الموقع تجريبي

الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة

 

12 سبتمبر 2026 — بقلم منظمة تضامن Solidarity

تتسم الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تقليديًا بقدر كبير من عدم القدرة على التنبؤ، إذ يتمثل السؤال الرئيسي في حجم الخسائر التي سيتكبدها حزب الرئيس المنتهية ولايته. وعموماً، يُفترض أن تكون هذه الخسائر في صفوف الجمهوريين في نوفمبر المقبل أكبر بمرتين أو ثلاث مرات.

لكن في ظل حرب كارثية وغير شعبية بشكل كبير، وفي ظل انعدام أمن يثير الذعر لدى عشرات الملايين من الأمريكيين الذين يخشون على مستقبلهم، تبدو انتخابات نوفمبر 2026 عصية على التنبؤ بدرجة غير مسبوقة. فالمسألة تتجاوز بكثير معرفة ما إذا كان الديمقراطيون — وأيٌّ من الديمقراطيين — سيتمكنون من قلب الأغلبية الجمهورية، على الرغم من ضآلتها، في الكونغرس.

وقد انصبّ الاهتمام الوطني، بل والدولي، إلى جانب 61 مليون دولار من «الأموال المظلمة»، على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في 4 أغسطس لاختيار مرشح مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، وعلى فوز المرشح التقدمي والمتمرد، الدكتور عبد السيد. وسنعود أدناه بمزيد من التفصيل إلى دلالة هذه النتيجة وانعكاساتها.

ومن المرجح أن تتغير أمور كثيرة بين كتابة هذه الافتتاحية وموعد الانتخابات. ومن بين حالات عدم اليقين الكثيرة التي تعصف بالمشهد، نذكر:

  • كيف سيكون مآل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟ هل ستشهد هدنة جديدة، ومزيدًا من المفاوضات، واستقرارًا في أسعار النفط؟ أم تصعيدًا واسعًا وحربًا تمتد إلى المنطقة بأسرها، مع وصول سعر برميل النفط إلى 150 دولارًا أو أكثر؟ أم — وربما كان هذا هو الاحتمال الأرجح — وضعًا فوضويًا يقع بين هذا وذاك؟
  • كيف سيكون حال الاقتصاد الأمريكي في ظل تقلبات أسعار الوقود، والرسوم الجمركية المتقطعة التي يفرضها ترامب، وفي ظل احتمال إصابة قطاعات الصحة والبناء والزراعة بالشلل نتيجة الاعتقالات وعمليات الترحيل الجماعية للمهاجرين؟

لا يمكن معرفة أيٍّ من ذلك، ولا سيما عندما تتغير سياسات ترامب نفسه تبعًا لما ينشره يوميًا، في منشوراته التي تتسم بنصف قدر من الهذيان، على منصة «تروث سوشيال».

  • إلى أي مدى يمكن أن يذهب ترامب والطائفة الجمهورية في سبيل الاحتفاظ بالسلطة؟ هل نشهد مناورات في اللحظة الأخيرة لفرض إقرار «قانون استعباد أمريكا» الذي طرحه ترامب، وهو القانون الرامي إلى تقييد حق التصويت على نطاق واسع، إن لم يكن على المستوى الفيدرالي فعلى الأقل في بعض الولايات؟ أو لعرقلة التصويت عبر البريد؟ ومن بين أكثر السيناريوهات إثارة للرعب التي يجري الحديث عنها علنًا: نشر عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (ICE) أو من حرس الحدود في مكاتب الاقتراع؟ ومحاولات الاستيلاء على بطاقات الاقتراع، أو ملاحقة مسؤولي الانتخابات في الولايات التي ترفض الامتثال لأوامر حكومية غير دستورية؟

إعلان رئاسي عن «حالة طوارئ» زائفة؟ حشود من اليمين المتطرف منفلتة من عقالها لتعطيل فرز الأصوات؟ تخريب عملية توزيع بطاقات الاقتراع عبر البريد؟

في الوقت الراهن، قد يبدو احتمال وقوع مثل هذه الأحداث القصوى والعالية المخاطر منخفضًا نسبيًا. غير أن عواقبها قد تفضي إلى أزمة عميقة في شرعية الحكومة وفي ما تبقى من العملية الدستورية.

