الموقع تجريبي

ألمانيا… انتخابات تعيد خطر النازية الرهيب

لم تكن نتائج الانتخابات في ألمانيا مجرد تحول عابر في الخريطة الانتخابية. فصعود حزب »البديل من أجل ألمانيا« (AfD) اليميني المتطرف، وتحقيقه اختراقًا انتخابيًا بارزًا في ساكسونيا، إحدى مناطق ألمانيا الشرقية سابقًا، يعيد إلى الأذهان مسار صعود أدولف هتلر وحزبه النازي، وما تمخض عنه من نتائج وخيمة على صعيد ألمانيا والقارة الأوروبية والعالم برمته.

إن خطورة الحدث لا تكمن فقط في القوة الانتخابية التي بات يتمتع بها اليمين المتطرف، بل في أن هذا الصعود يحدث في البلد نفسه الذي شهد، قبل أكثر من تسعين عامًا، صعود النازية إلى السلطة، بعد سحق الحركة العمالية ومنظماتها، وتحطيم حرياتها السياسية والنقابية، وإقامة ديكتاتورية دموية ألغت كل أشكال التنظيم المستقل للجماهير.

لقد كانت النازية، في جوهرها، أكثر من مجرد حركة سياسية رجعية[1]. فقد مثّلت التعبير الأكثر وحشية عن أزمة الرأسمالية الألمانية في مرحلة تاريخية محددة، وحوّلت الدولة إلى أداة للقمع الداخلي والتوسع الإمبريالي الخارجي. وباسم »المجال الحيوي«، سعت الرأسمالية الألمانية إلى توسيع مجال هيمنتها، والاستيلاء على الأسواق ومصادر المواد الأولية، ومواجهة منافسيها الإمبرياليين.

وكانت النتيجة الحرب العالمية الثانية: كارثة حضارية مروعة أُزهقت فيها عشرات الملايين من الأرواح، وارتُكبت جرائم إبادة جماعية، وحُوّلت شعوب بأكملها إلى وقود لصراع إمبريالي دموي بين القوى الرأسمالية الكبرى.

التاريخ لا يتكرر بالطريقة نفسها

لكن استحضار هذا الماضى لا يعني القول إن ألمانيا اليوم تعيش نسخة مطابقة لألمانيا الثلاثينيات. فالتاريخ لا يتكرر ميكانيكيًا. غير أن الشروط الموضوعية التي تنتج صعود أقصى اليمين تظل حاضرة، وهي الشروط التي تدفع بعض أقسام الرأسمال والإمبريالية إلى الرهان على الخيارات الرجعية والمتطرفة كمخرج من اشتداد المنافسة ومن أزمة اقتصادية عجزت عن تجاوزها بالوسائل «غير الحربية. «

صحيح أن الرأسمالية لا تواجه اليوم طبقة عاملة بالقوة والتنظيم اللذين عرفتهما مراحل تاريخية سابقة، لكنها تدرك، في الوقت نفسه، أن تدمير مكاسب الطبقة العاملة التاريخية اليوم لن يمر دون مقاومة، وأن اللانقضاض الشامل عليها يمكن أن توقظ من جديد قوى اجتماعية وسياسية لا يمكن التحكم في مساراتها بسهولة.

إن سياسة المفوضية الأوروبية القائمة، من جهة، على رفع الإنفاق العسكري والتسابق نحو إعادة التسلح، ومن جهة أخرى، على ضبط عجز الميزانيات وفرض سياسات التقشف الاجتماعي، تعمّق تناقضات النظام. فبينما تعجز الرأسمالية عن توفير الأمن الاجتماعي، تتفاقم البطالة والهشاشة، وتتراجع مستويات المعيشة، وتتعمق الفوارق الطبقية، ويضعف أمل قطاعات واسعة من الشبيبة في المستقبل.

وفي ظل هذه الأزمة، ينفتح المجال أمام قوى يمينية رجعية لاستثمار الغضب الشعبي وتوجيهه ضد المهاجرين والأقليات، بدل توجيهه ضد النظام الاجتماعي الذي ينتج البؤس والاستغلال.وهنا تكمن وظيفة اليمين المتطرف: تحويل غضب المستغَلين من الرأسمال إلى صراع بين ضحايا الرأسمالية أنفسهم.

إنه يقدم للعامل والعاطل والمهمَّش عدوًا زائفًا، بينما يترك الرأسمال ومراكزه الاقتصادية خارج مرمى النيران. وبدل أن يطرح الأسئلة الحقيقية: من ينتج الثروة ويموّل الاقتصاد؟ من يستفيد من المالية العمومية ومن الأرباح؟ ومن يقرر خيارات المجتمع: الغالبية أم أقلية أصحاب الشركات الرأسمالية الكبرى؟، يدفع الجماهير المتضررة إلى تبنّي أجوبة ساذجة، توفر تنفيسًا وهميًا عن الألم، لكنها لا تغيّر واقعها في شيء، بل تحولها إلى وقود لتأجيج العنصرية والقومية والإقصاء، وتقسيم وحدة المضطهدين والمضطهدات، وشل قدرتهم على مواجهة مستغليهم بصورة جماعية.

