أعلنت جمعية أطاك المغرب عن اختتام أشغال مؤتمرها الوطني الثامن المُنعقِد ما بين 10 و12 يوليوز بمقر الاتحاد المغربي للشغل بالرباط، وبذلك توفقت في محطة أخرى من مسارها الحافل بالعطاء، حيث حققت الأهداف المرسومة لهذا المؤتمر، بالمصادقة على التقريرين الأدبي والمالي، وإغناء المقررات البرنامجية وانتخاب سكرتارية وطنية جديدة تتشكل من:
- عمر أزيكي كاتبا عاما؛
- صفاء أقراب نائبة الكاتب العام؛
- فاطمة بلمداحي أمينة المال؛
- أسماء المنضور نائبة أمينة المال؛
- يوسف الشركي كنوني ومحمد الزكاري ومحمد المسير مستشارون.
ما يلفت المتتبع لهذه الجمعية المناهضة للعولمة الرأسمالية ومؤسساتها المالية المُسيطرة هو التطور النوعي الذي أفرزه مسار تبنيها لقضايا الكادحين ومصالحهم بالنسبة لهويتها الاجتماعية، مقارنة بالبدايات الأولى لتأسيسها في بداية الألفية الثانية(2001). فثراء مقرراتها البرنامجية الحالية لا تقتصر على المساهمة في رسم آفاق استراتيجية للنضالات الشعبية ببلدنا وحسب، وإنما تتعداه لاقتراح منظورات شاملة لتحرر مجتمعنا من استبداد الرأسمالية التبعية، ومن استغلال نظامها الاقتصادي لجماهير شعبنا ونهبها الجشع لثرواتنا الطبيعية. أفضت هذه المراكمة النوعية للتحاليل ومنظورات التحويل لطرح بدائل شعبية في مجالات اشتغالها الرئيسية، قد تشكل مدخلا نحو إخصاب نوعي للموجات القادمة من الحراكات الاجتماعية. هذه هي الخاصية الأولى التي تُكسب أطاك المغرب تميّزًا نوعيًا، وتجعلها رافدًا أساسيًا للنضال في بلدنا.
أما الخاصية الثانية المميزة لأطاك المغرب، فهي انخراطها قلبا وقالبا في مناهضة البرامج النيوليبرالية ونظام سيطرة القوى الإمبريالية من خلال أدرعها الرئيسية (المؤسسات المالية الدولية، منظمة التجارة العالمية…إلخ) وأشكال عولمة الرأسمال. فناهضت البرامج الاقتصادية التقشفية بمراكمة التحاليل ونظام من الحجج لمواجهة أفكار وذرائع الطروحات النيوليبرالية. من منا لا يتذكر شعارها المرفوع خلال سنواتها الأولى “من أجل مغرب آخر ممكن”، الذي عكس نفسا نضاليا حيويا لا يكتفي بعدم الاستسلام لبرامج التفقير والتقشف النيوليبرالي، بل يجهد لطرح منظور مغرب تكريم الإنسان، لا تقديس السلعة، مغرب العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة. وهنا أيضا لا يمكن عدم ملاحظة الانعطاف نحو مناهضة الرأسمالية النيوليبرالية بمنظور أكثر شمولية، لا يتوقف عند اتهام البرامج النيوليبرالية وحسب، بل يوجه النقد لقوانين الرأسمالية في طورها النيوليبرالي: أولية السلعة والأسواق بدل الحاجيات الاجتماعية؛ مراكمة الأرباح على حساب البشر والطبيعة، الاستغلال الكثيف للمأجورين والمأجورات بتوزيع لاعادل للثروة؛ المنافسة المُحتدة على الأسواق والمواد الأولية المُفضِية إلى الحروب، والمجاعات؛ والتراكم الرأسمالي اللامحدود المُفاقم لاختلال المناخ ولتدمير موارد الطبيعة. ونعتقد أن ما ساهم في هذا التحول هو عنف سياسات الرأسمالية النيوليبرالية والتحام أطاك المغرب بالمقاومات الشعبية. وأكيد أن هذه الأخيرة ساهمت في إخصاب وعي وقناعات مناضلي ومناضلات أطاك المغرب بمنظور أكثر تجذرا.
