وتشهد عليه الأدلة الساطعة من خلال الفيديو الذي نشر في وسائل التواصل الاجتماعي”.

نسترجع أيضاً واقعة إطلاق الرصاص في الجماعة الحضرية القليعة-إنزكان، وما نتج عنه من سقوط جرحى ومقتل ثلاثة شبان في الشارع العام(محمد الرحالي( 26 سنة) عبد الصمد أبلة( 26 سنة) عبد الحكيم الدرفيدي ( 36 سنة). حينها أصدر الوكيل العام بلاغاً ورد فيه: “عقب محاولة هؤلاء الأشخاص الاستيلاء على الذخيرة والعتاد والأسلحة الوظيفية، اضطر عناصر الدرك إلى استخدام أسلحتهم الوظيفية وفقاً للضوابط القانونية الجاري بها العمل لمنعهم من ذلك، ودفاعاً عن النفس وتجنب المساس بالأمن والنظام العامين، والحفاظ على سلامة وأمن الأشخاص وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وقد نتج عن هذا التدخل الأمني مصرع ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين بجروح”. لكن شهادة أسر القتلى وتقارير المنظمات الحقوقية والدلائل المسجلة لحادثة إطلاق النار تثبت واقعاً آخر وملابسات الأحداث، كما وثقتها تسجيلات وتحقيقات صحفية وجمعوية تبين أن الضحايا كانوا بعيدين عن مركز الدرك بمئات الأمتار.

إن الموت الناتج عن التعذيب أو الإهمال في مخافر الشرطة والدرك وفي السجون المغربية حقيقة مرة، لا تصلنا  سوى حالات نادرة

منطق الدولة

القتل في المخافر أو في سيارات نقل المعتقلين بسبب التعذيب أو الإهمال ليست جرائم يرتكبها بعض “العناصر المنفلتة”؛ لو كان الأمر كذلك لعاقبتها السلطات ببساطة. هذا العنف هو، في جوهره، عنف دولة استبدادية بوليسية. عدم تسميته يعني عدم محاربته، وقبول استمراره وتهديده بحصد أرواح ضحايا آخرين.

هذا العنف القمعي هو نتاج نظام يفرض هيمنته وسيطرته. ولهذا السبب يستهدف أولاً الأحياء الشعبية، وبشكل عام الفقراء، والحركات الاحتجاجية. هو عنف طبقي ضد من هم في الأسفل، ولن يطال أبداً من هم في الأعلى؛ فاعتقالهم-ن والتحقيق معهم وظروف حبسهم-ن تتماثل، ومعايير توصيات المنظمات الحقوقية هنا تطبق القوانين وتمنح الحقوق الفردية.

الحريات الفردية جزء من النضال لأجل الحريات العامة

إن النضال ضد انتهاك الحريات الفردية، وضد العسف اليومي الذي يسحق المواطنين، والعنف الجسدي واللفظي واحتقار الجماهير الشعبية، هو جزء من النضال من أجل الحريات العامة. إن النضال لأجل حماية الحريات الفردية ليس مرتبطاً بالقانون المكتوب فحسب، بل أيضاً بممارسة الرقابة على “القانون العملي”، أي ما تترجمه أجهزة الدولة في الواقع اليومي في علاقتها مع الناس، وهو أمر حيوي للنضال لأجل ديمقراطية واسعة وضد الاستبداد بكل تجلياته.  يتجسد الاستبداد السياسي يومياً في رعب وتهديد يومي وخنق الأنفاس يستشعره المواطن في أبسط احتكاك مع أجهزة الدولة. والأخيرة حريصة على التغاضي عن تلك التجاوزات لأنها ترى فيها “كرباجاً” لترويض الشعب وتذكيره دوماً أن خطاباتها عن الحقوق والحريات لها حدود لا يجب تخطيها.

يظهر أن التنسيق بين ضحايا التعذيب في مقرات أجهزة الدولة وأسر ضحايا القتلى جراء استعمال القوة أو الإهمال سيكون خطوة مهمة لكسر جدار الصمت، وتجميع شتات المعنيين، وتوحيد المطالب، وممارسة ضغط نضالي يكشف الحقائق ويدافع عن العدالة والإنصاف للضحايا ويمنع الإفلات من العقاب.

بقلم: الزيتونى طارق

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