الموقع تجريبي

كارثة فيضانات القصر الكبير: النضال لأجل خطط عمومية للوقاية من الكوارث وتلبى الحاجات الاجتماعية

تعيش ساكنة القصر الكبير والنواحي، ومعها عدة مناطق قريبة من مجرى نهر سبو (في سهل الغرب) الذي يصب فى ساحل مدينة القنيطرة، لحظات عصيبة ومخاوف من تعرضها لفيضانات مدمرة، بسبب ارتفاع منسوب حقينات السدود (سد وادي المخازن وسد الوحدة) ومنسوب الأنهار (اللوكوس وسبو وباقي الروافد). أدى هطول الأمطار الاستثنائي في الأيام الماضية إلى امتلاء حقينة السدود، وخاصة أكبرها، سد الوحدة، فيما بلغ مستوى ملء سد وادي المخازن إلى 140 بالمئة حسب تصريح أحد مسؤولي وكالة الحوض المائي اللوكوس يوم 02 فبراير 2026. لكن استمرار التساقطات في أعالي السدين والمد البحري في المصب قد عقد الوضع بشكل خطير. فالتفريغ الجزئي للسد يرفع منسوب الأنهار، مما جعل أحياء ودواوير بكاملها تواجه خطر الغرق، وفرض عمليات إجلاء للساكنة منها.

تشير تقاريرالأرصاد الجوية إلى أن الأيام القادمة ستشهد استمرار هطول أمطار غزيرة في المنطقة، مما سيفاقم الأوضاع بشكل كبير، ويشكل خطرًا حقيقيًا يهدد ساكنة مناطق واسعة، التى لا حل لها سوى اجلاؤها بعيدا عن مناطق الخطر.

عرفت منطقة سهل الغرب في سنة 2009 فيضانات نتيجة التساقطات الهامة وفيضان بعض الأودية، لكن حينها كانت الخسائر غالبًا مادية، على شكل انهيار بنايات، وتضرر مسالك طرقية، وإتلاف مزروعات، وغيرها. وبعد 17 عامًا، يتكرر الوضع لكن بشكل أكثر خطورة، دون أن تتحقق على أرض الواقع خطط عامة للوقاية من خطر سيبقى يهدد المنطقة برمتها.

لكن ما يجري بمدينة القصر الكبير والنواحي، هاته الأيام، حيث تم تهجير ما يقارب المئة ألف نسمة لحدود اليوم 03 فبراير 2026، يشكل نقطة تحول كبير. إن الكارثة المحدقة بالمدينة تمثل نقطة تلاق للأزمات الثلاث التي تهدد بلدنا: تغيرات مناخية تنتج ظواهر متطرفة، وسياسات عمومية تعطي الأولوية لأرباح رأس المال وتخصص له كل موارد المالية العمومية، ونظام لا ديموقراطي وفاسد، حيث أن تحديد الأولويات يتم خارج كل إرادة شعبية. في الآن يتم تدبير الكارثة نفسها بمنطق سلطوي وأبوي حيث يتم تهجير الناس دون أدنى معلومة عن القادم، ودون الاكتراث بأوضاعهم الاجتماعية الكارثية، مع الحرص على تلميع الصورة عبر أدوات إعلامية منافقة وكاذبة.

مدينة مهمشة تاريخيا تصحو على تهديد وجودي لها

تنتمي مدينة القصر الكبير إلى سهل اللوكوس الغني بموارده الفلاحية والمائية، هذا الغنى كان من المفترض أن يحول المدينة وأحوازها إلى جنة خضراء غنية بالوحدات الإنتاجية الصناعية والفلاحية   وعمودا أساسي في بناء سيادة غذائية للبلاد. لكن شاءت السياسات الليبرالية الخادمة للرأسمال الأجنبي والمغربي الكبير أن يجعل من شباب القصر الكبير العامل وقودا في دوامة الشركات متعددة الجنسيات بطنجة أو في ضيعات الفواكه الحمراء والأفوكادو بينما يتم القضاء على الفلاحة المعاشية، وتدمير الغطاء النباتي والغابوي.

البنية التحتية مهترئة داخل أحياء المدينة وفي الدواوير المجاورة ولا يمكن أن يخفي تلميع بعض الشوارع كل مرة هذه الحقيقة. لازال الصرف الصحي يتم إلى واد اللكوس في غياب تام لاحترام أدني المعايير البيئية في زمن التغني بحمايتها.

