الموقع تجريبي

مصرع ثلاثة عمال بمنجم جبل عوام: استرخاص الأرواح مقابل تعظيم الأرباح.

لقي ثلاثة عمال حتفهم يوم 25 شتنبر 2026 بمنجم جبل عوام بإقليم خنيفرة الواقع قرب مريرت، ويعود سبب هذه الحادثة المميتة لوقوع انفجار أثناء عملية الحفر داخل البئر الجديد بمنطقة اغرم أوسار. لقد قضى العمال الثلاثة تاركين وراءهم أسر مكلومة وبدون معيل.

خلفت هذه الفاجعة المأساوية صدمة وغضب عارمين في صفوف العمال الذين نظموا مسيرة احتجاجية مشيا على الأقدام في اتجاه عمالة خنيفرة. وردد العمال أثناء سيرهم شعارات تندد بعدم توفير المقاولة المشغلة لشروط الصحة والسلامة، خاصة وأن قطاع المناجم نشاط استخراجي معروف بارتفاع درجة المخاطر أثناء مزاولة العمال لعمليات الحفر وتكسير الصخور باستعمال الآلات ومواد متفجرة.

حينما تكون حياة عمال المناجم أقل قيمة من كلفة توفير شروط الصحة والسلامة.

تتربص بعمال المناجم بالمغرب حوادث شغل خطيرة قد تودي بحياتهم كما وقع مؤخرا في منجم جبل عوام، ولا تكترث الشركات المستثمرة في استخراج معادن نفيسة بتوفير تدابير الصحة والسلامة المتضمنة في دفتر تحملاتها.  وتكشف الحوادث المتكررة شروط العمل القاسية التي تلازم عمال هذا القطاع، علاوة على ارتفاع الإصابة بأمراض مهنية خطيرة تستهلك صحتهم. ومقابل ذلك تتكدس في جيوب مستغِلي نشاط استخراجي يدمر البيئة ثروات هائلة، يجري توظيفها من جديد لتوسيع مجالات استثماراتهم.

عند كل حادثة شغل مأساوية تعِد مصالح الدولة بفتح تحقيق لتحديد الأسباب وترتيب المسؤوليات القانونية، غير أن تلك التحقيقات غالبا ما يجري طمسها أو في أفضل الأحوال يجري إقرار تعويضات هزيلة، أو تركها مجالا لنزاع قانوني طويل منهك يستنزف جهد وطاقة العمال -آت وأسرهم-هن دون انصافهم. بيد أن رد الدولة في حالات عديدة يكون فورياً وأشد وقعا وبأسا عندما يحتج العمال والعاملات في وجه تعديات أرباب العمل، في حين لا تتدخل بسلطتها وبجهازها القضائي لإرغام هؤلاء في جل القطاعات على احترام قانون الشغل بعلته. ليس الأمر صراع الشر ضد الخير، بل صراع محتدم يخوضه الرأسمالي لجني أرباح طائلة عبر فائض القيمة الذي يعتصره من الشغيلة، بتقليص صارم لكلفة الإنتاج، وضمنها التقشف في توفير معدات وظروف الصحة والسلامة، والمقامرة بحياة العمال مقابل أرباح سنوية مضمونة.

من يغتني من مأساة عمال منجم جبل عوام بتيغزة؟

يقع منجم جبل عوام بمنطقة تيغزة التابعة لإقليم خنيفرة، وهو مركز منجمي تستغله الشركة المنجمية للتويست (CMT)، وهي إحدى أكبر الشركات العاملة في قطاع التعدين بالمغرب، ويتركز نشاطها في إنتاج مركزات الرصاص والزنك الغنية بالفضة (1). وبدأت هذه الشركة نشاطها الاستخراجي في شرق المغرب وتوسع ليمتد للأطلس المتوسط، حيث تستغل منجم تيغزة. وتحوز  شركة CMT محفظة مهمة من رخص البحث والتنقيب عن المعادن الأساسية والنفيسة في عدة مناطق بالمغرب، كما تعمل على تنويع نشاطها التعديني ليشمل معدن النحاس والأنتيموان والغرافيت (2) .

وحسب بيان الشركة الصحفي المنشور على موقعها بتاريخ 28 شتنبر 2026، فقد بلغ صافي ربحها 187 مليون درهم في النصف الأول من 2026 مقابل 75 مليون درهم في الفترة نفسها من العام الماضي، وكما جاء في ذات البيان، فإن النمو القوي لأرباح الشركة يعزى إلى استفادتها من ارتفاع أسعار الزنك والفضة على التوالي ب 22% و141 % وإلى الزيارة في كمية مبيعات مركزاتها المعدنية (3).

لا تنعكس زيادة رقم المعاملات والأرباح الصافية على أوضاع عمال الشركة، الذين يبلغ عددهم 1107 عامل، من بينهم 751 عاملًا عن طريق المناولة. ويعني هذا مزيدًا من الهشاشة وفرط الاستغلال وانعدام الحماية من مخاطر حوادث الشغل. وللتغطية على الوضع المزري الذي كشفته فاجعة مقتل ثلاثة عمال، تسوّق الشركة في دعايتها، من خلال موقعها على الإنترنت، توفيرها لتدابير الصحة والسلامة والوقاية في مكان العمل، واحترامها لحقوق الإنسان وبيئة وثقافة المجتمعات المحلية.

نضال العمال – آت الوحدوي وحده قادر على صد تعديات أرباب العمل ودولتهم.

ستتكرر حوادث الشغل المميتة ويذهب ضحيتها عمال وعاملات في قطاعات إنتاجية تصديرية تنمو فيها أرباح الرأسماليين على حساب حياة وكرامة عمال وعاملات المغرب. ولن تجدي مئات التحقيقات في أسباب الحوادث التي تجريها جهات رسمية نفعا، وعلى العمال والعاملات رص صفوفهم –هن لبناء ميزان قوى نضالي عمالي، فتلك هي الآلية القادرة على فرض احترام تدبير الشروط والسلامة، وانتزاع حقوق العمال والعاملات التي يدوسها أرباب العمل بمباركة دولة طبقية مستبدة.

إن استرداد حق العمال الذين قضوا موتا وإنصاف عائلاتهم وفرض شروط الصحة والسلامة والوقاية يفرض مساندة احتجاجات عمال منجم جبل عوام، وتوسيع أشكال التضامن والمساندة لكشف ومحاسبة كل من تورط في الاستهتار بسلامة العمال وحياتهم، وعلى الدولة والمقاولة المشغلة تحمل التبعات المالية والقانونية لملف من فقدوا حياتهم والتكفل الاجتماعي بأسر فقدت معيلها.

تضامننا وتعازينا لأسر العمال ضحايا الاستغلال المفرط وانعدام تدابير الصحة والسلامة.

يا عمال وعاملات المغرب اتحدوا-ن لصد طغيان أرباب العمل.

بقلم: قدس

————————————————————————-

(1): موقع شركة CTM: https://www.cmt.ma/cmt/?utm_source=chatgpt.com

(2): بيان الصحفي للشركة المنشور بتاريخ 28 ستنبر 2026 : https://www.cmt.ma/wp-content/uploads/2026/09/CMT-Publication-S1-2026.pdf

(3): نفس المصدر.

 

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