تمثل حرية الصحافة أحد المؤشرات الأساسية لقياس مدى تمتع الشعب بالحريات الديمقراطية الشاملة. ومن البديهي أن يرتبط ضمان هذه الحرية بالتعبير الحر عن الرأي المعارض، ورفع القيود المفروضة على النقاش العمومي بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإسقاط ترسانة القوانين القمعية التي تسنها الدولة لإخضاع الشعب وإخراسه، وحرمانه من التثقيف السياسي في مناخ تعددي تتفاعل فيه الآراء وتتنافس التيارات وتتنوع مصادر المعلومات، بما يتيح كشف الحقيقة أمام الجميع.
فالاستبداد السياسي لا يستطيع التعايش مع صحافة حرة ومستقلة. لذلك، يسعى إلى إخضاعها بالقمع والإفساد، وإجبارها على الالتزام بالخطوط الحمراء التي يرسمها لها، و منعها من التطرق لقضايا بعينها أو الاقتراب من مؤسسات محددة. وفي المقابل، يعمل على توجيهها نحو إلهاء الشعب بالإثارة الزائفة، وتشتيت انتباهه بقضايا هامشية، أو حشده في صورة جموع تُساق لإضفاء شرعية شعبية زائفة على قرارات الدولة ومبادراتها.
إن واقع حرية الصحافة بالمغرب ليس سوى أحد تجليات واقع مصادرة الحريات الديمقراطية التي يعاني منها الشعب المغربي[1]. فخنق حرية الصحافة، والتضييق على حرية التنظيم النقابي والجمعوي والسياسي، وقمع الحق في التظاهر والإضراب، واستمرار اعتقال المناضلين والمناضلات بسبب آرائهم السياسية أو تنظيمهم نضالات من أجل المطالب الاقتصادية والاجتماعية، كلها مظاهر تكشف أن الحريات الديمقراطية الفعلية تظل غائبة بفعل طبيعة النظام السياسي، الذي يعلن اعترافه بالحقوق واحترامه للحريات، بينما يمارس، على أرض الواقع، سحقها وانتهاكها. هدا الخنق للصحافة والصحفيين-ات المستقلين-ات يضع المغرب في درجات مخجلة ضمن لوائح التصنيف السنوي لمراسلون بلا حدود بإحتلاله الرتبة 105 صمن 180 بلد.
وتقدم لنا تقريران صادران عن منظمتين دوليتين، هما منظمة «مراسلون بلا حدود» ومنظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشيونال)، صورة كاشفة عن واقع حرية الصحافة بالمغرب، وعن بعض الآليات التي تستخدمها السلطة لإخضاع الصحفيين والصحفيات وإجهاض كل محاولة لبناء إعلام مستقل عن مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي.
مراسلون بلا حدود تعرّي واقع الصحافة بالمغرب[2]
في وصفها لواقع الصحافة بالمغرب، جاء في التقرير:
“في المغرب، تبقى تعددية الصحافة مجرد واجهة صورية، حيث لا تعكس وسائل الإعلام تنوع الآراء السياسية في البلاد، حيث يواجه الصحفيون المستقلون والمنابر الإعلامية الناقدة ضغوطاً كبيرة، كما يُنتهك الحق في الحصول على المعلومات أمام آلة الدعاية التي ترمي بكل ثقلها، بينما أصبح التضليل الإعلامي أداة لخدمة الأجندة السياسية لدوائر السلطة.”
من الواضح لكل من يعرف حقيقة الوضع المغربي أن هذا التشخيص يصيب جوهر المشكلة. فالتعددية الظاهرية وتنوع العناوين والمنابر الصحفية لا يعكسان تعددية فعلية في التعبير عن المصالح الاجتماعية والسياسية المتعارضة. إذ تتعرض الصحافة المستقلة والمنابر المعارضة للتضييق والخنق المادي والمعنوي، في سياسة ممنهجة أفضت، خلال السنوات الأخيرة، إلى إقفال عدد منها أو إضعافها إلى حد العجز عن الاستمرار، بما يشبه سياسة استئصال تستهدف تقليص هامش الإعلام المستقل وإخضاعه لمنطق السلطة ومصالح القوى الاقتصادية النافذة.
ويواصل التقرير حديثه قائلاً:
“يقوِّض هذا التحالف بين المال والسلطة قدرة الصحافة على تناول قضايا الفساد المرتبطة بإدارة الشأن العام، مما يجعل أي محاولة لإدانة الفساد مجازفة قد تجرّ على أصحابها تبعات مالية وقانونية جسيمة. هذا ويواجه الصحفيون منذ سنوات الكثير من العراقيل في القيام بعملهم، وسط الخطوط الحمراء العديدة التي تلقي بظلالها على مواضيع حساسة من قبيل قضية الصحراء والنظام الملكي والإسلام، ناهيك عن التطرق للأجهزة الأمنية وقمع المظاهرات.”
هنا يضع التقرير إصبعه على لبّ القضية، إذ يتجاوز وصف مظاهر التضييق إلى الكشف عن بعض الأسباب السياسية والاقتصادية التي تفسر استمرار استهداف الصحافة المستقلة والمعارضة.