مسألة إضافية أخرى بالغة الأهمية لصيقة بمسار جمعية أطاك المغرب، هي هويتها الأممية. فقد انخرطت منذ التأسيس في النضالات والشبكات الدولة المناهضة للرأسمالية المُعولمة لإيمانها العميق بأن عولمة الرأسمال لا يمكن مُواجهتها بالاقتصار على النضالات المحلية. إذ تقتضي هجومات الرأسمال على الصعيد الدولي تنظيم مقاومات موحدة على هذا الصعيد نفسه. وفي هذا المنحى يمكن فهم تلك الجهود التي بدلتها هذه الجمعية للمساهمة في تنظيم القمم الاجتماعية الموازية لمؤسسات الرأسمال العالمي، وفي بناء شبكات اجتماعية أكثر اتساعا، مثل المنتدى الاجتماعي العالمي. أما من جهة أخرى، وفي سياق هذا المنظور نفسه فقد سعت هي بذاتها إلى بناء روابط تنظيمية بحركات أو شبكات نضال دولية، مثل الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية التي تعد عضوا بها ومساهمة في سكرتاريتها الدولية المشتركة، وحركة نهج المزارعين.
الميزة الرابعة لجمعية أطاك المغرب هي منظورها المُمَيّز للمساهمة في توحيد النضالات الاجتماعية كشرط لتحقيق انتصارات للمقاومات الشعبية وتعديل ميزان القوى الاجتماعي لصالح الكادحين ببلادنا. لقد دأبت منذ أزيد من عقدين على الدعوة لتشكيل جبهة اجتماعية للمقاومة الشعبية توحد المطالب والشعارات وتكون قادرة على صد الهجومات. وهنا تندرج محاولاتها لنسج روابط بين مختلف النضالات الجارية، وحفز التنسيقات بين منظمات النضال والمساهمة في تشكيل شبكات أوسع وأكثر تنوعا في احترام تام لمبادئ الديمقراطية، ودون وصاية، وبمبادرة ومشاركة واعية من المشاركين والمشاركات في النضالات الجارية. أثمرت جهودها لحفز العمل المشترك العديد من مبادرات توحيد المقاومة، مثل المنتدى الاجتماعي المغربي الأول، الذي تعرض لهجوم مضاد من قبل شبكة الجمعيات التنموية النيوليبرالية ذات الارتباط الوثيق بالسلطات الاستبدادية والتي حرفته عن مساره الكفاحي. وهناك العديد من مبادرات حفز العمل الوحدوي الأخرى، نذكر منها مبادرتها الأخيرة لتنظيم قمة اجتماعية مناهضة للاجتماعات السنوية المشتركة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي التي انعقدت بمراكش في أكتوبر 2023.
أما إنتاج التحاليل النقدية والدراسات الجدية والترجمات المتنوعة للأدب المكافح في مختلف مجالات تدخلها فيعكس أحد أعمدة عملها الرئيسي. إن أهمية هذه الانتاجات لا تقتصر على كونها مرتكزات للنهوض بالتثقيف الشعبي لتطوير فهم المتدخلين بالحركات الاجتماعية ومنظمات نضالهم، بل هو عمل ضروري لهزم فكر وسياسات الطبقات الحاكمة. وقد راكمت الجمعية العديد من الإصدارات تشكل رصيدا مثمرا وواعدا على جبهة النضال الإيديولوجي لنقد المفاهيم والطروحات والبرامج النيوليبرالية، ويقدم مقترحات لمنظورات مجتمعية بديلة قد تشكل لبنة في تشييد مجتمع الحرية والعدالة. ويشكل هذا المحور الذي تسميه الجمعية “التثقيف الشعبي المتجه نحو الفعل” خاصية أخرى تميز هويتها.
