لم تعد سياسة الشراكة الاجتماعية مجرد رؤية سياسية لقيادة الحركة النقابية، بل تم ترجمتها عمليا في وثيقة قدمت على أنها إنجاز لهاته الرؤية. لم تنفذ الحكومة حتى مقتضيات ذلك الميثاق، سواء من حيث التقيد بدوريته (دورات شتنبر) أو بجدول اعماله أو بمستوياته المركزية والقطاعية والترابية وعلى مستوى المقاولة، وأضحى أقصى أماني النضال النقابي هو وضع مقتضيات الميثاق موضع التنفيذ.
ميثاق لتكبيل نضالات الشغيلة
نجح أرباب العمل ودولتهم منذ زمن بعيد في جر الحركة النقابية المغربية، التي تنظم جزء من الطبقة العاملة، إلى أوهام الحوار الاجتماعي المُمَأسس، وتم تتويج ذلك بتوقيع ما سمي “الميثاق الوطني للحوار الاجتماعي، في أبريل 2022، الذي أوكل للنقابات المهام التالية:
– الالتزام بتنفيذ الاتفاقات؛
– حث المكاتب النقابية على نهج أسلوب الحوار والشراكة مع المُشَغلين والتشجيع على ابرام اتفاقيات الشغل الجماعية؛
– تحسيس منخرطيها بأهمية الحفاظ على تنافسية المقاولة؛
– الانخراط الإيجابي في أشغال اللجن المكلفة بحل نزاعات الشغل؛
– حث المنخرطين على بذل الجهد من أجل الحفاظ على مناخ سليم وإيجابي داخل المقاولة ضمانا لنجاح الاتفاقيات المبرمة وللتشجيع على إبرام أخرى.
ما يهم البورجوازية هو وضع هاته الآلية باعتبارها تقنية يتم استعمالها وفق الحاجة لتجسيد التعاون مع القيادة النقابية على تدبير العلاقة بين رأس المال والعمل، بالشكل الذي يوافق استراتيجيتها في استتباب “السلم الاجتماعي”، أي استقرار سيطرتها الاقتصادية والسياسية، وضبط التنازلات الطفيفة وفق مصلحتها الأساسية المتمثلة في الاستئثار بالقسم الأعظم من فائض القيمة المنتجة، مع ما يفترضه ذلك من دعم سيطرة البيروقراطية على منظمات نضال الأجراء، وتثبيت وضعها كوسيط خاضع لسيطرتها باعتبارها الطرف الأقوى، في غياب أدوات سياسية للطبقة العاملة، وندرة مبادراتها النضالية المستقلة، التي أعطى حراك شغيلة التعليم مثالا عنها. وترجمة ذلك الوضع إلى سطوة بيروقراطية تمنع نشوء وتطور النضالات العمالية وتوحيدها. بالإضافة لكل ذلك، صممت هاته الآلية لشد انتباه جزء من الطبقة إلى أوهام الحوار وصرفها عن النضال، وكذلك للتدخل لحظة انفجار الغضب العمالي لتصريفه في قنوات التعاون الطبقي وحَرفِه عن سبيل النضال الطبقي الحازم.
لكن السؤال الأساسي الذي يطرحه العمال والعاملات، كل يوم، هو ما الطريق إلى تحصيل مكاسب والحفاظ عليها ورد التراجعات؟ ويتوصلون دوما عبر تجربتهم الخاصة إلى الآليات الأساسية الكفيلة بذلك: التنظيم والتوحيد والإضراب والتسيير الذاتي للمعارك والاستقلال عن أرباب العمل ودولتهم، أي صُنع ميزان قوى على مستوى المقاولة والقطاع والمدينة والبلد برمته. لقد استمرت هاته الرؤية في إثبات نجاعتها مرة بعد المرة. ألم تكن المكاسب المادية لشغيلة الوظيفة العمومية، في تاريخ قريب، ثمرة، ولو غير مكتملة النضوج، لإضراب شغيلة التعليم في نهاية 2023، الموحد إلى هذا الحد أو ذاك والمسير ذاتيا بمعنى ما، وأبدع أدوات تنظيمية فيما بقي مستقلا عن الدولة وأجهزتها. بينما سعت وظيفة “الحوار الاجتماعي” لإطفاء جَمرَة المعركة ومنع تمددها والحيلولة دون تحولها إلى إضراب عام شامل.
