الموقع تجريبي

شباب جيل زيد في قبضة الاستبداد

تتسارع محاكمات شباب جيل زيد في مدن عديدة من المغرب، حتى أصبحت المحاكم لا تخلو من ملفات تخصّهم. وقد نطقت محاكم الاستبداد في عدد من المدن بأحكامٍ صورية تفقتر للضمانات ،وفق تقارير منظمات حقوق الانسان، في حق العشرات من الشباب الذين خرجوا للاحتجاج على رداءة الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، واستفحال البطالة، وتدهور ظروف العيش.

نهجت الدولة سياسة السرعة في الأداء، عبر تسريع وتيرة المحاكمات والنطق بالأحكام بشكل متتابع، في محاولةٍ لفرض قبضتها ومنطقها القمعي، ولردع أي شكلٍ من أشكال مواصلة الاحتجاج.

خلف هذا الاندفاع القمعي يكمن خوف النظام من ولادة وعيٍ جماعيٍّ بضرورة النضال. فالدولة تدرك تمامًا عمق الأزمة الاجتماعية التي فجّرتها عقودٌ من السياسات اللاشعبية، والتي راكمت أرباح الرأسماليين المحليين والأجانب على حساب تفقير غالبية الشعب وتجريده من أبسط حقوقه في الشغل والصحة والتعليم والسكن.

تعلم الدولة أن الوضع الاجتماعي متفجّر، وأن الغضب الشعبي يغلي تحت الرماد، لذلك تُكثّف دعايتها حول “الاستقرار” و“الإنجازات” و“التحولات الكبرى” لتغطي على واقعٍ متردٍّ تتسع فيه الهوة بين قصور الأثرياء وأحياء الفقراء.

تستثمر في صورةٍ مصطنعة لبلدٍ منفتح ومزدهر عبر التحضير المحموم للتظاهرات الكروية، في حين تُغلق المجال السياسي والاجتماعي بقبضةٍ حديدية، وتُكمّم أفواه الشباب الذين يصرخون ضد الغلاء والبطالة والقمع.

إنها المفارقة الفاضحة: دولة تروّج لمغرب “الفرجة” و”الزليج” بينما ينهار في العمق مغربٌ آخر حقيقي، مغرب الكادحين والمهمّشين والمقموعين.

 

القمع كركيزة في بنية الدولة الطبقية

ما يتعرض له معتقلو ومعتقلات جيل زيد اليوم ليس سوى الوجه المُحدَّث لنفس آلة القمع التي واجهت كل موجة احتجاج شعبية منذ عقود: من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف وجرادة، ومن احتجاجات الطلبة والمعطلين إلى نضالات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد.

الدولة المغربية لا تغيّر سوى أدواتها وخطابها، أما جوهرها فيبقى ثابتًا: قمع كل من يتجرأ على كسر جدار الصمت الطبقي والسياسي.

القمع في المغرب ليس ردّ فعلٍ ظرفيًّا أو تجاوزًا فرديًا للسلطة، بل هو جزء بنيوي من آلية اشتغال الدولة الطبقية التي تحمي مصالح الرأسماليين المحليين والأجانب، وتُعيد إنتاج منظومة الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي.

يتحدث البعض عن “سقوط أخلاق الدولة” بعد هذا القمع، لكن الحقيقة أن الدولة لم تدّعِ يومًا أن لها أخلاقًا. فالقائم هو صراع طبقي محتدم، والغلبة فيه ليست لمن يمتلك “الأخلاق”، بل لمن ينجح في بناء ميزان قوى لصالح طبقته.

إن القمع إذًا ليس انحرافًا عن مسار “الديمقراطية”، بل هو آليتها الجوهرية لضبط حدود الصراع الاجتماعي.

تُخفي الشعارات الرسمية عن “الاستقرار” و”النموذج التنموي الجديد” حقيقةً مرّة: أن هذا الاستقرار المزعوم هو استقرار رأس المال، لا استقرار المواطن-ة. فبينما تُغدق الدولة الامتيازات على الشركات الكبرى والمستثمرين الأجانب، تُجهز في المقابل على مكتسبات الطبقات الشعبية عبر خوصصة الخدمات العمومية، وضرب الحق في التعليم والصحة والشغل.

 

منطق القمع ومسرحية الانجازات

إن اعتقال شباب جيل زيد، كما كان اعتقال نشطاء الريف وجرادة من قبل، ليس سوى عملية تأديب جماعي ورسالة إلى كل من يفكر في التمرد: “لا مجال لتعطيل السياسات النيوليبرالية”.

