الموقع تجريبي

عيسى ديوب دعوات ترقيته من “رقيب” الى “جنرال” … صنف من أقنعة العنصرية المتنوعة.

تظل كرة القدم في طليعة أكثر الرياضات شعبية في العالم، سواء بعدد ممارسيها وممارساتها أو من حيث جماهيرها العريضة. فهي تُمارس في أزقة الأحياء الشعبية الضيقة، وعلى الشواطئ، والساحات، بل يتحايل الأطفال الصغار لممارستها داخل البيوت، رغم منع الأهل. وتُمارس بأقل الوسائل الممكنة، ومتاحة للجميع.

غير أن كرة القدم الاحترافية تحولت، في العقود الاخيرة، إلى مشروع رأسمالي ضخم، وسوق للمضاربات، وأداة ايديولوجية توظفها الأنظمة الحاكمة لتلميع صورتها، عبر شراء أندية عريقة وتحويلها الى منصة اشهارية بغاية إخفاء الطبيعة الاستبدادية لتلك الأنظمة. بل أن كرة القدم الاحترافية تكشف بوضوح تناقضات الرأسمالية، إذ يتم صرف مليارات الدولارات على تنظيم تظاهرات رياضية بميزانيات جد ضخمة في وقت يموت الأطفال بأمراض قابلة للعلاج، أو بسبب سوء التغذية ونقص الغداء.

إن عالم كرة القدم الاحترافية يقدم صورة جلية عن عالم الرأسمالية: ترف وبدخ لدى الأقلية، في مقابل معاناة ملايير من البشر من الفقر والجوع، والاستبداد، والاحتلال، ونهب الثروات. أصبحت الفرجة الرياضية والمنافسة الممتعة بضاعة تُدرّ أرباحاً طائلة على الرأسماليين. وتحولت الملاعب إلى سرك روماني حديث، تُلهي الجماهير عن قضاياها المصيرية، كما كان يٌلهى المواطنون الرومانيون قديما بمصارعة المُستعبَدين، مع فارق غياب تقنيات النقل المُباشر تجعل كل سكان الامبراطورية الشاسعة تتابع مجريات ما يحصل في الحلبة، مثل ما يجري اليوم في عصر الرأسمالية.

ملاعب كرة القدم… ميدان للمستثمرين وساحة تعكس الصراع الاجتماعي

تجرى المباراة داخل المستطيل الأخضر، لكن خيوطها تمتد الى أسواق الأسهم، وشركات الاشهار، وشبكات اليانصيب، وسماسرة المواهب، وغيرها. غير أن هناك مباراة أخرى تخاض في المدرجات، حيث تتحول الشعارات والرموز والأناشيد إلى تعبير عن مشاعر الجمهور وآرائه وتطلعاته، وتفاعله مع قضايا ومجتمعه.

ولنتذكر هنا دور “الألتراس” في الانتفاضة المصرية سنة 2011، وفي الحراك الشعبي الجزائري سنة 2019. كما نتذكر دورها في التضامن مع حراك الريف ونضال الشعب الفلسطيني، والتذكير بالشهيد عبد الله موناصير والتضامن مع حراك التعليم، وغير ذلك من الشعارات التي صدحت بها حناجر جماهير بعض الاندية المغربية. غير أن التيارات العنصرية والرجعية تستعمل بدورها كرة القدم لتسويق أيديولوجيتها وتمثلها للآخر. وتسعى إلى غرسها في المجتمع، وأحيانا، تعبر حتى بعض الجماهير المتضامنة مع قضايا عادلة عن انزلاقات عنصرية أو قومية او جهوية ولغوية، تحت تأثير اشتداد الصراع مع المنافس. بل إن الأنظمة السياسية نفسها تستعمل كرة القدم لخلق عدو خارجي لتشتيت الغضب الشعبي، أو نفث سموم تقسيم صف جماهير البلد الواحد(1).[1]

وقد شهدنا، في ملاعب أوربا، هتافات عنصرية موجهة ضد اللاعبين من أصول إفريقية أو عربية أو إسلامية أو شرق آسيوية. ورغم تشديد العقوبات، وكثرة الحملات التحسيسية المناهضة للعنصرية في الملاعب، فإن صعود اليمين المتطرف ينعكس مباشرة على مدرجات الملاعب. ومن ثم، فإن هزيمته داخل المجتمع شرط أساسي لقطع الطريق أمام تمدده الي الفضاءات الرياضية.