فالرهان الأساسي للسلطة هو فرض رقابة فعلية على المجال الإعلامي، ومنع الصحفيين والصحفيات من تجاوز خطوط حمراء تشمل قضايا الفساد المالي، وقضية الصحراء، والنظام الملكي، والدين، وانتهاكات الأجهزة الأمنية وقمع المظاهرات. وهي قضايا تمس طبيعة السلطة وآليات اشتغالها ومصالح الفئات المستفيدة من استمرار الوضع القائم.
ومن منظور ماركسي، لا يمكن فصل هذا التحكم في الإعلام عن التداخل بين السلطة السياسية والمصالح الرأسمالية. فالتحالف بين المال والسلطة لا يقتصر على تقاسم النفوذ أو حماية المصالح الاقتصادية، بل يمتد إلى التحكم في إنتاج المعلومات وتداولها، وتحديد القضايا التي يجوز طرحها للنقاش العمومي، وتلك التي ينبغي إبقاؤها خارج دائرة المساءلة. وهكذا تتحول السيطرة على وسائل الإعلام إلى إحدى أدوات إعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية والإيديولوجية.
وتناول التقرير جوانب أخرى مرتبطة بوضعية الصحافة، من بينها السياق السياسي والإطار القانوني والسياق الاجتماعي والثقافي، فضلاً عن الجوانب الأمنية. ويأتي ذلك في سياق أزمة المجلس الوطني للصحافة وما أعقبها من تعيين «لجنة مؤقتة» للإشراف على تدبير شؤون القطاع، في إطار المسار القانوني المتعلق بإعادة تنظيم المجلس.
غير أن ما انتهى إليه هذا المسار لم يبدد المخاوف بشأن استقلالية الصحافة، بل عزز الانطباع بأن الدولة حريصة على الاحتفاظ بزمام التحكم في القطاع، وضمان ألا تفلت وسائل الإعلام من قبضتها. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تنظيم مهني محايد، وإنما بمن يمتلك سلطة تحديد قواعد الولوج إلى المهنة، وتوزيع الموارد، وضبط المؤسسات التي يفترض أن تمثل الصحفيين والصحفيات وتدافع عن استقلاليتهم.
منظمة العفو الدولية تكشف مقبرة الصحافة الحرة وتعيد تمثيل جريمة القتل العمد[3]
إن قمع حرية الصحافة من السمات الملازمة للأنظمة الاستبدادية التي تسعى إلى فرض سيطرتها بوسائل مختلفة. ويمكن التمييز، في هذا السياق، بين أنظمة تعمل على ترسيخ هيمنتها عبر الاحتواء وصناعة القبول الاجتماعي، مستفيدة من قواعد سياسية واقتصادية وقانونية تضمن استمرارها ما دامت قادرة على احتواء الأزمات، وأنظمة تلجأ بصورة أكثر مباشرة إلى الإكراه والقمع وفرض السيطرة بواسطة حكم ديكتاتوري سافر.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تمارس الأنظمة الاستبدادية قمعها للحريات الديمقراطية، ومنها حرية الصحافة؟ وما الوسائل والآليات التي تعتمدها لإخضاع الصحفيين والصحفيات وإسكات الأصوات المعارضة؟
تسلط منظمة العفو الدولية الضوء على جانب بالغ الخطورة من هذه الممارسات، يتمثل في استهداف الصحفيين والصحفيات المستقلين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان بالمراقبة والتجسس والتشهير. فقد جاء في تقريرها «نحن نبدأ بالحكم: في قلب منظومة المراقبة المغربية»: “إن السلطات في المغرب تدير منظومة مراقبة ضخمة وواسعة النطاق، تجمع بين الأدوات الرقمية والتقليدية لتعقّب الصحفيين والنشطاء وغيرهم من المنتقدين، ومراقبتهم، وتكميم أفواههم في نهاية المطاف.”
ويضيف التقرير:”هذه المنظومة القمعية تجعل ممارسة الناس في المغرب لحقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانتماء إليها والتجمع السلمي أمرًا عسيرًا ومحفوفًا بالمخاطر. بل حتى بعد الإفراج عنهم من السجن، يظلّون يعيشون تحت وطأة المراقبة، ويتعرضون لحملات التشهير التي تستند إلى تفاصيل شخصية لا يمكن الحصول عليها إلا عن طريق المراقبة. يجب على السلطات المغربية أن توقف فورًا المراقبة غير القانونية للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين”. ويكشف التقرير، استناداً إلى الأدلة الجنائية الرقمية، عن تعدد أساليب الاختراق والتجسس المستخدمة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، إذ جاء فيه: ” وتُظهر الأدلة الجنائية الرقمية التي كشفت عنها منظمة العفو الدولية كيف استُهدف المدافعون عن حقوق الإنسان باستخدام أساليب متعددة للاختراق، منها الزرع المادي للبرمجيات في الأجهزة؛ وهجمات النقرة الواحدة، التي تعتمد عادة على نقر الشخص المستهدف على رابط خبيث؛ والهجمات بلا نقر، التي يمكن أن تصيب هدفًا ما خلسة دون النقر على رابط أو اتخاذ اي إجراء على الإطلاق؛ وهجمات حقن الشبكة، التي نُفِّذت عبر شبكة شركة اتصالات المغرب المملوكة للدولة.”