اليوم، هاته المدينة، ذات المائة وعشرين ألف ساكن، أغلبيتهم الساحقة كادحون، تقف على أبواب كارثة.

التغيرات المناخية والسياسات الطبقية التي تفاقم آثارها

باتت التأثيرات الخطيرة للتغير المناخي تنزل بثقلها على المغرب وأصبحت كلفتها ترتفع سواء من حيث زيادة الخسائر البشرية أو الاكلاف المادية. في شتنبر 2024 تسببت الفيضانات التي ضربت الجنوب الشرقي عموما، على وجه الخصوص كلا من طاطا وزاكورة،في خسائر كبيرة اذ تجاوز عدد الضحايا أزيد من 18 وفاة ، بالإضافة إلى انهيار دور سكنية وتضرر طرقات ومسالك قروية وانجراف للحقول واجتثات أشجار النخيل. وفي بداية دجنبر  2025 اجتاح سيل وادى الشعبة،الذي يخترق مدينة اسفى، الأحياء المنخفضة والمكتظة بالسكان وتسبب في كارثة تقيلة خلفت 40 وفاة وخسائر مادية فادحة.

حدد البنك الدولي في تقريره “المغرب:  المناخ والتنمية اكتوبر 2022 ” ثلاثة مجالات ينبغي على السلطة التدخل فيها لمواجهة عواقب التغيرات المناخية وهـي:

1) التصـدي لشـح الميـاه والجفـاف، لا سـيما مـن منظـور قطاعـي الميـاه والزراعـة والعلاقـة بينهمـا؛

 2) تعزيـز القـدرة علـى مواجهـة الفيضانـات مـن أجـل الحفـاظ علـى النشـاط الاقتصادي وسـبل كســب العيــش فــي المناطــق الحضريــة والســاحلية؛

3) الحــد مــن الانبعاثات الكربونيــة فــي النشــاط الاقتصادي، والتطلــع إلــى مســار الانبعاثات الصفريـة فـي خمسـينيات هـذا القـرن.

طبعا ما يشغل بال هذه المؤسسة المالية الدولية هي حماية الرأسمال وتحويل ما يتسبب به من كوارث الى فرص استثمار والترويج لأطروحة التكيف مع الكارثة البيئية، والحؤول دون مواجهتها باجراءات تتعارض ومنطق الربح الرأسمالي. إن قرنين من تدمير البلدان الرأسمالية الصناعية للمحيط البيئي، بنفث كميات زائدة من الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، هي التي أدت إلى ارتفاع حرارة سطح الأرض، وبالتالي اختلال نظامها المناخي. وليست عواقب التغير المناخي الجارية في مختلف مناطق العالم(موجات جفاف ممتدة؛ فيضانات فجائية؛ اشتداد حدة الأعاصير والعواصف وزيادة عددها…إلخ)، غير أحد التهديدات المباشرة للأزمة البيئة العالمية التي تهدد الشروط الأولية لعيش البشرية نفسها، وليس فقط اختفاء عددا واسعا من أصناف الكائنات الحية النباتية والحيوانية. وإذا كانت العواقب الوخيمة لهذه الاختلالات تصيب شروط العيش والسكن والإنتاج، ولاسيما إنتاج الغذاء، فإنها تستهدف في المقام الأول الطبقات الشعبية ومعظم ساكنة  بلدان الجنوب العالمي، كما نراقبها عن كثب في نموذجي المناطق الشمالية للمغرب ومدينة أسفي في هذا الموسم بالذات.

