أشار التقرير الاقتصادي والمالي المرفق بقانون المالية لسنة 2026 إلى أن العجز التجاري للمغرب يستمر في الارتفاع، لأن الواردات تنمو بسرعة أكبر من الصادرات. لمعالجة هذا الوضع، كشفت حكومة الواجهة عن خارطة طريق التجارة الخارجية 2025-2027، وتقول إنها تهدف إلى “توسيع قاعدة التصدير” و”تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المغربي في الأسواق الدولية”.
مسار التصدير والانفتاح على الأسواق الخارجية هذا، بدأه المغرب منذ منتصف الثمانينات بمرافقة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في إطار ما سمي برنامج التقويم الهيكلي، وكذا منظمة التجارة العالمية بعد ان انضم اليها سنة 1995. مذاك، تسارعت وتيرة اتفاقيات “التبادل الحر”، حيث وقع المغرب لحدود الآن اتفاقات مع 59 بلدا: 27 بلدا ضمن الاتحاد الأوروبي، 22 دولة عربية، 4 دول في إطار الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، و3 دول ضمن اتفاقية أغادير، إضافة إلى تركيا والولايات المتحدة والإمارات. إذا أضفنا 53 بلداً آخر في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، نجد أن المغرب بلغ رقما قياسيا: 112 دولة يرتبط معها باتفاقات تبادل حر!
لم يعد خافيا اليوم أن اتفاقيات “التبادل الحر” عمقت تبعية المغرب للاقتصادات القوية، وأدت الى استنزاف موارد البلاد لصالح الشركات الكبرى في الشمال وشركائها من الرأسماليين المحليين. يمكن تلخيص أهم نتائجها المباشرة فيما يلي:
تعميق العجز التجاري
زادت اتفاقيات “التبادل الحر” ضغط المنافسة على المنتوجات المحلية في ظل نسيج اقتصادي يتسم بضعف الصناعة، في حين بقيت الصادرات محدودة وضعيفة القيمة المضافة. شكلت الواردات، بموجب هذه الاتفاقيات وخاصة مع أوروبا والولايات المتحدة، نسبة 29% من إجمالي الواردات كمتوسط خلال السنوات الثلاث الماضية، وساهمت في رفع إجمالي العجز التجاري الذي بلغ 20% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024.
تراجع العائدات الجمركية
يؤدي تخفيض الرسوم الجمركية على واردات البلدان الغنية في إطار اتفاقيات “التبادل الحر” إلى تراجع نسبي في عائدات الجمارك. بالمقابل تضع هذه البلدان حواجز تجارية أمام دخول السلع المغربية من خلال معايير الصحة والسلام، ونظام الحصص، الخ. على سبيل المثال، تستثني اتفاقية “التبادل الحر” بين الاتحاد الأوروبي والمغرب القطاع الزراعي الذي يخضع لاتفاقيات منفصلة تحمي الإنتاج الأوروبي وتزيد من العقبات أمام الصادرات الزراعية المغربية.
توسيع الخصخصة
يتم توسيع خصخصة القطاعات الاجتماعية العمومية (الصحة، والتعليم، والنقل الحضري، إلخ) والمقاولات العمومية في القطاعات الاستراتيجية (الاتصالات، البنوك، الطاقة، إلخ)، وفقا لأحكام الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات التي تبنتها منظمة التجارة العالمية.
تدهور البيئة
تُفتح الأسواق وتُسهل فرص الاستثمار الأجنبية على حساب البيئة من خلال أنشطة ملوِثة كصناعة السيارات والطيران، علاوة على استنزاف المياه واستعمال المبيدات في الفلاحة التصديرية. كما أن اتفاقيات “التبادل الحر” لا تتضمن شروطاً بيئية ملزمة.
حقوق الملكية الفكرية
أدت التزامات المغرب في إطار اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن حقوق الملكية الفكرية إضافة إلى المعايير الصارمة المفروضة في اتفاقياته مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى تشديد نظام حماية البراءات. ما يحد من قدرة المغرب على تطوير إنتاج محلي للأدوية الجنيسة بأسعار معقولة، ويترتب عنه ارتفاع في كلفة الأدوية الصيدلية والبيطرية وكذا أثمان البرمجيات والمواد الثقافية والبذور الزراعية، بما يخدم مصالح الشركات العالمية المالكة للبراءات.
ملاءمة مع المعايير الليبرالية
تفرض هذه الاتفاقات ملائمة القوانين المغربية مع المعايير الليبرالية الدولية: تسهيل الاستثمارات وخروج الأرباح، إضعاف حماية السوق الوطنية، وتفكيك قوانين الشغل نحو الحد الأدنى من الحماية والحقوق.
توسيع البطالة
يؤدي التنافس غير المتكافئ مع منتجات البلدان الغنية إلى إغلاق وحدات صناعية محلية، خصوصاً في النسيج والجلد والصناعة الصغرى والمتوسطة، والى افلاس صغار المزارعين، وما ينتج عن كل هذا من بطالة يتأثر بها الشباب والنساء بشكل خاص، علاوة على انتشار العمل الهش، وانخفاض الأجور، وضعف الحماية الاجتماعية.
كبح حرية تنقل الافراد
يفتح المغرب حدوده أمام حركة السلع والرساميل الأجنبية في الوقت الذي تقيد فيه الدول الغنية بشدة دخول مواطنيه ومواطناته اليها، بل ويلعب دور الدركي للحيلولة دون تدفق مهاجري ومهاجرات بلدان جنوب الصحراء الى أوروبا.
تغلغل الصهيونية
يشكل التطبيع التجاري أحد الأبواب الأساسية لتغلغل الصهيونية في بلادنا عبر فتح الباب أمام الشركات الإسرائيلية، خصوصاً في الفلاحة التصديرية، والمبيدات، ومعدات السقي، والأمن السيبراني، والتجهيزات العسكرية، الخ.
نحو بديل شعبي
يبدو جليا أن اتفاقيات “التبادل الحر” لا تقتصر على فتح الأسواق فحسب، بل تتعداها إلى آليات معقدة تشمل جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية. فهي تعد، إلى جانب آلية المديونية، من أهم أدوات الهيمنة الإمبريالية على بلدنا. كما أن مفاوضاتها تحاط بالسرية، ويعود قرار توقيعها من جانب المغرب حصرا الى القصر، ولا دور فيها للحكومة أو غرفتي البرلمان سوى التصفيق لها والعمل على متابعة تنفيذها.
تتحمل الطبقات الشعبية كلفة هذه الاتفاقيات التي يفرضها الحاكمون، والذين لا يترددون في اللجوء إلى القمع كلما ظهرت مقاومة اجتماعية، وهو ما تجلى بوضوح في الاحتجاجات الشعبية من أجل الحق في الصحة، وبشكل أقوى في الحراك الشبابي الأخير لــ “جيل زيد”.
لم يعد أمامنا خيار سوى مواصلة النضال لتجميع القوى الاجتماعية القادرة على فرض بديل شعبي حقيقي. فقط الطبقة العاملة، ومعها فئات الشعب المتضررة، هي التي تملك المصلحة في بناء اقتصاد محلي مستقل، قائم على الاكتفاء الذاتي وحماية البيئة. اقتصاد يرسي سيادتنا في الغذاء والطاقة، ويقطع مع كل أشكال التبعية: من الصهيونية إلى منظمة التجارة العالمية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي. هذا هو الأفق الذي يمكن للشباب أن يشارك في صناعته اليوم.
بقلم: مروان