الموقع تجريبي

أزمة “نقص اليد العاملة” وخطاب وصم الشباب بالكسل

تشهد الساحة الإعلامية والاقتصادية في المغرب تصاعداً في التقارير والتصريحات الصادرة عن أرباب العمل وبعض الهيئات المهنية المُشتكية من “نقص حاد” في اليد العاملة في قطاعات إنتاجية حيوية، مثل الفلاحة والبناء وصناعة “الكابلاج”. ويترافق هذا الخطاب غالباً مع تحميل العمال والعاملات الشباب مسؤولية هذه الوضعية، عبر وصمهم بالكسل والخمول، أو بعدم الرغبة في العمل. فقد عزى رئيس الحكومة، حين زيارته لإقليم طاطا، “عدم رغبة” الطاطويين في العمل إلى الدعم الذين يحصلون عليه من الدولة(500 درهم).

غير أن هذا التفسير يتجاهل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي تنتج تقف وراء امتناع الشغيلة عن التقدم للعمل في بعض القطاعات الانتاجية رغم شغور الوظائف؛ فالعزوف عن بعض أشكال العمل المأجور لا يعكس بالضرورة رفضاً للعمل في ذاته، بل قد يكون تعبيراً عن مقاومة ورفض تام لشروط استغلالية تجعل قوة العمل تُباع بأثمان زهيدة مقابل مردودية مرتفعة لفائدة رأس المال. فما يُقدَّم بوصفه “تقاعسا وكسلاً” يمكن اعتباره رداً عملياً على الاستغلال المُكثف للعمل المأجور بهذه القطاعات

البطالة المعممة والاستغلال المكثف

تتجلى المفارقة الأساسية في الوضع المغربي في التعايش بين ارتفاع معدلات البطالة من جهة المقدر ب 13 بالمئة، حيث يصل عدد العاطلين-ات إلى 1.62 مليون حسب الاحصاء الرسمي لمندوبية التخطيط. وصعوبة استقطاب العمال في بعض القطاعات من جهة أخرى. ويكشف هذا التناقض أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود أو غياب اليد العاملة، بل بطبيعة الشروط التي يعرضها سوق العمل.

فعديد من العمال الشباب يرفضون قطاعات ترتبط بالأجور المنخفضة، وساعات العمل الطويلة، وكثافة الاستغلال، وضعف الحماية الاجتماعية. فالعامل داخل الوحدات الإنتاجية يتحول إلى مجرد حامل لقوة العمل، خاضع لوتيرة إنتاج صارمة، حيث تصبح الغاية الأساسية هي رفع الإنتاج وتقليص كلفة العمل. وتدل شروط العمل ومستوى الأجور بمعظم الضيعات الفلاحية ومقاولات قطاع البناء على وضعية أقرب إلى “شبه عبودية”. فغالبية الشباب-ات ينأون بأنفسهم عن هذه الأعمال القاسية والمذلة، فضلا عن كونها لا تأهلهم-هن لبناء مستقبل عيش كريم. ولذلك فإن قسما كبيرا من هذه الشبيبة تفضل “الحريك”، أو ممارسة أنشطة أخرى على أن تلتزم بالعمل “خماسة” لدى أرباب هذه المقاولات الاستغلالية. ويكفي التذكير باستمرار التمييز في الحد الأدنى القانوني للأجر على حساب عاملات وعمال القطاع الفلاحي.

وفي الوقت نفسه، تكشف بعض مظاهر التشغيل الهش، بما فيها تشغيل النساء والأطفال دون 15سنة في بعض المجالات، عن أزمة اجتماعية عميقة مرتبطة بانخفاض الأجور وتراجع القدرة الشرائية للأسر. فالمشكل ليس غياب الرغبة في العمل، بل غياب شروط عمل تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم.

الاستغلال الرأسمالي ومنطق فائض القيمة

تكمن جذور الأزمة في طبيعة النظام الرأسمالي حيث شراء قوة العمل من طرف الرأسمالي بهدف تحقيق فائض القيمة. فالعامل ينتج خلال جزء من يوم العمل قيمة تعادل أجره، بينما يتحول الجزء المتبقي من العمل إلى قيمة فائضة يستحوذ عليها صاحب رأس المال في شكل أرباح.

ومن هذا المنظور، لا ينظر الرأسمال إلى العامل باعتباره إنساناً منتجاً فقط، بل باعتباره تكلفة ينبغي التحكم فيها وتقليصها لضمان تراكم الأرباح. لذلك تصبح الأجور المنخفضة، وتمديد ساعات العمل، وتكثيف الإنتاج، أدوات مركزية في تعظيم الاستغلال.

وتظهر هذه الوضعية بوضوح في المدن الصناعية، حيث قد يبدو الأجر مقبولاً في ظاهره، لكنه يفقد قيمته الفعلية أمام ارتفاع تكاليف السكن والنقل والخدمات، مما يجعل العامل غير قادر على إعادة إنتاج حياته الاجتماعية بشكل مستقر وهذا ما يؤكده عمال المنطقة الحرة بطنجة والقنيطرة. فالأجر المتوسط للأغلبية الساحقة من العمال والعاملات من ذوي المؤهلات المتوسطة يتراوح ما بين 4000 إلى 4500 درهم شهريا مثلا، لا يلبي حتى الضروريات، فأكثر من نصفه يدفع لسومة الكراء، وقس على ذلك باقي القفة الشهرية.

