الموقع تجريبي

الفساد النقابي ورم خبيث ينتشر في المنظمات العمالية

 النقابات هي المنظمات القاعدية للطبقة العاملة، وهي أداة لازمة للطبقة العاملة في النضال اليومي ضد الاستغلال الرأسمالي.

أسهبت التحليلات في تشخيص الحركة النقابية المغربية، جدورها وواقعها والتحديات العويصة التي تعترض بناء حركة نقابية ديمقراطية كفاحية، كأداة عمالية للدفاع بحزم عن مصلحة الشغيلة وسبل جعلها قوة منظمة يحسب لها ألف حساب بانغراسها في الطبقة العاملة، ولما تحوزه من صدقية تترجم في انخراط واعي في العمل النقابي، تنظيما، وتثقيفا، ونضالا. لكن هناك مستنقع آسن ومرض عضال ينتشر في جسم المنظمات النقابية بالتوازي مع اندماجها المتسارع في الدولة تطبيقا لعقيدة “الشراكة الاجتماعية” المُضللة. هذا المرض الفتاك، المتمثل في استشراء الفساد النقابي لم ينل ما يستحق من تشخيص وتشهير نضالي من طرف النقابيين-ات الصادقين وأنصار تحرر الطبقة العاملة.

يستبطن النقابيون-ات الصادقون حذرا شديدا من فضح الفساد النقابي بمبرر عدم صب الزيت في طاحونة أعداء التنظيم النقابي، وتفادى تنفير الشغيلة من الانخراط في منظماتهم النقابية.

لكن الحقيقة المرة أن الصمت عن الفساد داخل النقابات يعزز الدعاية المسمومة لتشويه النقابة والنقابيين واستغلال حالات الفساد كدليل ليلطخوا التنظيمات النقابية. وستعتبر الشغيلة الصمت المطبق أمام الفساد في النقابات تواطؤا مقصودا وامتدادا لما تفيض به مؤسسات الدولة البيروقراطية من فساد فاضح، وسيبث في صفوف العمال-ات الريبة ويقوض ثقتها، وما يترتب عنه من انهيار لمصداقية المنظمة النقابة في أعين العمال-ات.

لا بد من التشهير بالفساد النقابي، ولا مفر من مواجهة الفاسدين-ات النقابيين على جميع أصعدة المنظمات النقابية من القاعدة والتشديد أكثر على ما يُعشعِش في القمم القيادية. فبناء النقابة الديمقراطية والجماهيرية مستحيل طالما بقيت المنظمات النقابية أسيرة فساد يتمدد ليصير منظما وله آليات موازية. لا يُقصَد بالفساد النقابي حالات معزولة، بل منحى خطير يقترب من التحول الى قاتل للحركة النقابية من الداخل. إن الأمر ليس تهويلا، بل اقرار بحقائق يعرفها كل نقابي -ات له قدر من الوعي ويتحلى بالصدق.

في أصول الفساد النقابي وبعض مظاهره

 تقوم المنظمات النقابية بتنظيم الشغيلة وقيادتها في النضال ضد المشغلين وتمثلهم في التفاوض مع الرأسماليين والدولة. ولتقوم النقابة بتلك الأدوار تحتاج الى متفرغين-ات هم-ن عصب الجهاز النقابي وقيادته المركزية والجهوية. مع مرور الوقت يبدأ الجهاز النقابي بالتحول التدريجي بتأثير من تظافر ديناميتين متعارضتين، الأولي تواصله الدائم مع إدارات المُقاولات ومؤسسات الدولة تفعل فعلها وتبتلعه شيئا فشيئا ويستبطن منطقها ويتكيف مع روتينها ويميل أكثر للتدبير الدواويني وتجزئي قضايا الشغيلة الى ملفات فردية يعتقد بحلها بسلك مسار التفاوض في اطار المساطر الادارية. أما الدينامية الثانية فتتمثل في تخفيف ارتباطه بجوهر النضال النقابي كتضامن جماعي يضع في أولويته الدفاع عن المصالح العمالية والضغط بالتحرك النشط لفرض المطالب وإن تعارضت مع صريح القانون الظالم. وكلما ضعفت الحياة الداخلية للنقابة وأقبرت الديمقراطية وانعدمت الرقابة من طرف القاعدة النقابية، إلا وانفلت الجهاز النقابي من عقاله وانطلق في سباق لنيل المغانم والارتماء في مستنقع الفساد دون حسيب.