انتفاضات اليمين واليسار

إذا افترضنا، في الوقت الراهن، أن العملية الانتخابية ستجري في مجملها بصورة «طبيعية»، فإننا نعلم أن شعبية إدارة ترامب الثانية تتراجع من شهر إلى آخر، وأن المرشحين الجمهوريين المنتهية ولايتهم، في الدوائر الانتخابية الحاسمة لمجلس النواب وفي سباقات مجلس الشيوخ، يبدون في وضع بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن الحزب الديمقراطي هو أقل شعبية، إن أمكن القول، من الحزب الجمهوري المتمسك بعبادة ترامب.

ولا شك في أن العوامل المباشرة الرئيسية الكامنة وراء الغضب الشعبي ذات طابع اقتصادي: ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، وتكاليف التأمين الصحي التي تجعل الرعاية الطبية بعيدة المنال عن ملايين الأشخاص، ومخاوف العمال ذوي المهارات من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي، الذي يشهد توسعًا متسارعًا، إلى تدمير وظائفهم الحالية وآفاقهم المستقبلية في العمل.

وتبرز حركات احتجاج داخل كلا الحزبين الرأسماليين، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي وفي أوساط من قاعدته الانتخابية االتي تتجه نحو اليسار، ولكن أيضًا بين ناخبي حركة “لنجعل أمريكا قوية مرة أخرى” «ماغا» الذين أصيبوا بخيبة أمل جراء إخفاق ترامب في الوفاء بوعوده بـ«إصلاح الاقتصاد» و«وضع حد للحروب التي لا تنتهي».

ومن جهة «ماغا» والحزب الجمهوري، يحاول ترامب صرف الانتباه من خلال تصوير «الديمقراطيين من اليسار الراديكالي» بصورة عدائية، والتلويح بشبح «التهديد الشيوعي» الوهمي الذي تقوده كوبا، في الوقت الذي يتباهى فيه بالنجاحات الباهرة لرسومه الجمركية، التي بات الناس يرون آثارها على نحو متزايد بوصفها كارثية على حياتهم اليومية. كما تكثف الإدارة ذات الطابع المافيوي حملاتها في اعتقال المهاجرين وترحيلهم بصورة سادية.

ولا يبدو أن استعراضات ترامب تؤدي وظيفتها على نحو جيد، إذ ينصرف بعض أتباعه السابقين نحو تطرف أكثر لا عقلانية ومعاداة للسامية. كما أن الإدارة نفسها منقسمة بين، على سبيل المثال، النزعة العسكرية التقليدية للسيناتور ليندسي غراهام، الذي توفي مؤخرًا، ولماركو روبيو — الذي أصبح الآن بمثابة نائب الملك لترامب المكلف بإدارة فنزويلا — وبين ج. د. فانس، الذي تتداخل نزوعاته الانعزالية الجديدة مع إعجاب معلن باليمين المتطرف الأوروبي، ومع تقارب مع روسيا فلاديمير بوتين.

ومع ذلك، تظل الآلة الجمهورية قوة لا يُستهان بها، بما تملكه من موارد لا تنضب مصدرها الشركات والأموال السرية، ومن قاعدة قوية لا تزال مؤيدة لترامب، فضلًا عن القوة التي يتيحها تقسيم الدوائر الانتخابية على أسس حزبية وعنصرية مكشوفة، بفضل الأغلبية اليمينية المتطرفة في المحكمة العليا. وهزيمتها ليست مؤكدة بأي حال من الأحوال. ووفق معظم التقديرات، فإنه من بين الدوائر الانتخابية الـ435 لمجلس النواب، لا يتجاوز عدد الدوائر المتنافس عليها فعليًا نحو عشرين دائرة، خارج انتخابات تشهد «موجة» انتخابية عارمة.

ويضيف إعلان الجمهوريين صراحةً عن نيتهم رفض نتائج الانتخابات إذا لم يفوزوا، مستوى إضافيًا من عدم استقرار المناخ السياسي والخوف وعدم القدرة على التنبؤ.

