تمرّ ذكرى اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في ظل واحدة من أبشع المآسي التي عاشها الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، يتعرض الفلسطينيون في غزة لحرب شاملة استهدفت البشر والحجر، ودمرت الأحياء والمنازل والبنى التحتية، وأجهزت على جزء كبير من النظام الصحي، وفرضت حصاراً خانقاً حرم السكان من الغذاء والماء والدواء، وحوّل القطاع إلى فضاء واسع للقتل والدمار والنزوح.
استخدمت إسرائيل ترسانتها العسكرية الهائلة، بدعم سياسي وعسكري واقتصادي كامل من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. ولم يقتصر الاستهداف على المقاتلين، بل طال المدنيين والأطفال والنساء والعاملين في المجال الصحي والإغاثي، كما طال المدارس والمستشفيات ودور العبادة ومخيمات النازحين ومصادر المياه والطاقة.
وفي الضفة الغربية، تصاعد القتل والاعتقال والاستيطان والتهجير وهدم المنازل والاعتداء على الأراضي والمزروعات والمواشي ومصادر المياه. وبذلك لم تكن الحرب على غزة حدثاً معزولاً، بل جزءاً من سياسة أوسع تستهدف الشعب الفلسطيني برمته، وتعمل على تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان وفرض واقع جديد على الأرض.
وداخل الخط الأخضر، تصاعد التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني ضد فلسطينيين 48، وأضحت الإعلانات المطالبة بطردهم وإبعادهم جزء من الخطاب السياسي لليمين الصهيوني الزاحف.
إن ما يجري في فلسطين ليس مجرد حرب عابرة أو أزمة إنسانية مؤقتة، بل امتداد لتاريخ طويل من الاستعمار الاستيطاني والاقتلاع والاحتلال. فمنذ وعد بلفور سنة 1917، مروراً بالنكبة سنة 1948 واحتلال ما بقي من الأراضي الفلسطينية سنة 1967، وصولاً إلى الاستيطان والتهجير والحصار والحروب المتكررة، ظل الشعب الفلسطيني يواجه مشروعاً يسعى إلى حرمانه من حقه في أرضه وتقرير مصيره.
واليوم، تتخذ هذه السياسة شكلاً أكثر خطورة، يتمثل في محاولة تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية شعب يناضل من أجل التحرر الوطني والاستقلال إلى مجرد قضية إنسانية تتعلق بالإغاثة وإعادة الإعمار. ويجري، في الوقت نفسه، الدفع نحو تهجير الفلسطينيين من وطنهم، وإفراغ الأرض من سكانها، وفرض ترتيبات سياسية واقتصادية تخدم مصالح الاحتلال والقوى الإمبريالية المتحالفة معه.
إن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تكون بديلاً عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير. كما أن إنهاء المعاناة الإنسانية لا يمكن فصله عن إنهاء الاحتلال والاستيطان والتمييز والقهر القومي.
ما كان لهذه الحرب أن تستمر بهذا الحجم وهذه الوحشية لولا الدعم الذي تلقته إسرائيل من الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية الغربية. فقد وفرت هذه القوى السلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي، بينما اكتفت حكومات عديدة ببيانات الإدانة والدعوات الشكلية إلى “ضبط النفس”.
إن المسؤولية عن الجرائم المرتكبة في غزة لا تقع على الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل تشمل أيضاً القوى التي تسلحه وتموله وتحميه سياسياً، وتمنحه الوقت والإمكانات لمواصلة الحرب.
وفي المقابل، استمرت أنظمة المنطقة العربية في نفس حطها الخياني والاستسلامي وحتى بيانات التنديد والشجب أضحت قليلة و تساوي بين الضحية والجلاد ، بينما استمر بعضها في علاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل، بل تم تعميقها. إن النضال الفلسطيني من أجل التحرر يمثل، بالنسبة إلى الأنظمة الاستبدادية والتابعة، مصدر قلق يتجاوز حدود فلسطين، لأنه يذكّر شعوب المنطقة بإمكان المقاومة والنضال ضد الاحتلال والاستغلال والاستبداد.
رغم حجم المأساة، لم يستطع الاحتلال القضاء على القضية الفلسطينية، ولا كسر إرادة الشعب الفلسطيني في البقاء والصمود. فقد أظهرت السنوات الثلاث الماضية أن القتل والدمار لا يستطيعان محو شعب من التاريخ أو إلغاء حقه في الحرية.
يشهد العالم اتساع حركة تضامن غير مسبوقة مع فلسطين. خرجت الملايين إلى الشوارع في الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان عديدة، واحتلت الجامعات والساحات العامة مواقع متقدمة في مواجهة سياسات الحكومات الداعمة لإسرائيل. وارتفعت أصوات تطالب بوقف الدعم العسكري للاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، ومقاطعة المؤسسات والشركات المتورطة في دعم الاستيطان والاحتلال.
هذه الحركة التضامنية تمثل كوة ضوء في ظلام المأساة، لأنها تفتح إمكانية إعادة القضية الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي: قضية شعب يناضل من أجل التحرر والعدالة والعودة وتقرير المصير، وليست مجرد ملف إنساني أو قضية إغاثية.
في الذكرى الثالثة لاندلاع الكارثة المستمرة ضد الشعب الفلسطيني ، نؤكد على ما يلي :
- وقف الحرب وإنهاء القتل والدمار في قطاع غزة، ووقف التهجير وبناء المستعمرات وهجوم فرق المستوطنيين في الضفة الغربية والقدس. ورفع الحصار على الغذاء والدواء وإصلاح عاجل للبنيات التحتية والسماح للسكان بإعمار بيوتهم المدمرة قبل موسم الشتاء.
- محاكمة مرتكبي جرائم الحرب ،وجرائم الإبادة، والجرائم ضد الانسانية ،وكل من يتحمل المسؤولية السياسية والتنفيذية ومطاردتهم عالميا.
- ندين مسلسل التطبيع مع الكيان الاحتلال الاسرائيلي(اقتصاديا، عسكريا، ثقافيا…الخ) ورفض كل الدرائع لتبرير دلك، وندعم حملات مقاطعة جميع الشركات والمؤسسات المتواطئة مع الاحتلال.
- نرفض فتح سفارة الاحتلال بالمغرب ، والإمعان في توسيع علاقات التطبيع المتعدد الأشكال ، وندعو شعبنا إلى صد الحملات الايديولوجية التي تعمل لتزييف الحقائق وايجاد الأعذار لجرائم الاحتلال ومبررات التعامل معه رسميا وشعبيا.
- نعتبر أن النضال ضد الصهيونية، باعتبارها أحد أشكال العنصرية، مهمة مركزية لكل من يناضل من أجل عالم أكثر عدلا، فضلا عن كونها مهمة مركزية لكل من يناضل من أجل مغرب أفضل.
- الحل العادل لفلسطين والمنطقة يمر عبر الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في الحرية والاستقلال والعودة، وإنهاء الاحتلال والاستيطان وكل أشكال القهر والتمييز.
في الذكرى الأليمة للحرب على غزة ، نستحضر ضحاياها وشهداءها، ونحيّي صمود الشعب الفلسطيني، ونؤكد أن الجرائم مهما بلغت بشاعتها لن تطمس حقيقة القضية.
المجد للشهداء، والحرية لفلسطين، والنصر لكل الشعوب المناضلة من أجل التحرر والعدالة.
تيار المناضل ة
07 أكتوبر 2026