إن خط ” النقابة المسؤولة” و”نقابة الحوار للحفاظ على السلم الاجتماعي” تقتل جوهر النقابة الديمقراطي، وتقوى سلطات الجهاز المتضخم، وتخلق شبكة من المنتفعين بمثابة لوبيات تنتفع من مكانتها النقابية مقابل الدور السياسي الخطير الذي تضطلع به داخل المنظمات النقابية، وهو احباط كل محاولة اعادة بناء حركة نقابية وفية لمهمة الدفاع عن المصالح العمالية ومستقلة عن الدولة والرأسماليين.

إن فهم الحروب الشرسة التي تندلع بين زمر الجهاز البيروقراطي، والتمسك الجنوني بالمواقع النقابية حتى في أرذل العمر، يفسر حجم الارتزاق الذي يستفيد منه الكثير من أعضاء الجهاز النقابي، ما عدا ذوى القناعات الصلبة من الصادقين-ات في مبادئهم-ن، ممن يضحى بالكثير تجسيدا لقناعته الصلبة.

خطط الشركات لتدمير العمل النقابي: الافساد طعم مسموم

تعمل الشركات والمؤسسات الرأسمالية بمنطق الصياد المحترف، حيث ترمي بكل ثقلها وخبرتها لاصطياد النقابي-ة بخطط تدار بدهاء ومكر، حيث يُعد “الطعم” السلاح الأول لكسر شوكة التنظيم العمالي.

لا تلجأ الشركات إلى الرشوة الصريحة دائماً، بل تمتلك خبرة تراكمية طويلة في اختيار نوع الإغراء بناءً على “تشخيص دقيق” للنقابي المستهدف. تدرس إدارات الموارد البشرية الوضعية النفسية والأخلاقية والمادية للنقابي-ات، تتربص باللحظة المناسبة وتنتقي الثغرة التي ينفذ منها الإغراء. وقد لا يكون الإغراء مالاً صريحاً أو مساومة واضحة، بل يتغلف أحياناً بغطاء “إنساني” براق؛ مساعدة في حل أزمة عائلية، أو تدخل لقضاء مصلحة لقريب، لتتحول هذه الخدمة مع مرور الوقت إلى “دين معنوي” ثقيل.

بيد أن الشركات لا تمنح هذه الامتيازات حباً في النقابي، بل دفاعاً عن أرباحها، حيث يعي الرأسماليون مصلحتهم الطبقية بوضوح وبقوة ويدركون خطورة تنظيم العمال-ات ويحاربونه بكل ما أوتوا من قوة ومكر ويصرفون الاموال للمختصين والمستشارين ليدلوهم على أفضل الطرق لمنع التنظيم النقابي المستقل داخل مقاولاتهم.

وهنا يكمن الخطر الأعظم؛ فالنقابي الذي يبتلع الطعم، يبدأ في رد “الجميل” بالعملة التي يكرهها، فيتحول من مدافع عن حقوق العمال إلى مدافع غير معلن عن مصالح الشركة. قد تمنحه الشركة تسهيلات مغرية: تنقيله لمنطقة أقرب لعائلته، ترقية استثنائية، توظيف أحد أقربائه، أو التغاضي عن غياباته، ليجد نفسه تدريجياً مجنداً لخدمة المشغل وتكبيل نقابته.