وماذا عن ملاعبنا؟

الحقيقة المؤكدة أن الملاعب الرياضية المغربية تعج بمظاهر العنصرية بأشكال ومضامين متعددة، فهناك شعارات وهتافات تٌلقن للجمهور الجديد تفيض بخطاب عنصري مقيت. ولم يسبق للهيئات الكروية، ولا الأندية، ولا لجمعيات الممارسين والجمهور، أن واجهتها بحملات تحسيسية جادة لمناهضة العنصرية، أو ضد المس بالمساواة، أو وانتهاك الحقوق. ويعبر ذلك عن تواطؤ صامت وتجاهل متعمد، وتطبيعٌ مع المشكل بدل التدخل لعلاجه.

وسنكتشف عند الاطلاع على لائحة بالشعارات التي تحملها أو ترددها جماهير العديد من الفرق الرياضية، أنها حبلى بمضامين ومفردات عنصرية. وتبين “لائحة العار” هذه الطويلة جدا، أن كرة القدم الاحترافية المغربية غارقة في مناخ عنصري يناقض المساواة والكرامة الإنسانية.

عيسى ديوب…. ترقية “السرجان” الى “جنرال” أو أقنعة العنصرية المقيتة

التحق عيسى ديوب بالمنتخب المغربي لملء خصاص في الدفاع، بعد اعتزال بعض اللاعبين واصابة آخرين. وقد انضم إلى المنتخب أشهرا قليلة بعد النهائي المؤسف لكأس افريقيا، المنظم في المغرب، وما أعقبه من خلاف حاد مع المنتخب السينغالي، الذي دخل أروقة المحكمة الرياضية الدولية(الطاس)، في انتظار تأكيد قرار المحكمة الرياضية الإفريقية لكرة القدم بفوز المغرب أو نقضه.[2]

وأثناء الصراع حول لقب كأس أفريقيا، ارتفع منسوب العنصرية، وسقطت أقنعة التسامح الزائف، وتعالى خطاب عدائي واضح ضد الأفارقة جنوب الصحراء. كما ظهرت صفحات عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي، من قبيل فايسبوك وتويتر وانستغرام، تحرض على طرد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، وتعمل على تضخيم كل حدث معزول، أو أي تصرف فردي، أو خلاف يكون فيه أفريقي جنوب الصحراء طرفا.

بل إن بعض هذه الصفحات تبنت خطابا متطابقا مع اليمين الفاشي الجديد في أوروبا وأمريكا. وهو الخطاب نفسه الذي يستعمل ضد أبناء منطقتنا هناك، على الرغم أن عددهم في تلك البلدان أكبر بكثير من نسبة الأفارقة جنوب الصحراء بالمغرب. وقامت تلك الصفحات المشكوك فيها بمحاولات إثارة رُهاب سخيف، من قبيل الترويج أن هناك مخططا للسيطرة على البلد، أو تغيير طبيعته الديموغرافية من خلال الزيجات المختلطة، مع التعويل على خطاب يضرب على وتر أن المهاجرين يستفيدون من دعم الدولة وحمايتها على حساب أبناء وبنات البلد.

إنه خليط من الجهل والحقد في قالب عنصري صلف لكن لا يجب الاستخفاف به وتجاهله، بل لابد من فضحه ومواجهته.

