الموقع تجريبي

تقرير بنك المغرب لسنة 2025: تكريس السياسات النيوليبرالية.

يشكل البنك المركزي؛ بنك المغرب؛ إحدى المؤسسات المحورية للدولة الرأسمالية. فهو الجهة المُخوّل لها تحديد السياسة النقدية وتنفيذها، والسهر على استقرار الأسعار، ومراقبة النظام البنكي باعتباره القلب المالي للاقتصاد الرأسمالي. وقد تعززت استقلاليته عن الحكومة خلال العقود الأخيرة، انسجامًا مع التوجهات التي كرستها المؤسسات المالية الدولية. غير أن هذه الاستقلالية لا تعني استقلال السلطة التنفيذية عن قراراته، إذ تؤثر خياراته المتعلقة بأسعار الفائدة والائتمان والسيولة وسعر الصرف في مجمل الدورة الاقتصادية، وتحدد جزءًا مهمًا من هوامش تدخل الحكومة نفسها.

بنك المغرب: حياد التقنوقراط أم سياسة الرأسمال؟

وتكشف تركيبة المجلس الإداري لبنك المغرب عن طبيعته الاجتماعية. فإلى جانب والي البنك، الذي يعينه الملك، والكاتب العام، يضم المجلس أعضاءً بحكم الصفة وآخرين بالتعيين، يمثلون كبار مسؤولي الدولة والتقنوقراط وممثلي مصالح الرأسمال. لذلك لا يمكن النظر إلى تقاريره وتوصياته باعتبارها مجرد خلاصات تقنية محايدة، بل باعتبارها تعبيرًا عن رؤية طبقية لمصالح الرأسمال في صيغته الجماعية، التي تضطلع الدولة، في التحليل الأخير، بحمايتها وإعادة إنتاج شروط استمرارها، سواء في مواجهة الطبقات المستغَلة، أو، عند الضرورة، بتنظيم التناقضات بين مختلف مكونات الطبقة الرأسمالية نفسها.

ومع ذلك، يحرص البنك المركزي على تقديم مواقفه في صورة الخبرة التقنية المحايدة، مستخدما لغة المؤشرات والإحصاءات والنماذج الاقتصادية، ومدعيًا الاحتكام إلى الموضوعية العلمية وخدمة “المصلحة الوطنية العليا”. ويؤدي هذا الخطاب التقنوقراطي وظيفة أيديولوجية أساسية، تتمثل في حجب الطابع الاجتماعي والطبقي للخيارات الاقتصادية، وتقديمها باعتبارها ضرورات تقنية لا بديل عنها، لا باعتبارها اختيارات سياسية تخدم مصالح اجتماعية محددة.

ومن هذا المنظور، لا يشكل التقرير مجرد وثيقة لتشخيص الوضع الاقتصادي، بل يمثل أيضًا وثيقة سياسية بالمعنى العميق للكلمة. فهو يعبر عن رؤية الطبقات المسيطرة لأولويات المرحلة المقبلة، ويحدد الإطار العام لتدبير التوازنات الاقتصادية بما يضمن شروط تراكم الرأسمال. أما المجلس الإداري للبنك المركزي، فهو فضاء للتوفيق بين المصالح المتباينة داخل الكتلة الرأسمالية، حيث تتبلور التوافقات حول آليات توزيع فائض القيمة بين مختلف مراكز الرأسمال، وحول السياسات الكفيلة بضمان استمرار عملية التراكم بأعلى مستويات الربحية الممكنة.

إن البنك المركزي، في جوهره، ليس مؤسسة تقنية تقف فوق الصراعات الاجتماعية، بل مؤسسة مالية رأسمالية تؤدي وظيفة محددة داخل بنية الدولة، تتمثل في تأمين الاستقرار المالي والنقدي الضروري لاستمرار تراكم الرأسمال. ومن خلال سلطته الرقابية على القطاعين المالي والبنكي، وسيطرته على أدوات السياسة النقدية، يمسك بأحد أهم مفاصل الدورة الاقتصادية، أي الجهاز البنكي الذي يشكل القناة الرئيسية لتدفق الائتمان ورأس المال. ومن هنا تستمد هذه المؤسسة أهميتها الاستراتيجية، كما تتحدد طبيعتها الطبقية بوصفها أحد أهم أجهزة الدولة في خدمة إعادة إنتاج النظام الرأسمالي.