لا ينبغي تجاهل المسؤولية الجزئية للطبقات المسيطرة في بلدان الجنوب العالمي، ومنها المغرب، في مفاقمة الأزمة البيئية. فهي تدير نظاما رأسماليا تابعا يساهم في تدمير البيئة، بنظامه الإنتاجي الكثيف الموجه نحو تصدير الموارد الطبيعية الطاقية والمعدنية والغذائية. ظهرت الأزمة المائية خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز تجليات الأزمة البيئية بالمغرب. وإذا كانت جذورها مرتبطة بعواقب الاختلال المناخي العالمي، فلا يمكن نفي مسؤولية النظام الحاكم في مفاقمتها بتوسع أنشطة رأسمالية فلاحية ذات الإنتاج الكثيف الموجه أساسا للتصدير، والتي تستنزف الموارد المائية المحدودة. وبعد فترة ممتدة من الجفاف ومن تزايد عجز مائي هدد المياه الموجهة للشرب، ظهرت أخيرا بوادر تساقطات مطرية موسمية، قد تخفف قليلا تفاقم العجز المائي الحالي، لكن ظهرت فيضانات مدمرة. ففيضانات التساقطات او الأودية غالبا ما يكون سببها عدم قدرة المنشآت الهيدروليكية (من سدود وقنوات تصريف وغيرها) بعدد من المناطق المغربية على الصمود أمام الواقع الجديد الذي تفرضه التقلبات والتغيرات المناخية. كما لا تتردد الدولة في رصد ميزانيات ضخمة وبناء بنيات تحتية لصالح المشاريع الرأسمالية لكنها تنهج سياسة متقشفة لتوفير بنيات حمائية للأحياء الشعبية وللمناطق القروية المهددة بفيضانات والانجرافات.

لأجل خطط عمومية بوجه الكوارث المناخية

الكوارث ليست ظواهر عابرة ولا قدراً محتوماً، بل هي نتيجة للتغيرات المناخية التي يتسبب فيها النظام الرأسمالي القائم، الذي يعتمد على استنزاف الموارد الطبيعية بشكل خطير والتلوث الرهيب للبيئة (التربة، الهواء، والماء)، مما يؤدي إلى اختلالات في النظم الإحيائية وتدمير مريع للمجالات الغابوية التي تلعب دوراً بالغ الأهمية في امتصاص الانبعاثات الملوثة.

نشهد أمام أعيننا بعض آثار الكارثة المناخية التي تكلف الكادحين غالياً، وتتخذ أشكالاً متعددة مثل ارتفاع مستوى مياه البحر، موجات الحر الشديد، الجفاف الحاد، هطول أمطار استثنائية، وأعاصير أشد عنفاً… إلخ. تلك التحولات الخطيرة ليست تطوراً أحادياً، بل قد نشهد في عز جفاف حاد وممتد في منطقة ما تساقطات سريعة تؤدي إلى فيضانات مدمرة، فالاضطراب الحاد للمعطيات المناخية هو جزء من الكارثة البيئية التي تهدد كوكبنا.

إن الطبقات الشعبية هي المتضررة الرئيسية من عواقب أحوال المناخ المتطرفة، وعليها النضال من أجل فرض خطط الوقاية العامة وفقاً لحاجاتها وأوضاعها، بالتشاور مع اختصاصيين من معسكرها ، وبلورة مشاريع ملموسة لتأمين الوقاية من التهديدات حسب المناطق، وتحميل الدولة مسؤولية التكفل بالمتضررين – المتضررات جراء الكوارث البيئية، والنضال من أجل إدماج البعد البيئي في مخططات التهيئة بما يأخذ بعين الاعتبار التحول البيئي والنتائج المترتبة عنه.

صحيح أن الرد على الكارثة البيئية، يتطلب نضالاً عالمياً ضد النظام الرأسمالي ومنطقه القائم على السعي لمراكمة الأرباح الخاصة على حساب تدمير الثروة الطبيعية وإرث الأجيال اللاحقة. لكن نضال الشعوب حالياً، دفاعاً عن حقوقها في حماية نفسها من المخاطر، وكذلك التضامن مع ضحايا الكوارث، ولأجل خطط عمومية تمولها الدولة، يشكل جزءاً من المعركة ضد التدمير البيئي. وكلما تقدمت في أشكال تنظيمها ومطالبها لتحدي المنطق الرأسمالي، وأخذت أفقاً محليا وعالمياً في تناول جذور معاناتها، كانت تلك خطوة عملية لبلورة بديل بيئي، يتعارض مع منطق الملكية الخاصة الرأسمالية.

إن نجت مدينة القصر الكبير، وانحصر فيضان واد اللوكوس عنها كما فعل ذلك في مرات سابقة عدة، مخلفا وراءه خسائر مادية وإنسانية فادحة، فليس من المؤكد أن ينسحب الإهمال والتهميش الذي طال ضواحيها، وهو تهميش وإهمال تتقاسمه مع معظم قرى ومدن البلاد. فليستعد سكان المدينة للنضال وليبدؤوا بذلك الآن عبر تنظيم أنفسهم-هن في أماكن النزوح، وعبر صياغة ورفع المطالب المناسبة.

 

بقلم: الزيتوني طارق

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