من جهة الديمقراطيين

ينبغي أن نكون واضحين بشأن نقطتين. أولا، لن يُحدث أيٌّ من موجات التقدمية أو الديمقراطية «تحولًا» في الحزب الديمقراطي الرأسمالي؛ ثانيا، في ظل غياب سياسة مستقلة قابلة للحياة على الصعيد الوطني، فإن ما جرى خلال الانتخابات التمهيدية يعكس الغضب الشعبي وعدم الاستقرار السياسي، ولا يمكن تجاهله.

وتعكس الثورة المفتوحة على قيادة حزبية متكلسة وراسخة تلاقيَ مجموعة من القضايا أخفقت فيها القيادة الديمقراطية، أو تراجعت أمامها، أو انهارت بشأنها. وقد بدأت المؤسسة، وهي في حالة ذعر، تُظهر بالفعل علامات على شن هجوم مضاد.

ويكتب رام إيمانويل، المرشح المحتمل للرئاسة في 2028، ومستشار باراك أوباما ورئيس موظفيه، والعمدة السابق لشيكاغو — حيث خاض حربًا شرسة، لكنها خاسرة، لتفكيك نقابة معلمي شيكاغو — في وول ستريت جورنال أن اليسار التقدمي أو الاشتراكي الديمقراطي «سيقوّض» حظوظ الديمقراطيين.

وعندما يطالب المناضلون التقدميون في الحزب بحلول ملموسة للأزمات التي تدمر حياة الناس وآمالهم، يرد الوسطيون في المؤسسة، الخاضعون لخدمة مصالح الشركات الكبرى، بالدعوة إلى «الواقعية» والتدرج، وباتباع تلك التكتيكات الانتخابية الجامدة التي يفرضها المستشارون، والتي تفضي إلى خسارة الانتخابات مرة تلو الأخرى. وتتعهد مجموعة “الطريق الثالث” الوسطية بشن حملة بقيمة 15 مليون دولار لمهاجمة الاشتراكية الديمقراطية.

ومن بين القضايا الحاسمة: إفساد السياسة بفعل لجان العمل السياسي التابعة للشركات الكبرى وأموال المليارديرات؛ والحاجة الملحة إلى تغطية صحية وطنية في إطار «ميديكيد للجميع»؛ والتركّز الفاحش للثروة في قمة الهرم الاجتماعي؛ وهوس عصابة ترامب بإلغاء القيود التنظيمية، وجنون «الحفر بلا هوادة» في وقت تحترق فيه أمريكا الشمالية وأوروبا حرفيًا؛ والإرهاب الذي أُطلق العنان له ضد المهاجرين، والذي أشعل مقاومة جماهيرية ضد إدارة الهجرة والجمارك.

ولا ينبغي أن ننسى الغضب المتزايد إزاء الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل كسياسة دولة في غزة، والتطهير العرقي الدموي في الضفة الغربية المحتلة، والغزو ذي النزعة الضمّية لجنوب لبنان. ومن اللافت، وغير المسبوق، أن غالبية الأمريكيين؛ في مختلف الفئات باستثناء الجمهوريين الأكبر سنًا؛ باتوا يتعاطفون مع فلسطين أكثر من إسرائيل. وحتى رام إيمانويل حذّر جمهورًا إسرائيليًا، رغم ولائه الصهيوني الذي لا يتزعزع، من أن سلوك إسرائيل يفقدها قدرًا كبيرًا من التأييد في الولايات المتحدة.

وتفيد The Wire، النشرة الإخبارية التابعة لمنظمة Jewish Voice for Peace، بأنه منذ انتخاب زهران ممداني، «فاز 11 مرشحًا تدعمهم JVP Action، بينهم ستة مرشحين للكونغرس، في انتخاباتهم التمهيدية — ليس رغم دعمهم الثابت لحرية الفلسطينيين، بل بفضله». (العدد الخاص بـ JVP Action PAC، 31 يوليو).

وتحظى إدارة بايدن-هاريس باحتقار مستحق بسبب سماحها بوقوع الإبادة الجماعية في غزة، رغم أنها كانت تعرف منذ البداية حجم المجزرة. كما يحظى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو باحتقار واسع بسبب نجاحه في استمالة ترامب عبر التملق وإغرائه بوعد تحقيق «انتصار» سريع وثوري على إيران.