تفاؤل المؤشرات… وبؤس الواقع الاجتماعي.

جاء في التقرير أن وتيرة النمو الاقتصادي ارتفعت من 4.4% سنة 2024 إلى 4.9% سنة 2025، وهو ما يعزوه أساسًا إلى عوامل ظرفية، في مقدمتها تحسن الظروف المناخية وانتعاش بعض الأنشطة، ولا سيما البناء والسياحة. كما سجل ارتفاعًا في المداخيل الجبائية بنسبة 15.3%، نتيجة تشديد إجراءات التحصيل الضريبي، إلى جانب عملية التسوية الطوعية لسنة 2024، التي شكلت، في جوهرها، آلية تشجيعية لإدماج جزء من رؤوس الأموال غير المصرح بها داخل المنظومة البنكية والضريبية.

وأشار التقرير كذلك إلى تقلص عجز الميزانية من 3.9% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2024 إلى 3.5% سنة 2025، وإلى انخفاض مديونية الخزينة إلى 66.6% من الناتج الداخلي الإجمالي، مع تراجع الدين الداخلي إلى 49.1% وارتفاع الدين الخارجي إلى 17.4%. كما رصد استقرار معدل التضخم في حدود 0.8%. ووفقًا للتقرير، فقد شكل الاستثمار العمومي المحرك الرئيس لهذه الدينامية، بعدما ارتفع بنسبة 16.3%، مدفوعًا بمشاريع البنية التحتية [1]

غير أن هذه المؤشرات الرقمية، التي يعتمدها التقرير لبناء خلاصاته، لا تخلو من إشكالات منهجية. فهي تقدم باعتبارها معطيات موضوعية وحاسمة، بينما ظلت، في الواقع، محل مراجعات متكررة واختلافات ملموسة بين المؤسسات الرسمية نفسها، سواء تعلق الأمر ببنك المغرب أو وزارة الاقتصاد والمالية أو المندوبية السامية للتخطيط، فضلًا عن التباين المستمر في توقعات المؤسسات المالية الدولية. ولذلك، فإن التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حقائق نهائية يغفل حدودها التقديرية وطابعها المتغير، فضلًا عن ارتباط تأويلها بالمنظور الاقتصادي والسياسي للمؤسسة التي تصدرها.

وفي مقابل احتفائه بالمؤشرات التي يعتبرها إيجابية، يقر التقرير، وإن بلغة حذرة تخفف من حدة الاستنتاجات، بأن التشغيل يظل الحلقة الأضعف في الاقتصاد الوطني. فهو يعترف بأن السياسات المعتمدة خلال السنوات الأخيرة لم تنجح في «إحداث دينامية ملموسة في سوق الشغل»، بل إن وضعية هذا الأخير شهدت مزيدًا من التدهور. ففي سنة 2025، لم يكن يشتغل فعليًا سوى أقل من أربعة أشخاص من أصل عشرة في سن العمل، بينما كان نحو خمس المشتغلين يعملون في وظائف موسمية أو مؤقتة، بما يعكس هشاشة البنية التشغيلية للاقتصاد.

ويضيف التقرير أن ثلاثة ملايين من الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، يوجدون خارج منظومة التعليم والتكوين وخارج سوق الشغل، في مؤشر خطير على اتساع دائرة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي. كما أن ثلثي المشتغلين صرحوا بعدم استفادتهم من التغطية الصحية المرتبطة بالعمل، وهو ما يكشف عن الانتشار الواسع للهشاشة المهنية، وعن ضعف تطبيق تشريعات الشغل، حتى في حدودها الدنيا، من قبل عدد كبير من المشغلين.