كان تمرير قانون الإضراب؛ باعتباره تجسيدا لرؤية أضحت مشتركة تعتبر الإضراب تهديدا “للمناخ السليم والإيجابي”؛ أحد الثمار المرة لسياسة التعاون الطبقي. ولم تكن الخطوات المعلنة ضده؛ من طرف القيادات النقابية؛ بتنفيذ ما اعتبرته إضرابا عاما، سوى محاولة لتبرئة الذمة لا تصمد أمام ما تم التوقيع عليه في ميثاق الحوار الاجتماعي.
جولات حوار تنتهي بقضم مكاسب استراتيجية مقابل فتات
انعقدت آخر جولات “الحوار الاجتماعي” ابتداء من يوم الجمعة 17 أبريل 2026، لكن منتوجها كان معروفا سلفا، فقانون المالية الموجه للسياسة المالية للدولة لم يقر أي إجراءات لصالح الطبقة العاملة، فيما هاته الأخيرة، مع مفاعيل قانون الإضراب والقمع المتصاعد، بالإضافة لحالة التنظيمات النقابية الباعثة على الأسى، لم تخض أية نضالات كبرى طيلة السنة.
لكن هل كانت الاتفاقات السابقة تمثل مكاسب حقيقية؟ يبدو للوهلة الأولى أن هناك مكاسب يتم تحصيلها في نهاية بعض جولات الحوار، مثل زيادات في الأجور، أو مكاسب قانونية من قبيل منع اشتغال الأطفال. لكن سرعان ما يتم نزع مفاعيل هاته المكاسب المادية، عبر الزيادات المتتالية في الأسعار، والزحف المخيف لخوصصة الخدمات الاجتماعية في الصحة والتعليم. فضلاعن كونها لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من مكاسب كان يمكن انتزاعها من رأس المال خلال ذات الفترة. فيما لا تعدو المكاسب القانونية إلا محاولة لموائمة القوانين المحلية مع السياق الحقوقي العالمي، دون تفعيل جدي في الواقع.
جوهر النضال النقابي يتمثل في أربعة مطالب عامة أساسية: رفع الحصة العائدة للطبقة العاملة من مجموع الثروة المنتجة؛ وتحسين شروط عملها، خاصة فيما يخص ساعات العمل وظروفه؛ وإقرار الحماية الاجتماعية وتحسين مستواها؛ وصون الحرية النقابية وحق الإضراب. هاته المطالب العامة الأربعة يتم النضال حولها عبر ملفات مطلبية مفصلة تتمحور حول السلم المتحرك للأسعار والأجور؛ وخفض جذري لساعات العمل؛ وإقرار الحق في التقاعد وتحمل رأس المال لتكاليفه؛ وتوفير الخدمات الاجتماعية المجانية والجيدة؛ إضافة للاحترام التام للحريات النقابية، وعدم التدخل في حق الشغيلة غير القابل للتصرف فيما يتعلق بالإضراب عن العمل. استنادا إلى هذه المقاييس يتم تقييم جدوى “المكاسب” وتقديم الحصيلة. والحال أنه منذ تشغيل أسطوانة الحوار الاجتماعي تزحف الباطرونا ودولتها على مكتسبات الطبقة العاملة، بدءا بأجور توازي تكاليف الحياة، وساعات عمل تترك لهم مجالا للاستمتاع بالعيش، بينما يجري نسف مكاسب التقاعد وتحميل الشغيلة عِبئ كُلفته بشكل متزايد، فيما يتم تسليع التعليم والصحة ويتم إحكام الطوق على حريات الشغيلة النقابية ونزع سلاح الإضراب من أيديها…إلخ. هذا جرد حصيلة جلية تحكم على ما يسمى بالحوار الاجتماعي بأنه غطاء لمسلسل قضم المكاسب.