ساحات المعركة

أفضت هذه العوامل مجتمعة إلى انتفاضة تجلت في انتخاب زهران ممداني عمدةً لمدينة نيويورك، وفي بروز عدد من المرشحين البارزين المنافسين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وإن كانت هناك، بطبيعة الحال، انتكاسات أيضًا، مثل هزيمة كوري بوش في ميزوري. كما خسرت فرانشيسكا هونغ الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن بفارق يقل عن نصف نقطة مئوية.

وفي التغطيات الإعلامية، وكذلك في التصريحات اللاذعة لترامب، يُنظر إلى الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) باعتبارهم القوة المحركة التي تقف وراء هذه الموجة المناهضة للمؤسسة. ولا شك في أن الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا يؤدون دورًا مهمًا في بعض هذه المنافسات الانتخابية، كما في فوز ممداني، وفي الدفع، مثلًا، نحو طرح فكرة ترشح ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز للرئاسة في 2028. لكن ليس الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا العامل الوحيد.

وفي السباق إلى مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الذي حظي باهتمام وطني واسع، واجه الدكتور عبد السيد، المتخصص في الصحة العامة، هالي ستيفنز، وهي ديمقراطية وسطية راسخة ومدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، في الانتخابات التمهيدية التي جرت في 4 أغسطس. ولم يقدم السيد نفسه بوصفه اشتراكيًا، بل بوصفه مدافعًا متحمسًا عن التأمين الصحي الشامل وعن إنهاء المساعدات المقدمة إلى إسرائيل. وقد استُهدف من جانب لجان العمل السياسي (PAC)  «المؤيدة لإسرائيل» والمرتبطة بالشركات الكبرى، أنفق بعضها مبالغ طائلة على إعلانات تلفزيونية وحملات بريدية تشهيرية.

وحشدت حملة السيد الجالية العربية، إلى جانب المناضلين التقدميين والمؤيدين لفلسطين، وهو ما أسفر عن إنشاء مجموعتي «يهود من أجل عبد السيد» و«نساء من أجل عبد السيد» للتصدي لهذه الهجمات.

وفي غضون ذلك، تعلن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC (التي تخصص مواردها عادةً للانتخابات التمهيدية أكثر من الانتخابات العامة) صراحةً أنها ستواصل جهودها لإفشال السيد. ولا شك في أن إعلاناتها ستستهدف بصورة خاصة الناخبين اليهود والسود والنساء، بالأكاذيب السامة نفسها التي بثتها خلال الانتخابات التمهيدية.

وسيتمثل اختبار مهم لـ«وحدة» الديمقراطيين في معرفة ما إذا كانت الشخصيات السياسية في ميشيغان وعلى الساحة الوطنية — من الحاكمة المنتهية ولايتها غريتشن ويتمر إلى الرئيس السابق أوباما — ستقدم دعمًا قويًا للسيد، بينما يواجه مايك روجرز، وهو جمهوري يميني مؤيد لترامب، في ما يُتوقع أن تكون حملة استثنائية في كلفتها وافتقارها إلى النزاهة، وقد تحدد أي الحزبين سيسيطر على مجلس الشيوخ الأمريكي.

وعلى الرغم من بعض الأوهام التقدمية التي تدعي عكس ذلك، ففي أكثر السيناريوهات تفاؤلًا — إذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على مجلس الشيوخ، وربما حتى استبدال تشاك شومر، الذي فقد مصداقيته، بشخصية مثل السيناتور كريس فان هولن —، قد يتحول الديمقراطيون إلى حزب معارضة ليبرالي حقيقي، نشط في ممارسته السياسية بدل الاكتفاء بخطابات جوفاء.

 

وقد يشكل ذلك تحسنًا واضحًا — وربما يعيد إحياء كثير من الأوهام التي خمدت بشأن الحزب الديمقراطي —، لكنه سيظل بعيدًا عن التحول الذي يحلم به الاشتراكيون الديمقراطيون. وبصراحة، فإن هذه النتيجة، على الصعيد الوطني، تمثل تقريبًا سقف الإمكانات التي يمكن بلوغها انتخابيًا.