لا يمكن لأي متتبع لتجربة تدخل نضال هذه الجمعية ألا يرى حس الجدية والمسؤولية النضالية العالية التي طبعت تعاطيها مع نضالات الشعب المغربي وصدقها في الدفاع عن قضاياه المصيرية. وبذلك فهي واحدة من منظمات النضال ببلادنا التي سيكون لها دورا حاسم للدفع بالنضالات الشعبية ضد الاستبداد والاستغلال والاضطهاد، نظرا لما راكمته من تجربة نضالية وخبرة غنية في الصراع الاجتماعي ببلادنا. إن حصيلة عمل جمعية أطاك المغرب التي أتينا على ذكرها هي أحد مصادر المصداقية التي تحظى بها في الأوساط النضالية ولدى منظمات النضال، وهذا ما دلت عليه أطوار الجلسة الافتتاحية لمؤتمرها الوطني الثامن. فقد حضرها أو تناوب على أخد الكلمة كل الأحزاب السياسية اليسارية، وجمعيات حقوقية ومنظمات نضال نقابي عمالي كلجنة عاملات سيكوم سيكوميك المطرودات والجامعة الوطنية للتعليم(فنو)، وشبكات تضامن مع الشعوب، وممثلي حراكات شعبية قائمة أو التي كانت نشطة مؤخرا، مثل حراك فكيك للدفاع عن الماء، وحراك جيل زد، ومنظمات شبابية مثل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، إضافة إلى ممثلي شبكة اللجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية بكل من أوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
نتطرق الآن إلى بعض الصعوبات الرئيسية التي واجهت جمعية أطاك المغرب وأثرت على عطائها وتوسعها التنظيمي، وبالتالي انغراسها في حركات النضال الشعبي. لم تفضي دينامية المقاومات والحراكات الشعبية إلى بروز أشكال تنظيمها في تنسيقيات أو شبكات أو منظمات نضال دائمة تفتح إمكانية تطويرها نحو افق سياسي أشمل. أما المنظمات النقابية القائمة “التقليدية” فشهدت على الصعيدين التنظيمي والسياسي تقهقرا غير مسبوق. تقهقر لم تسلم منه منظمات الشباب(جمعية المعطلين والاتحاد الوطني لطلبة المغرب). وما يزيد الطينة بلة أن جل المنظمات النقابية وبعض الأحزاب اليسارية تستبطن تبني البرامج النيوليبرالية، أو على الأقل لا تعبر عن معارضة صريحة لمحاورها الرئيسية. زد على ذلك أن عدم قدرة اليسار الجذري على تجاوز أزمته وتطوير أفقه السياسي ومراجعة أشكال تعاطيه الفوقية مع حركات النضال الشعبي ومنظمات النضال قد عرقل العديد من مبادرات توحيد النضالات وحال دون تطورها نحو أفق سياسي أرحب. على الصعيد الموضوعي أدى تفاقم اختلال موازين القوى لصالح الطبقات السائدة إلى تصاعد هجوماتها بتسريع الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، وخنق الحريات، ومنها حرية الإضراب، وتفكيك أدوات دعم القدرة الشرائية، وضرب مكاسب التقاعد، والوظيفة العمومية، وتسريع الخوصصة…وما إلى ذلك. وقد ترافق تسريع هجوم الرأسمال هذا بعدم تحقيق النضالات الاجتماعية لانتصارات فعلية ولو جزئية. ولهذه الهزائم وقع على الاستعداد النضالي لدى منظمات النضال والحركات الاجتماعية ينبغي ألا نغفل تأثيراتها الموازية على منظمات مثل جمعية أطاك المغرب. ساهمت كل هذه العوامل المميزة للسياق السياسي العام في كبح حصيلتها التنظيمية وتقليص إمكانيات انغراسها، وهي بذلك كما هو حال أي منظمة نضال أخرى، تتأثر بمستوى النضالات، كما تأثر فيها وتتغذى منها، مثلما تعيش السمكة في الماء.
نتطرق أخيرا للحصار العملي الممارس على أنشطة أطاك المغرب من طرف السلطات، من خلال عدم تجديد وصل ايداعها القانوني، سواء على المستوى الوطني أو بالنسبة لمجموعاتها بمدن اشتغالها، والذي يؤدي إلى حرمانها من الفضاءات العمومية والقاعات لتنظيم أنشطتها، ويخلق صعوبات لتنفيذ برامجها. أمام هذا الشكل من القمع، أتت المؤازرة الفعلية لأطاك المغرب من المنظمات النقابية والسياسية والحقوقية ذات الطيف اليساري، حيث احتضنت مقراتها أنشطة أطاك المغرب. إنه دعم فعلي للجمعية في مواجهة الحصار ينبغي التنويه به والثناء عليه، فلولاه لما تمكنت الجمعية من إنجاح العديد من الأنشطة، ونخص بالذكر الاتحاد المغربي للشغل؛ الكونفدرالية الديمقراطية للشغل؛ فيدرالية النقابات الديمقراطية؛ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان؛ الجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراطي؛ الحزب الاشتراكي الموحد، فيدرالية اليسار الديمقراطي.
المراسل