حوار أم تفاوض؟
ينطلق دعاة “الحوار الاجتماعي” في منظمات نضال الأجراء من تصور عام قوامه أن التناقض بين رأس المال والعمل، يمكن الالتفاف عليه عبر التفاهم الدوري، رافعين في وجه الدولة وأرباب العمل فزاعة تهديد الاستقرار الاجتماعي وخروج الأمور عن سيطرة دعاة الحوار الوديعين. ليس هذا الموقف جديدا تماما، لكن اختلافه عن سابقيه يكمن في أن دعاة التعاون الطبقي سابقا، كانوا يرفعون شعارات “اشتراكية” تدعي إمكانية الوصول إلى مجتمع خال من الاستغلال عن طريق مراكمة مكاسب الطبقة العاملة، فيما دعاة الحوار الحاليون، تخلوا عن أية مزاعم اشتراكية، وأقصى أمانيهم تلطيف الاستغلال، لكن مع دعم كلي للمقاولة وتنافسيتها ولأبدية النظام الرأسمالي. تفعل هاته الرؤية الأخيرة فعلها في وعي الطبقة العاملة، بسبب غياب أو ضعف التيارات الاشتراكية، وبسبب أزمة مصداقية الأخيرة بعد انهيار تجارب بناء الاشتراكية. سيصيح أحدهم في مكان ما، وهو في الغالب أحد مشعوذي الطبقات السائدة، أن لا علاقة لعامل يكافح من اجل الزيادة في الأجر وفي ضمان الحماية الاجتماعية وفي تقليص ساعات عمله وفي ضمانه ضد البطالة والعجز، بكل هذا النقاش. ما يهمه هو تحقيق هاته المطالب ولو بالدعاء في المساجد أو في التوسل للباطرونا حتى، وإن تحققت بالحوار والصبر على مقايضاته فلا ضير…. ، باختصار يدعون أن هذا العامل لا يضع نصب عينيه المطالب ذات الأفق الاستراتيجي الشامل، إنما هدفه تحقيق مطالبه المباشرة والفورية لاغير. لكن ذلك العامل الذي يتحدث بلسانه المشعوذون من كل نوع، قد أدرك أن الزيادة في أجره لم تتم إلا في ظل سياقات نضالية كبرى أهمها في الخمس عشرة سنة الأخيرة: 20 فبراير(اتفاق 26 أبريل 2011 )، أو حراك الريف وحملة المقاطعة (اتفاق 25 أبريل 2019)، وحراك التعليم (اتفاق 29 أبريل 2024). ونفس ذلك العامل أضحى يدرك أن الزيادة في أجره سرعان ما تتآكل بفعل الزيادات المتتالية في الأسعار، وأن دوامة “الحوارات” لا تعدو أن تكون وسيلة لتنفيس غضب الشغيلة… صحيح انه يفرح بكل مكسب يحصله، بكل رفع في أجره … لكنه لا يمكن ان يستسيغ أن يتم ذلك مقابل تفريط في مكتسبات تاريخية نظير حقه في الإضراب وفي تقاعد لائق وفي حماية اجتماعية تكفيه شر العوز والعجز. لا شك انه لم يسمع يوما في نقابته أو في الصحافة الرائجة أن تلك المكاسب ذاتها ما كانت لتتحقق لولا أن ثلة من العمال في أماكن أخرى من العالم، كانوا يخيفون النظام الرأسمالي برمته ويتحدونه بالعزم على تحطيمه وبناء نظام اخر… لهذا يتطلع لمن ينير له الطريق. وهذه مهمة مناضلي طبقته الطامحين لبناء منظور شامل لكيفية حل التناقض بين الرأسمال والعمل، وضمنه كيف نبني خطا نقابيا آخر، لا يعول على دورية الحوار، بل على استمرارية النضال وبناء أدواته ديموقراطيا وكفاحيا. ذلك النضال الذي يعدل في كل مرة ميزان القوى، ويتم عكسه في التفاوض مع مالكي السلطة والثروة، بتحصيل مكاسب تقوي ثقته في النضال وترسخ في وعيه أهمية الأداة التي يناضل في إطارها: النقابة، وضرورة توسيعها وتوحيدها والتصدي لأمراضها. وهذا المنهج هو ما سيفتح عينه على إمكانية التحرر الشامل من الاستغلال، في مجتمع جديد، وطريق ذلك بناء أداة سياسية تعمل لتشييده.
بقلم: ريفي عبد الكريم