وفي مجلس النواب، فإن تحولًا يؤدي إلى أغلبية ديمقراطية سيمنح رئاسة المجلس لحكيم جيفريز، وهو وسطي راسخ وأبرز المستفيدين داخل الحزب من دعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC.

وإلى جانب الهجوم المضاد الذي تشنه المؤسسة الديمقراطية، ناهيك عن هذيان ترامب بشأن التهديد الشيوعي — حتى وإن تحولت خطبته الهجومية في البيت الأبيض إلى إخفاق مدوٍّ —، ثمة عوائق أعمق أمام نجاح الديمقراطيين التقدميين، أو، في الواقع، أمام نجاح الحركات النضالية.

ولا يزال مدى وصول هذه الحركات إلى القطاعات الأكثر أهمية في المجتمع محدودًا. وقد ظهر ذلك ليس فقط خلال تعبئات يوم «لا للملوك» (No Kings) في العامين الماضيين — وهي احتجاجات مهمة ومبدعة وحيوية، لكنها كانت في غالبيتها الساحقة مؤلفة من البيض. فالجالية السوداء منخرطة سياسيًا، لكن لديها انشغالاتها الملحة الخاصة.

وقد شكّل الناخبون الأمريكيون من أصل إفريقي، الذين يمثلون العمود الفقري للتصويت الديمقراطي في العديد من الولايات، ولا سيما في الجنوب، حصنًا للمؤسسة الحزبية في لحظات استراتيجية. وقد تجلى ذلك بوجه خاص خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2020 في كارولاينا الجنوبية، حيث حشد النائب الأسود البارز جيمس كلايبورن الناخبين لصالح جو بايدن، مما أدى إلى إفشال ترشح بيرني ساندرز، الذي كان في صعود آنذاك.

كما أدت أصوات ديترويت دورًا حاسمًا في جعل فوز عبد السيد في ميشيغان، الذي تحقق بفارق ضئيل، أكثر تقاربًا بكثير مما كانت تتوقعه استطلاعات الرأي. ففي المرحلة الأخيرة من الانتخابات التمهيدية، تدخل كلايبورن لدعم ستيفنز، التي ركزت حملتها بقوة على صلاتها المثبتة بالجالية الأمريكية من أصل إفريقي — ولا سيما بالنساء السود —، فضلًا عن التأييد الذي حظيت به من مسؤولين منتخبين من السود، وكذلك، بطبيعة الحال، من شخصيات بارزة في المؤسسة البيضاء في ميشيغان.

وتجري مظاهرات قوية يقودها السود ومتعددة الأعراق حول العديد من حالات عنف الشرطة وقتل أفراد من الجالية الأمريكية من أصل إفريقي. وتكمن الصعوبة في أن جزءًا كبيرًا من هذه الجالية يعتبر التيار الديمقراطي السائد، الذي يُفترض أنه «أكثر قابلية للفوز في الانتخابات»، دفاعه الوحيد المتين في مواجهة موجة العنف التي يشنها ترامب والجمهوريون، والتي تدمر حياة السود وحقوقهم.

أما بالنسبة إلى اليسار، فتتمثل المأساة المستمرة في غياب خيار سياسي ذي مغزى مستقل عن الحزب الديمقراطي. وتشكل الحملات السياسية المحلية المستقلة إمكانية قابلة للحياة ينبغي السعي إليها، لكنها لا تمثل سوى خطوة أولى في مسيرة طويلة جدًا نحو أي شكل من أشكال البديل السياسي الوطني.

ولكي تصبح السياسة المستقلة عاملًا قابلًا للحياة في الولايات المتحدة، يجب أن تكون الحركات السوداء واللاتينية قوى مركزية منذ البداية. وهذا رهان هائل، ولا سيما في مواجهة التهديد الحقيقي والمكثف جدًا الصادر عن اليمين.

وفي الوقت الراهن، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن التنبؤ به حقًا في أمريكا التي تعصف بها الأزمة، هو حجم الرهانات، وليس فقط في إطار انتخابات منتصف الولاية المقبلة. فالانتخابات لا تحدد المستقبل، لكنها تسهم في تهيئة الأرضية للمعارك القادمة.

المصدر: مجلة الأممية الرابعة، أنبركور

رابط المقال:

https://inprecor.fr/les-elections-de-mi-mandat-aux-etats-unis

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