ولا يستطيع البنك المركزي، مهما بلغت خبرة أطره وكفاءة خبرائه، أن يتجاهل واقع البطالة الجماهيرية أو ينكره، لأن ذلك من شأنه أن يقوض المصداقية التقنية التي يحرص على ترسيخها. غير أن الاعتراف بالظاهرة لا يعني بالضرورة الكشف عن حقيقتها الكاملة؛ إذ يجري عرضها عادة في صيغ إحصائية ولغوية تقلل من حجمها وآثارها الاجتماعية، مستعينة بأدوات القياس والتصنيف التي يتقنها الخبراء[2]. والأهم من ذلك أن التقرير يتجنب مساءلة الأسباب البنيوية المنتجة للبطالة، أو ربطها بالاختيارات الاقتصادية المعتمدة، والتي تحكم على ملايين الشباب بالحرمان من العمل والدخل والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتواجه احتجاجاتهم، في كثير من الأحيان، بوسائل الضبط والقمع. ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، ما دام البنك المركزي يدافع، بحكم موقعه ووظيفته، عن التوجهات الاقتصادية نفسها التي أسهم، منذ عقود، في بلورتها والإشراف على تنفيذها.

بنك المغرب: لا خروج عن السياسة النيوليبرالية.

تستمد التقارير الصادرة عن بنك المغرب مرجعيتها من الرؤية نفسها التي تتبناها المؤسسات المالية الدولية، والتي تقوم، في جوهرها، على اعتبار الرأسمال الخاص المحرك الرئيس للاقتصاد والرافعة الأساسية للتنمية. ومن هذا المنطلق، يُختزل دور الدولة ومؤسساتها العمومية في دعم المبادرة الخاصة، وتوفير الشروط الملائمة لتوسعها، وإزالة العراقيل التي تحد من تراكمها، بل وتحويل المالية العمومية إلى أداة لتمويل استثماراتها وتحمل جزء من مخاطرها وخسائرها.

وفي هذا التصور، يصبح تحسين مناخ الاستثمار مرادفًا لتكييف المنظومة القانونية مع متطلبات الرأسمال، وتوفير اليد العاملة المؤهلة والمنضبطة، وتخفيف القيود على تحويل الأرباح إلى الخارج، وخفض العبء الضريبي، وتوفير العقار الصناعي المجهز والبنيات التحتية واللوجستية اللازمة. وهي الاختيارات نفسها التي تروج لها تقارير صندوق النقد الدولي وسائر المؤسسات المالية الدولية، وتتابع تنفيذها بصورة دقيقة. ولا يفعل بنك المغرب سوى إعادة إنتاج هذه العقيدة الاقتصادية، مع إضفاء طابعه المؤسسي عليها، مع اختلافات محدودة في بعض الجوانب الإجرائية، مثل وتيرة تحرير سعر صرف الدرهم أو تنظيم العملات المشفرة، وهي مسائل لا تمس جوهر التوجه النيوليبرالي.

ويقدم التقرير نفسه مثالًا واضحًا على هذه المقاربة. فبعد اعترافه بفشل السياسات الاقتصادية المعتمدة منذ عقود في خلق فرص شغل كافية لاستيعاب التدفق المتزايد للباحثين عن العمل، يتجنب تفسير المفارقة الأساسية التي تكشفها معطياته: فقد تحسنت المؤشرات الاقتصادية الكلية بفضل ارتفاع الاستثمار العمومي، وهو ما عاد بالنفع على الرأسمال الخاص الذي واصل تحقيق أرباح متنامية، في الوقت الذي استمرت فيه البطالة الجماهيرية في الارتفاع، واتسعت هشاشة أوضاع الشغيلة. بل إن التقرير يحذر من أن الاستثمار العمومي لا يمكن أن يستمر بالوتيرة نفسها ما لم يحظ بـ «دعم أكبر» من القطاع الخاص.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجنب التقرير طرحه: ما الذي سيدفع القطاع الخاص، مستقبلًا، إلى القيام بما لم يقم به طوال العقود الماضية في مجال التشغيل؟ فالتقرير يتفادى الإجابة عن هذا السؤال لأنه يقود، بالضرورة، إلى مساءلة طبيعة الرأسمال الخاص نفسه، الذي لا تحكمه اعتبارات اجتماعية، وإنما منطق تعظيم الربح وتعزيز التراكم. أما التشغيل، فلا يصبح هدفًا في حد ذاته، بل يظل خاضعًا لحسابات الربحية.