خلال لعبه أولى مبارياته في كأس العالم، ومع أن بعض تمريراته كادت أن تتسبب في أهداف لو استغلها الفريق الخصم، تصاعدت حينها انتقادات الجمهور، وعبرت عن خوفها مما قد يترتب على تكرار تمريرات خاطئة في منطقة حساسة. وطبعا، فذلك النقد وتعليقات الجمهور مشروعة من جمهور يريد الانتصار لفريقيه. لكن ما ليس مقبولا هو تصاعد نقد عنصري تختلف حدته ودرجته وشكل التعبير عنه. فهناك عنصريون أقحاح لم ينتقدوا ديوب اللاعب، بل صرحوا أو ألمحوا إلى روابطه بالسينغال، وآخرون الى لون بشرته الأفريقي. أما الأكثر حذلقة فغلفوا عنصريتهم المتجذرة وراء تعليقات ونكت واستعارة مقولات قديمة، تلميحاً لعنصريتهم. لاحقا كان عيسى ديوب نفسه المنقذ من هزيمة محققة في أحد الادوار الاقصائية وفي وقت حساس جداَ، فانقلبت الآية، وأقبر التنمر واختفت الألفاظ والتلميحات العنصرية، بل أُكتُشِف الابن الوطني والمُقاتل بشراسة دفاعا عن العرين، وتعالت صيحات الاستدراك عن الأحكام القاسية في حقه.

تُرى أين يقع العنصريون بين حملتهم على عيسى ديوب “الكبران”، وترقيتهم عيسى ديوب إلى رتبة “الجنرال”؟

أجل، هذا تناقض يخص العنصريين والفاشيين في كل البلدان والأزمان. فهم لا يرون الآخر بوصفه إنسانا بكامل الحقوق، بل يضعونه داخل خانتين: إما آخر “مفيد” يُقبَل به مادام على هواهُم، وإما آخرٌ “سيء” يجب إلغاؤه وإقصاؤه، لأنه ليس على هواهم ولا يستجيب لاشتراطاتهم.

ولعل ما يبين ذلك بوضوح هو سرعة انكشاف الجوهر الحقيقي عند أول خلاف، حيث تتراجع فجأة مظاهر التعايش، وتطفو على السطح أفكار مملوءة بالكراهية والتحقير بسبب الأصل أو اللغة أو اللون أو الجنس أو الخصائص الجسدية، وغيرها من مظاهر الاختلاف. وهنا تبدو المفارقة صارخة، إذ نحب في الغالب الأيقونات اللامعة مثل العربي بن مبارك أو محمد التيمومي، أو غيرهما، لكن هذا الحب غالبا ما يكون مشروطا بالنجاح والتألق كرويا. فماذا لو أخطأ أحد اللاَمعين مثلا؟ هل سيظل النقد رياضيا صرفا، أم سيتحول إلى استفزاز عنصري؟ أكيد أن الرابط بين الشتائم العنصرية ليس سوى تعبير عن الامتعاض وتنفيس عن الحنق.

لكن السؤال الحقيقي هو لماذا يجعلنا لون الآخر أو لغته أو جنسه مادة للتحامل والتشهير؟

الجواب المؤلم واضح لا لبس فيه، أن الثقافة السائدة والمنغرسة شعبيا في كثير من مظاهرها هي ثقافة تحمل الكثير من العناصر الرجعية والعنصرية والذكورية والتحقيرية للآخر.

لذلك علينا مواجهة هذه الحقيقة بشجاعة، حقيقة العنصرية المتجذرة. كما يجب الوعي أننا ننتمي الى أفريقيا، وأن نعتز بثرائها الحضاري والتاريخي والانساني، لا الصورة المشوهة التي رسمها الاستعمار الأوربي، حين طمس حضارتها ووصم شعوبها بالهمجية لتبرير الاستعمار والاستعباد مرتكبا بذلك أبشع جرائم العصر الحديث.

 

أفريقيا للأفارقة بأعراقها وألوانها ولغاتها وأديانها، أفريقيا مناهضة للاستعمار والعنصرية، أفريقيا ساعية للحرية والمساواة والإخاء. عيسى ديوب ليس في حاجة لنياشين العنصرية، بل هو لاعب كرة القدم، وإنسان له الحق في معاملة لا تمس بكرامته ولا تنال من احترام شخصيته منتصرا كان أو منهزما.

 

بقلم: موسى واكريم


[1]https://almounadilasocialiste.org/%d9%83%d8%a3%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a8%d8%b7-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81/

[2]https://almounadilasocialiste.org/%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d8%a3%d8%b3-%d8%a5%d9%81%d8%b1%d9%8a%d9%82%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%87%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%a9%d8%8c-%d9%85/

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