تتجه الدولة نحو تسويق نفسها كـ”نموذجٍ للاستقرار في المنطقة”، وتعمل جاهدة على تلميع صورتها خارجيًا عبر الإنجازات الرياضية والاحتفالات الكبرى، في حين يعيش أغلب المواطنين انهيارًا يوميًا في القدرة الشرائية والخدمات الأساسية.

إنها سياسة تقوم على تسييد ثقافة “الزلايجية”، ثقافة الإجماع الوطني حول “منجزات الدولة”، ثقافة الفخر الأجوف التي تُلهي الجماهير عن واقعها الطبقي، وتحوّل الانتصارات الرياضية إلى بديلٍ عن العدالة الاجتماعية.

لكن هذه الواجهة اللامعة لا تصمد أمام واقع الفقر والبطالة وتفشي الهشاشة في صفوف الشباب، الذين أصبحوا يرون بوضوح أن وراء “الزليج” بنية اقتصادية متعفّنة تُراكم الثروة في يد القلة وتُعمّق البؤس لدى الأغلبية.

 

الأزمة أعمق من القمع

الاعتقالات المتتالية ليست سوى محاولة يائسة لإخفاء أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة. فالنظام الذي وعد بـ”الجيل الجديد من الإصلاحات” لم يقدم سوى مزيد من الارتهان للمؤسسات المالية الدولية، ومزيد من الديون التي تُسدد من عرق الكادحين.

إن الدولة، بعجزها البنيوي، لم يعد بوسعها أن تشتري السلم الاجتماعي لا بالوعود ولا بالمشاريع الشكلية، فلجأت إلى خيارها الأبدي: العصا. لكنها لا تدرك أن القمع لا يوقف التاريخ، بل يسرّع حركته في اتجاه الانفجار.

 

نحو تضامن شعبي وتنظيم ميداني

الرد على هذا القمع لا يمكن أن يكون إنسانيًا فقط، محصورًا في التعاطف والتضامن الأخلاقي، بل يجب أن يكون سياسيًا بامتياز، يذهب حدّ المساءلة والمطالبة بمحاسبة الجناة الحقيقيين.

نحن لا نطالب بـ«محاكمة عادلة» لمن حُوكموا أصلًا أمام محاكم الاستبداد بأحكامٍ صورية؛ بل نطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كل معتقلي ومعتقلات حراك جيل زيد.

إن التضامن الحقيقي يُقاس بقدرته على التحول إلى قوةٍ مادية على الأرض: إلى مبادراتٍ ميدانية قاعدية منسّقة، إلى لجان دعم محلية في المدن والأحياء، تتكامل ضمن إطار وطني موحد.

علينا أن نبني دينامية تضامنية جماعية تتجاوز ردّ الفعل إلى الفعل المنظم، تُعيد إلى الشارع صوته وإلى الحركة الاجتماعية أنفاسها، وتحوّل قضية المعتقلين إلى رافعةٍ لإحياء النضال الشبابي والشعبي من جديد.

 

جيل زيد يقاوم… والشعب معه

جيل زيد ليس وحده. إنه امتداد طبيعي لمسارٍ طويل من النضالات التي خاضتها أجيال متعاقبة من أبناء هذا الشعب ضد الاستبداد والاستغلال، من ساحات الجامعات إلى شوارع القرى والمدن، من نداءات حركة 20 فبراير إلى هتافات الريف وجرادة.

جيل زيد هو الوجه الجديد لنفس التطلّع القديم نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكنه يحمل أدواته الخاصة، لغته، وإصراره على كسر الخوف. إنه الجيل الذي وُلد في زمن الأزمات المتراكمة، لكنه اختار أن يحوّل اليأس إلى غضبٍ منظم، والصمت المفروض إلى صوتٍ جماعيٍ يطالب بحياةٍ تليق بالإنسان.

وهو أيضًا تعبير عن المستقبل، عن مغربٍ لم يُولد بعد لكنه يلوّح في الأفق بإصرارٍ عنيد.

فكل معتقل من معتقلي هذا الجيل ليس مجرد ضحية، بل شاهد على زمنٍ ينهار وزمنٍ يُبنى؛ رمزٌ لانتقال الوعي من الهامش إلى المركز، ومن الخضوع إلى الفعل.

قد يعتقد النظام أنه يدفن أحلام هؤلاء الشباب خلف القضبان، لكنه في الواقع يزرع بذور وعيٍ جديدٍ سينبت لا محالة في تربة هذا الوطن، ليعلن أن زمن الخضوع قد ولى، وأن المستقبل لا يمكن أن يُصادر.

الحرية لمعتقلي جيل زيد!

 

بقلم: ياسمين.

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