ويستعرض التقرير ما يعتبره حلولًا لأزمة التشغيل، معيدا تكرار نفس السياسات التي انتهت إلى النتائج التي يعترف بها هو ذاته. فهو يوصي بمواصلة تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار، وتنزيل الميثاق الجديد للاستثمار، وتوسيع برامج تسهيل الولوج إلى التمويل ومواكبة المقاولات، معتبرًا أن هذه المبادرات «تبعث الأمل في إحراز تقدم ملموس» في مجال التشغيل[3].

غير أن هذه التوصيات لا تمثل، في الواقع، سوى إعادة إنتاج للوصفات النيوليبرالية التي أفضت إلى الوضع الحالي، والذي يصفه التقرير نفسه بضعف دينامية التشغيل واتساع البطالة والهشاشة. وما يغيب عن التقرير هو تفسير الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها السياسات ذاتها، والأدوات نفسها، إلى نتائج مغايرة لتلك التي أسفرت عنها طوال العقود الماضية.

ولا يمكن تفسير هذا التناقض بالقول إن خبراء البنك المركزي يفتقرون إلى إدراك نتائجه؛ فالمشكلة ليست في نقص الخبرة، بل في طبيعة الموقع الذي تشغله المؤسسة داخل بنية الدولة. ويكشف التقرير، من هذه الزاوية، عن الوظيفة الطبقية للبنك المركزي بوصفه مؤسسة معنية، قبل كل شيء، بصيانة المصالح الاستراتيجية للرأسمال الكبير، والتنبيه إلى المخاطر التي قد تعترض مسار السياسات النيوليبرالية، دون المساس بأسسها أو اقتراح بدائل لها. لذلك، فإن الإقرار بارتفاع البطالة لا يراد منه البحث عن سياسات اقتصادية مغايرة، بقدر ما يراد منه التنبيه إلى ما قد تشكله من تهديد لاستمرار عملية التراكم الرأسمالي واستقرارها.

ويعكس تقرير بنك المغرب لسنة 2025، في مختلف مضامينه، واقع اقتصاد يحقق معدلات مرتفعة من تراكم الأرباح لفائدة أقلية من المجموعات الرأسمالية المحلية والأجنبية، في مقابل استمرار تدهور الأوضاع الاجتماعية لقطاعات واسعة من العمال والكادحين. ففي هذا النموذج الاقتصادي، تتعاظم عملية تحويل الموارد العمومية والثروة الوطنية وفائض القيمة المنتج اجتماعيًا إلى مصادر جديدة للربح الخاص، بينما يجد ملايين المواطنين أنفسهم بين البطالة، والعمل الهش، والمهن المتدنية الأجر والكرامة، أو الهجرة بالنسبة إلى من تتاح له سبلها. ويجري الحفاظ على هذا النموذج، من خلال تقييد الحريات الديمقراطية واحتواء النضالات الاجتماعية بدرجات متفاوتة، وفقًا لموازين القوى والظروف السياسية.

ومن ثم، فإن تشخيص الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والعمل على تغييره بما يخدم مصالح الأغلبية الشعبية، لا يمكن أن يكون مهمة المؤسسات المالية الوطنية أو الدولية، بحكم طبيعتها ووظيفتها، بل هو، في هذا المنظور، مهمة الحركة العمالية والتنظيمات الشعبية المستقلة.

وتتمثل هذه المهمة في النضال من أجل إخضاع بنك المغرب والقطاع البنكي لرقابة ديمقراطية وشعبية، وإلغاء استقلالية البنك المركزي التي تحرص عليها المؤسسات المالية الدولية، بما يفتح الطريق نحو تأميم القطاع البنكي وتشريكه، وجعل السياسة النقدية والتمويل في خدمة الحاجات الاجتماعية، وتمويل الخدمات العمومية، وخلق مناصب الشغل، ودعم السيادة الغذائية، والسكن، بدل خدمة مصالح الأبناك الخاصة والأسواق المالية ومنطق المضاربة وتعظيم أرباح الرأسمال.

 

بقلم:حسن أبناي

 

إحالات:


[1]https://tinyurl.com/mrcha24h

[2]https://tinyurl.com/4fsnanx

[3] – أنظر ص 15 من التقرير السنوي لبنك المغرب 2025

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