بمجرد أن يقع الممثل النقابي في المصيدة، تتحرك الشركة لاستخدام “السم” الكامن في الخديعة. هنا تنطلق ماكينة الوشاية وتضخيم الشائعات، حيث تعمل الإدارة على تدمير صورة النقابي أمام زملائه، وتنشر بين العمال أنه “مرتزق” يقضي مصالحه الشخصية، وتقدمه نموذجاً لفساد التنظيم النقابي بأكمله.

وهكذا، تتحقق المعادلة القاسية: بمجرد قتل النقابة معنوياً وتشتيت صفوف العمال بسبب فقدان الثقة، تكون الشركة قد حققت نصراً استراتيجياً بأقل الخسائر، ووفرة على نفسها تلبية المطالب المادية والمعنوية للعمال، لكن الأهم بالنسبة لها كسر شوكة التنظيم العمالي ولجم قوة اعتراض جماعية.

تتجلى هنا فداحة الخلل الهيكلي؛ فبينما تعزز تجربة مسيري الشركات ومديري الموارد البشرية بالأبحاث والدراسات الحديثة في علم النفس والإدارة لاحتواء النقابيين، يظل هؤلاء النقابيون بلا خبرة ولا سلاح، وتتخلف منظماتهم عن تأمين التدريب الكافي لهم على آليات الحماية الذاتية وتأمين استقلاليتهم.

الأبعاد المركبة للفساد النقابي في المغرب: من الارتزاق المركزي إلى الابتزاز المحلي

تعيش الحركة النقابية في المغرب أزمة بنيوية عميقة، لم تعد مجرد شائعات تُروى في الأروقة، بل باتت واقعاً ملموساً يأكل جسد العمل النقابي ويفرغه من مضمونه النضالي والطبقي. إن صورة الفساد التي سممت هذه الحركة لم تعد تقتصر على هفوات عابرة، بل تحولت إلى منظومة متكاملة تبدأ من قمم القرار المركزي وتمتد لتشمل الفروع والمكاتب المحلية، متخذة أشكالاً متعددة تتراوح بين الارتزاق المالي والسياسي، وصولاً إلى الانحلال الأخلاقي.

فعلى المستوى المركزي، تتحول صفة “التمثيل النقابي” في كثير من الأحيان إلى عملة يُتاجر بها لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، حيث تقيم القيادات علاقات انتفاعية وثيقة مع مؤسسات الدولة، تحولت بموجبها المنظمة النقابية من فضاء للدفاع عن حقوق العمال إلى ضلع في معادلات التوازن السياسي. ويتمثل الوجه الأبرز لهذا التواطؤ في تلقي الممثلين النقابيين تعويضات ومنافع مادية ومعنوية لا تخضع لأي رقابة مؤسساتية أو قانونية، وذلك في إطار صفقات ضمنية تقتضي “ترويض” النقابة وضبط تحركاتها. ويكشف الغياب شبه التام لثقافة الشفافية عن جانب مظلم آخر، حيث يبقى الافتحاص المالي المركزي للنقابات الوطنية خارج أي تدقيق حقيقي، مما يتيح للقيادات التصرف في الأموال دون محاسبة، ويجعل من المال النقابي مالاً “حلالاً” لمن يملك مفاتيح الصناديق.

أما على المستوى المحلي، فيعكس الواقع صورة طبق الأصل عما يجري في القمة؛ فالمسؤول النقابي المحلي، الذي يُفترض أنه صوت العمال والعاملات، غالباً ما يقضي مصالحه الشخصية ومصالح مقربيه، ويتحول المكتب النقابي تدريجياً إلى “وكالة” للخدمات والوساطة. وتتفاهم المقاولات دوماً مع “المسؤول النقابي” لإجهاض أي دينامية نابعة من العمال تحت شدة الاستغلال، فيتلقى الممثلون رشاوى وأغلفة مالية، مقابل “تكبيل” النقابة وتقييد حركتها في الدفاع عن العمال المظلومين، أو لعب دور “الجزار” عبر التنكيل بالمناضلين المستقلين أو طردهم أو عزلهم بقطع أواصر التضامن عنهم.

