اعتمدت الدولة المغربية، منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، سياسة قمعية استهدفت المعارضة بمختلف توجهاتها، من خلال حرمانها من حرية التعبير والتواصل مع الجماهير، ومن حقها في التنظيم وتأسيس الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات المناهضة للظلم الاجتماعي وقد نجحت، عبر المزاوجة بين القمع والاحتواء في إضعاف المعارضة وتفكيك قواها، ما عمّق تشتتها وألحق بها هزائم متتالية.
وسخّرت الأقلية الرأسمالية الدولة للقمع، لمواجهة كل من ينزل إلى الميدان للتعبير عن آرائه أو الاحتجاج من أجل انتزاع مطالبه، مما يؤكد أن المنع والقمع يشكّلان ركيزتين أساسيتين في بنيان نظام الاستغلال والاستبداد ببلدنا، ووسيلتين لإخضاعنا بالقوة للسياسات المتبعة. كما يتضح أن مسلسل القمع الذي استهدف الأجيال السابقة يشكّل مفتاحاً لفهم المسار الذي اتُّبع لفرض السيطرة الطبقية، ولا تزال السياسات نفسها مستمرة إلى اليوم. لقد مارست الدولة المنع والقمع بصورة شديدة.
استمرار استغلال الطبقة العاملة وسائر الكادحين والكادحات
إن ما شهده البلد من تطور في قطاعاته الإنتاجية هو ثمرة كدح الطبقة العاملة المغربية، التي أنجزت ذلك في ظل ظروف عمل قاسية، وأجور زهيدة، وحرمان من ممارسة النشاط النقابي، وطرد تعسفي، وترسانة من القوانين الجائرة.
وهكذا، استفادت البرجوازية بمختلف توجهاتها الأيديولوجية من الأرباح المنتزعة من عرق الشغيلة المغربية، فيما تخوض مكوناتها صراعاً على اقتسامها وتوزيعها بين مختلف فئاتها، ويشكّل تنافسها خلال كل استحقاق انتخابي أحد أبرز تجليات هذا الصراع.
ولجأت أقسام من البرجوازية المتضررة من احتكار الرأسمال الكبير للأرباح إلى بناء معارضة برجوازية ليبرالية، بهدف الدفاع عن مصالحها، من دون المساس بمرتكزات النظام الرأسمالي التبعي، بل من خلال السعي إلى إعادة الاستفادة من الوضع والسيطرة الطبقية. وانتهجت البرجوازية أساليب ضغط محسوبة تروم الوصول إلى توافقات سياسية تتيح لها انتزاع تنازلات سياسية واقتصادية، من دون تهديد استقرار النظام الاقتصادي الذي تشكّل جزءاً منه، وتساعده على ديمومة الاستغلال.
ورغم إصرارها على التشبث بمنهج الإصلاح في ظل الاستقرار، وحرصها على نهج التوافق السياسي بدلاً من خوض نضال جماهيري حازم، فإنها لم تسلم من بطش القمع فقد تعرّضت تيارات المعارضة البرجوازية، ولا سيما أجنحتها اليسارية والنقابية والشبيبية، لحملات متكررة من القمع الشرس، شملت المحاكمات والاختطافات والتصفيات، وإغلاق المقرات، وحجب الصحف، وغيرها من أشكال التضييق.
وامتد القمع إلى التنظيمات الشبابية الماركسية، التي جرى سحقها في المهد، كما اقتحم الجامعات والثانويات لترهيب الشبيبة المناضلة. وشُدّدت، بالتوازي مع ذلك، آليات ضبط أحياء المدن الكبرى، وأُعيدت هندسة تقسيمها في أعقاب سلسلة من الانتفاضات الشعبية المتعاقبة.
لقد طال القمع المعارضة بمختلف تياراتها، كما استهدف الحركات الجماهيرية المستقلة. ففي تلك المرحلة، كان النظام يعمل على ترسيخ ركائز سيطرته الطبقية، مستهدفاً إضعاف جميع أشكال التنظيم المستقلة والخارجة عن هيمنته ويكفي في هذا السياق، استحضار قضية المعتقلات والسجون السرية الجهنمية، التي لن تُمحى من ذاكرة المغاربة أبداً.
