في غمرة جرائم الحرب في غزة وهجمات عصابات المستوطنين والحروب التوسعية في بلدان الطوق، أُعلن يوم الأربعاء 16 شتنبر عن عقد اجتماع بين وزير الخارجية المغربي ووزير الخارجية الإسرائيلي في نيويورك، برعاية أمريكية ممثلة بسفيرها لدى الأمم المتحدة وأحد كبار مستشاري دونالد ترامب. وحسب الإعلانات الإسرائيلية والأمريكية، انتهى الاجتماع بتوقيع اتفاقية بضمانة أمريكية، تتضمن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي من خلال فتح متبادل للسفارات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والصناعة العسكرية، وتعزيز خطوط الطيران.
ويأتي ذلك، حسب ما أُعلن، استمراراً لمسلسل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في إطار ما سُمّي بمخطط «أبراهام»، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بهدف تثبيت اعتراف أنظمة المنطقة بإسرائيل، والرهان على إقبار القضية الفلسطينية.
جاء الاتفاق الأخير في ظل ظروف خاصة بالنسبة إلى الأطراف المشاركة. فحكومة أقصى اليمين الفاشية برئاسة نتنياهو تقف على أبواب انتخابات مصيرية بالنسبة إلى بقائها في السلطة، التي تشكل، بحسب منتقديها، درع حماية من فتح ملفات قضائية تتعلق بقضايا فساد، ومن إجراء تحقيق مستقل حول هجوم 7 أكتوبر وتحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية عن التقصير. وبالتالي، فإن اتفاقات مع بلدان المنطقة يمكن أن تتحول إلى مادة للدعاية الانتخابية لنتنياهو. يضاف إلى ذلك ما يُطرح من حاجة الإسرائيليين إلى بلدان يقصدونها لقضاء العطلة، بعد سنوات من تداعيات الحرب، وفي ظل ما يتعرض له إسرائيليون من طرد أو ملاحقات في بلدان مختلفة حول العالم.
أما إدارة دونالد ترامب، التي تغرق في شبكة معقدة من المشاكل العالمية والداخلية، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وهي على أبواب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فإنها في حاجة إلى إنجازات، حتى وإن جاءت دون مستوى الوعود المتضخمة؛ فهي، بالنسبة إليها، أفضل من لا شيء.
أما النظام المغربي، فتتمثل غايته، وفق هذا التوجه، في طي ملف الصحراء الغربية عبر تأمين الدعم الأمريكي، وخصوصاً عشية جلسة مجلس الأمن المرتقبة في الشهر المقبل، لتحقيق مكسب إضافي يُراد به طي الملف استناداً إلى قرار أممي صادر عن مجلس الأمن يعزز القرار 2797 (2025) الأخير. كما يهدف النظام المغربي إلى توطين صناعة السلاح، بهدف تكريس المغرب مركزاً حيوياً ومنصة أساسية نحو إفريقيا، اقتصادياً وأمنياً.
لكن القضية الجوهرية الحاضرة، دون أن تُذكر، هي القضية الفلسطينية، التي جعل دونالد ترامب من تصفيتها هدفاً مركزياً في إطار ما سماه «صفقة القرن» الاستعمارية، والتي أسهمت، وفق هذا المنظور، في تفجير منطقة الشرق الأوسط برمتها وإدخاله في سلسلة من الحروب والصدمات الاقتصادية العالمية التي لا تزال مستمرة إلى حدود الساعة.
إن حسابات الإمبريالية والكيان الصهيوني، وطعنات معظم أنظمة المنطقة للقضية الفلسطينية بمختلف المبررات والذرائع، لم تفلح في إقبار القضية الفلسطينية، ولا في وقف حركة التحرر الوطني الفلسطيني، باختلاف قياداتها ووسائل مقاومتها عبر التاريخ، رغم التضحيات البشرية العظيمة، المتصاعدة بالتوازي مع صعود اليمين المتطرف والفاشية، سواء داخل الكيان الصهيوني المحتل أو في البلدان الإمبريالية الداعمة له. وطالما أن هناك ملايين الفلسطينيين والفلسطينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة وبلدان اللجوء، وهم متمسكون بقضيتهم، فإن تجار الحرب من الاستعماريين والتابعين لهم لن يكون بمقدورهم إزاحة الحق الوطني الفلسطيني أو وقف النضال من أجله.
وبقدر فظاعة الجرائم المرتكبة، اهتز الضمير الإنساني للشعوب، ونشأت حركة تضامن أممية واسعة دعماً لفلسطين وضد الاحتلال، حتى في قلب البلدان الإمبريالية نفسها. وهو ما يشكل، بالنسبة إلينا، تحولاً مهماً وثمرة من ثمار التضحيات الهائلة التي قُدمت في مواجهة المجازر المرتكبة في قطاع غزة، وما خلّفه العدوان من كلفة بشرية وبيئية كارثية.
إن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرض وطنه، وإزالة الاستعمار الاستيطاني، لا يخضع للصفقات والدسائس الإمبريالية وحليفها الاستعماري، مهما بلغ خذلان الأنظمة التابعة واستسلامها.
نعبر عن إدانتنا لفتح سفارة الكيان الصهيوني في بلدنا، وندعو إلى النضال ضد جميع أشكال التطبيع، وفضح المبررات التي يتحجج بها النظام لتسويغه.
ونؤكد أن وحدة ديمقراطية لشعوب المغرب الكبير تشكل جداراً حصيناً في وجه تلاعب الإمبرياليين، وسبيلًا لمواجهة نهب بلداننا وتعميق تبعية أنظمة المنطقة، وإذكاء الصراعات التي لا تخدم مصالح شعوبنا.
ونرفض كل وجود لقواعد ومراكز عسكرية فوق أرض بلدنا، تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية.
لا خيار أمام شعوب منطقتنا الكبيرة بكل تنوعها، إلا تعزيز المقاومة بكل أشكالها ضد المشروع الصهيوني، بدءا بمناهضة كل أشكال التطبيع، ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني ومساندته، وتعزيز المشروع التحرري لشعوبنا في مواجهة الاستبداد والامبريالية.
تيار المناضل-ة
18/09/2026