وترتكز هذه الممارسات الفاسدة على خيانة صريحة لأهداف ومبادئ النضال النقابي. فداخل المنظمات، أصبحت سرقة أموال النقابة وصناديق التضامن ومداخيل بطائق الانخراط السنوي أمراً شائعاً. والأخطر من ذلك أن الفساد يصل في بعض الحالات إلى مستوى الابتزاز الجنسي للمنخرطات، حيث تتحول الحاجة إلى العمل والحماية النقابية إلى أداة للابتزاز، مما يضيف بعداً إجرامياً بشعاً تتراجع معه القيم النضالية، ليكون هؤلاء بذلك ركناً أساسياً في منظومة القمع التي تمارسها الإدارة ضد حقوق العمال.

إن هذا الواقع التراجيدي يؤكد أن الحركة النقابية بالمغرب أمام تحدي وجودي؛ فإما التحول نحو الديمقراطية الداخلية والشفافية المالية لاستعادة ثقة العمال، أو الاستمرار في الترهل والفساد الذي لا يخدم سوى مصالح المستفيدين على حساب الكرامة العمالية.

الفساد النقابي يقتل البناء النقابي

تضم المنظمات النقابية آلاف الأعضاء والممثلين النقابيين الذين يقدمون تضحيات جسيمة ويومية؛ يضحون براحتهم وبجزء من دخلهم، ويتعرضون للتهديد والابتزاز وحملات التشويه والنيل من مصداقيتهم. ومع ذلك، فهم صامدون في قلب منظماتهم، ويدافعون بشراسة لجعلها سلاحاً بيد العمال، ويسهرون على نفض الغبار يومياً عن الشبكة العنكبوتية البيروقراطية التي تخنق المنظمات النقابية، ويتعرضون في سبيل ذلك للحصار والقمع والإقصاء.

إن هؤلاء النقابيين الصادقين منتشرون في مفاصل المنظمات النقابية ومن انتماءات سياسية مختلفة، لكنهم مشتتون لافتقادهم إلى منظور مشترك لبناء نقابة ديمقراطية مستقلة، مما يفسح المجال للفساد البيروقراطي كي يتمدد ويتغول.

ورغم ثقل الجهاز البيروقراطي الخانق في معظم المنظمات النقابية، فمن الخطأ اتخاذ ذلك مبرراً لمغادرة النقابات بذريعة أنها تنسف العمل النقابي حتى البسيط. فعلى العكس من ذلك، يملي الواجب ضرورة التشبث بالعمل في المنظمة النقابية مهما كانت الصعوبات، وبذل كل الجهود لتدعيمها، وإعطاء المثال للشغيلة عملياً في النضال النقابي الديمقراطي.

إن الهدف هو تطهير المنظمة النقابية من الفساد البيروقراطي بتكريس الديمقراطية العمالية الواسعة التي تُعد الترياق ضد سموم الفساد النقابي. غير أن طالما هيمن منظور نقابة “التعاون الطبقي”، فإنه سيقضي بعد حين على الديمقراطية الداخلية؛ لأنها ستتعارض مع مصلحة الجهاز المشدودة لعلاقاته مع الدولة، مما يؤدي إلى إضعاف استقلال النقابة وحصرها في خدمة هذا المنظور.

إن النقابة الديمقراطية تفرض الكفاحية لا التعاون، والاستقلالية لا الشراكة. وهي التي تعيد المصداقية للنضال النقابي وتفتح الباب أمام تعزيزها بقوى عمالية هائلة تظل حتى الساعة بعيدة عن التنظيمات النقابية وعرضة لاستغلال بشع، مما يخل بميزان القوى لصالح العدو الطبقي للعمال.

بقلم: حسن أبناي

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