وبعد كل ما حصل لفائدة النظام السياسي، لجات الدولة في محاولة لدفن إرثها الثقيل من الجرائم السياسية لتأسيس ما وصفته ب «هيئة الإنصاف والمصالحة” في يناير 2004، تحت سياسة نظام الاستغلال والاستبداد، مما اخفى الحقيقة كاملة وتحديد مسؤولية الدولة
تعمل هذه الاخيرة على خدمة مصلحتي الأقلية الرأسمالية والإمبريالية، وتوفير الشروط اللازمة لنهب ثروات الشعب وتنفيذ مخططات المؤسسات المالية الدولية، ولهذا الغرض، توظّف مختلف أشكال القمع والمنع والحرمان من ممارسة الحريات العامة، ومواجهة كل تعبير مناهض لسياساتها.
وتكشف هذه الممارسة عن ازدواجية واضحة في التعامل مع الحريات: فالأشخاص والجهات التي تصطف إلى جانب الدولة وتدافع عن سياساتها تُقدَّم باعتبارها الأفضل والأجدر بالثقة، وتُفتح أمامها مختلف الفضاءات والمنصات، وتُوفَّر لها الوسائل المادية والمعنوية، ويُسخَّر القانون لخدمة مصالحها أما المناضلون والمناضلات المدافعون عن مصالح الكادحين والكادحات، فيُوصمون بالتخريب وتهديد «السلم الاجتماعي» و«الوحدة الوطنية»، وتُغلق في وجوههم ووجوههن مختلف المنافذ، بهدف عزلهم عن الجماهير الشعبية ومنعهم من كسب ثقتها، والمساهمة في رفع الوعي السياسي الجذري والمنظم القادر على بناء قوى اجتماعية تنتزع الديمقراطية الفعلية من نظام استبدادي.
الشباب سينتزع شروط حياة أفضل
رغم عقود من القمع السياسي وسحق المعارضة واستسلام معظم مكوناتها، فإن الشروط الموضوعية تفرز باستمرار عوامل اندلاع حركات نضالية جديدة، وتتيح بروز طلائع تكتسب خبراتها تدريجياً، وتبحث عن منافذ لمواجهة الاستغلال والاستبداد.
إن الأزمات المتعددة الأبعاد للرأسمالية، إلى جانب الاستبداد والنهب المتواصل للثروات تعد من أبرز العوامل المحفزة على تفجّر الغضب العمالي والشعبي وبروز أجيال جديدة التي لم تشهد، هزائم الأجيال السابقة وإحباطاتها، بل تأخذ من معاركها دروس النضال وتشُق طريقها بعزيمة، وتبعث الأمل في إمكان التغيير الجذري الذي ينمو ويتطور، وقد يفضي إلى تحولات عميقة تطبع الحياة السياسية لعقود.
إن مستقبل البلد تصنعه شبيبته، ذكوراً وإناثاً، ممن لم يستسلموا للقهر، وظلوا يناضلون من أجل حقوقهم الأساسية وتحسين أوضاعهم الاجتماعية رغم مختلف أشكال القمع والاعتقال وتلفيق التهم مثل ما حصل مع شباب جيل «زد»
ويستحيل حجب الصراع الطبقي القائم بين من يملكون المال والسلطة، ومن لا يملكون سوى قوة عملهم البدنية وطاقاتهم الذهنية والفكرية. فقد تسبّب النظام الرأسمالي للبشرية في كوارث كبرى، وبات يهدد الكوكب برمته والمطلوب اليوم هو هدم أسس هذا النظام وبناء نظام اجتماعي اشتراكي على أنقاضه، يضمن حياة كريمة للبشرية، ويحمي الكوكب ويجعله أفضل للأجيال القادمة.
إن بناء ميزان قوى عمالي وشعبي هو السبيل إلى انتزاع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،والثقافية، وفرض الحريات الديمقراطية الشاملة، ووضع حد للقمع السياسي، وتجريم ممارسات قمع النضال الاجتماعي.
فادي فؤاد