وما يزيد من هشاشة موقع العمال انتشار التشغيل غير المصرح به أو عدم احترام الالتزامات الاجتماعية الدنيا، وهو ما يحرم جزءاً من الطبقة العاملة من شروط الحماية والاستقرار في حدودها الأدنى. إذا انشرت مؤخرا في القطاع الفلاحي مقاطع وتدوينات تؤكد على أن بعض الشركات مثلا بسهل اشتوكة تلجأ الى تشغيل القاصرين والنساء في حالة تقاعد لسد الخصاص في اليد العاملة.

التحول نحو العمل الحر: مقاومة فردية لشدة الاستغلال

أمام انخفاض متوسط الأجور وتدهور شروط العمل المأجور بالعديد من القطاعات الاقتصادية، لاسيما تلك التي تنتهج الاستغلال المكثف ولا تطبق الحد الأدنى من الشروط الإنسانية في العمل(استقرار الشغل؛ الحماية الاجتماعية؛ احترام قانون الشغل)، يتجه جزء مهم من الشباب نحو أشكال أخرى من كسب العيش في أعمال مستقلة. ولا ينبغي فهم هذا التحول باعتباره رفضاً للعمل بالمطلق، بل رفضا للعمل في غياب شروط دنيا للكرامة الإنسانية والدخل الأدنى للعيش

إن رفض بعض الوظائف المأجورة هو في جوهره، رفض لعلاقة عمل تقوم على التبعية المطلقة وظروف استغلال قاسية دون مقابل اجتماعي مناسب. فجيل جديد من العمال يرى أن النموذج التقليدي للعمل، الذي يقوم على التضحية الطويلة مقابل وعود بالاستقرار، لم يعد يقدم ضمانات كافية.

وهكذا ترقى بعض أشكال الانسحاب من سوق العمل التقليدي إلى شكل من أشكال المقاومة الفردية، وإن كانت تظل محدودة الأثر لأنها لا تواجه جوهر العلاقة بين رأس المال والعمل.

ضعف التنظيم النقابي وأزمة المقاومة الجماعية وبدائل النضال

إن ضعف التنظيم النقابي وتراجع أشكال التضامن العمالي الجماعي، لا سيما بالقطاعات الاقتصادية التي تحدثنا عنها، جعلا العديد من العمال/ت يواجهون/هن شروط الاستغلال بشكل فردي. لذلك تظهر أشكال جديدة من المقاومة الصامتة، مثل ترك العمل، تغيير النشاط، أو رفض الانخراط في قطاعات معينة.

غير أن هذه المقاومة الفردية، رغم دلالتها الاحتجاجية، تبقى غير قادرة على تغيير ميزان القوى داخل علاقات الإنتاج. فالتاريخ العمالي يبين أن تحسين شروط العمل لم يكن نتيجة تنازلات تلقائية من رأس المال، بل ثمرة نضالات جماعية وتنظيمات عمالية فرضت حدوداً للاستغلال.

لهذا فالحد من الاستغلال الرأسمالي لا يمر عبر تحميل العمال/ات مسؤولية أزمة العمل، بل عبر إعادة بناء شروط العلاقة بين العمل ورأس المال على أساس أكثر عدلاً. فالعامل لا يبيع وقتَه فقط، بل يضع جزءاً من حياته وقوته الجسدية والاجتماعية في خدمة عملية الإنتاج.

وفي ظل هذا الوضع تكون النقابات العمالية وقوى النضال وتنظيماته مطالبة بمقاومة هذا الاستغلال المفرط للشغيلة باستهداف هذه القطاعات في المقام الأول. فتحسين شروط الاستغلال لا يتحقق سوى ببلورة مطالب عمالية حقيقية، في أفق تعديل ميزان القوى لصالح الشغيلة، وذلك بالمطالبة بما يأتي:

  • الرفع الحقيقي للحد الأدنى القانوني للأجور وتوحيده بكل القطاعات دون تميير.
  • إلغاء هشاشة التشغيل بكل القطاعات الاقتصادية، وذلك بتفكيك كل أشكال الوساطة في التشغيل، وكل أشكال العمل المؤقت بعقود محددة المدة؛
  • ربط الأجور بتطور الأسعار لحماية القدرة الشرائية، وفقا لمبدأ السلم المتحرك للأسعار؛
  • فرض شروط عمل تحفظ صحة وسلامة العمال /ات وكرامتهم/هن؛
  • تقليص ساعات العمل الى 35 ساعة أسبوعيا دون تخفيض الأجور بما يسمح باستعادة جزء من الزمن الاجتماعي؛
  • تعزيز التنظيم النقابي والدفاع الجماعي عن الحقوق العمالية.

فأزمة العمل المأجور في المغرب ليست أزمة عزوف عن العمل، بل أزمة نظام إنتاج يجعل من قوة العمل مصدراً للتراكم الرأسمالي على حساب شروط حياة العمال. ومن ثم فإن تجاوزها يظل مرتبطاً بقدرة الشغيلة على بناء أشكال جماعية للمقاومة تضع حدوداً لمنطق الاستغلال.

 

بقلم: ماسين

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