ضد الفاشية الجديدة وكل التنويعات الرجعية الصاعدة

لكن مواجهة اليمين المتطرف لا يمكن أن تعني الدفاع بإسم الديمقراطية التمثيلية المأزومة عن النظام الرأسمالي نفسه الذي يغذي أزماته ويهيئ الأرضية لصعوده. فالاختيار الحقيقي ليس بين الرأسمالية “الليبرالية” واليمين المتطرف. المطلوب هو بناء قوة اجتماعية وسياسية مستقلة للطبقة العاملة والجماهير الكادحة، قادرة على مواجهة اليمين المتطرف في الشارع وأماكن العمل والأحياء والمؤسسات، وعلى انتزاع المطالب الاجتماعية التي يحاول الرجعيون استغلالها.

إن الدفاع عن الديمقراطية لا يكون بالدفاع عن امتيازات الأقلية المالكة، بل بتوسيع الديمقراطية إلى الاقتصاد والمجتمع، وتمكين المنتجين من تقرير مصيرهم، وبناء ديمقراطية عمالية حقيقية تقطع مع سلطة رأس المال.

إن صعود «البديل من أجل ألمانيا» إنذار ينبغي أخذه بجدية، لكنه ليس قدرًا محتومًا. فالخطر الحقيقي يبدأ عندما تُترك الحركة العمالية والغضب الاجتماعي والسياسي للرجعيين كي يستثمروه ويوظفوه في خدمة مشاريعهم.أما الرد الحقيقي، فيمر عبر إعادة بناء جبهة عمالية وشعبية موحدة ومستقلة، تربط النضال ضد العنصرية والفاشية بالنضال ضد الرأسمالية والاستغلال والحرب، وتقدم في مواجهة مشاريع اليمين الرجعية أفقًا اجتماعيًا وسياسيًا بديلًا.

إن ضعف الطبقة العاملة، بوصفها قوة اجتماعية وبوصفها صاحبة مشروع شامل بديل للرأسمالية، ترك المجال مفتوحًا أمام خيارات رجعية تعادي الطبقة العاملة والحريات الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتتسم بالعنصرية الشديدة، وتقامر بمستقبل الكوكب على مذبح أرباح الرأسمال.

وفي عالم شديد التعقيد، يغلي ببركان من الأزمات المتراكمة، وفي ظل ميزان قوى مختل، تقف الإنسانية أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن تنجح الطبقات العاملة والجماهير الكادحة في بناء بديل اشتراكي ديمقراطي وبيئي، وإما أن تفتح الرأسمالية، بأزماتها وحروبها وتنافسها الإمبريالي، الطريق أمام أشكال جديدة من الهمجية.

الفاشية الجديدة روابط عالمية

لقد خلقت أزمات الرأسمالية النيوليبرالية التربة الخصبة لانتشار الأفكار الفاشية وشقيقاتها من صنوف الرجعية في مختلف أنحاء العالم. وقد مكّنتها التكنولوجيا الرقمية من امتلاك قدرات هائلة على نشر سمومها والوصول إلى جماهير واسعة. كما تحظى بدعم مالي سخي من قسم من الرأسمال المالي الكبير، ولا سيما الرأسمال المحتكر لقطاعات التكنولوجيا والاتصال والتواصل، فضلًا عن الدعم السياسي الذي تقدمه لها حكومات وقوى يمينية من الخارج، وفي مقدمتها أنصار دونالد ترامب.

وتستند هذه الحركة الفاشية العالمية إلى أيديولوجية التفوق الحضاري المزعوم لـ«الرجل الأبيض»، بما تحمله من خلفية استعمارية وعنصرية بغيضة. لكنها، في الوقت نفسه، تقيم جسورًا مع أيديولوجيات عنصرية صادرة عن قوميات وحركات أخرى، كما يتجلى ذلك في حركة ناريندرا مودي في الهند، وفي دعم الاحتلال الصهيوني، وكذلك في تبرير غزو بوتين لأوكرانيا… إلخ. وهي، رغم اختلاف أشكالها وسياقاتها، تتقاسم العداء للسود، والإسلاموفوبيا، وللشعوب الأصلية، والعداء لليسار بمختلف تياراته، بل ولعدد من ركائز الديمقراطية البرجوازية نفسها.

وقد اتخذ النضال ضد الفاشية، والحال هذه، بُعدًا أمميًا متزايدًا، بفعل ما أحرزته القوى الفاشية والرجعية من خطوات متقدمة في مجال التنسيق والتعاون على الصعيد العالمي، في مقابل تأخر الحركة العمالية وقوى اليسار في إدراج مناهضة الفاشية ضمن أولويات نضالها وبرامج عملها، ويشكل الملتقى العالمي الاول في بورتو اليغري بالبرازيل المنعقد في يوليوز 2026 محاولات تجسيد لمهمة ملحة رغم النتائج السياسية البسيطة التي حققها الملتقى.[2]

والحال أن مقولة روزا لوكسمبورغ تكتسب اليوم راهنية متجددة، حين وضعت الإنسانية أمام خيار تاريخي حاسم: إما الاشتراكية أو الهمجية.[3]

 

بقلم: أحمد أنور

إحالات:


[1]-https://tinyurl.com/2rmcnf4r

[2] -https://alomamia.org/tags/mnahdt-alfashyt

[3] -https://tinyurl.com/ms9c3hwu

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