والأخطر أن آثار هذه المراقبة والتجسس السري لا تتوقف عند الأشخاص المستهدفين مباشرة، بل تمتد إلى أسرهم وأصدقائهم وشبكاتهم المهنية. ويشير التقرير إلى أن:
“لا يقتصر تأثير هذه الأساليب على النشطاء المستهدَفين أنفسهم، بل يمتد أيضًا إلى أسرهم وأصدقائهم وشبكاتهم المهنية. ويعمل عناصر المديرية العامة من دون رقابة قضائية أو مساءلة، ويستهدفون النشطاء في الخفاء، وهم بمأمن تام من أي حساب أو عقاب. الأدوات التي يستخدمونها متنوعة، لكن الهدف واضح وهو ابتزاز من يجهرون بالدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب، وتشويه سمعتهم، والتشهير بهم، بل والزج بهم في السجون إذا لزم الأمر.”
إن الغاية من هذه الممارسات، كما يعرضها التقرير، لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تشمل توظيفها للضغط على المستهدفين وابتزازهم ومساومتهم، وتشويه سمعتهم وإجبارهم على الصمت أو التراجع عن مواقفهم السياسية والحقوقية. وبذلك تتحول المراقبة إلى أداة من أدوات الإخضاع السياسي، تُستخدم لإضعاف المناضلين والمناضلات، وضرب ثقتهم بأنفسهم وبمحيطهم، وزرع الخوف في صفوف كل من يفكر في تحدي السلطة أو فضح انتهاكاتها.
وفي هذا الصدد، جاء في التقرير: “يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان أيضًا المراقبة والملاحقة الجنائية وحملات التشهير استنادًا إلى معلومات يعتقدون أن السلطات حصلت عليها عن طريق المراقبة. وتُشنّ هذه الحملات عبر منابر إعلامية موالية للدولة، وكثيرًا ما يكون الهدف منها نزع الشرعية عن النشطاء أو وصمهم وتشويه صورتهم في المجتمع المغربي”
تلك عينة من أساليب الدولة في حربها المفتوحة على الصحافة المستقلة، ومثال ملموس على الإمكانات المالية والتقنية واللوجستيكية التي تُسخّر لمراقبة الصحفيين والصحفيات والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان. وهي ممارسات تجسد تناقضاً عميقاً بين سلطة استبدادية تسعى إلى احتكار الحقيقة والتحكم في تداول المعلومات، وصحافة حرة لا تؤمن إلا باستقلالية أدائها وحقها في كشف الوقائع ومساءلة مراكز النفوذ.
ولا يتعلق الأمر، إذن، بتجاوزات معزولة أو بانحرافات فردية عن قواعد يفترض أنها تحكم عمل المؤسسات، بل بآليات متكاملة يمكن أن تتضافر فيها المراقبة الرقمية، والمتابعة القضائية، والتشهير الإعلامي، والعقوبات المالية، من أجل إخضاع الأصوات المعارضة وإضعاف قدرتها على التأثير في الوعي الجماعي.
حرية الصحافة تخنقها قيود القمع وسلاسل التبعية المالية
تلجأ الدولة إلى آليات متعددة لإحكام قبضتها على الصحافة، في مقدمتها بناء منظومة قانونية وتنظيمية تسمح بتدبير مجال الصحافة والنشر، مع ضمان استمرار التحكم فيه وضبط حدوده. وقد تابعنا كيف جرى إقصاء صحفيين وصحفيات من حقهم في الحصول على بطاقة الصحافة المهنية، وما رافق ذلك من مبررات وممارسات كشف تسجيل مسرّب عن هيئة أُنيطت بها مهمة المصادقة على منح هذه البطاقات جانباً منها. كما أثارت مجريات انتخابات أعضاء المجلس الوطني للصحافة شكوك بشأن استقلالية المؤسسات المهنية ومدى خضوعها لمنطق التمثيلية الديمقراطية الحقيقية.
وقد روّجت الدولة للمنظومة القانونية الجديدة باعتبارها خطوة نحو تعزيز حرية الصحافة، مستندة إلى إلغاء العقوبات الحبسية في قانون الصحافة والنشر. وهذا صحيح من الناحية الشكلية، لكنه لا يكشف وحده طبيعة القيود المفروضة على العمل الصحفي. فقد جرى تجاهل الأثر الردعي للغرامات المالية الباهظة التي يمكن أن تؤدي إلى إنهاك المنابر المستقلة وإفلاسها وإسكاتها نهائياً، فضلاً عن توظيف المتابعات بتهم جنائية خارج إطار قانون الصحافة والنشر لاستهداف صحفيين وصحفيات، وفق ما تناولته تقارير منظمات حقوقية دولية.
وهكذا، لا يكفي إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قانون الصحافة للحديث عن ضمان حرية التعبير، ما دامت أدوات أخرى تتيح معاقبة الصحفيين والصحفيات مالياً وقضائياً، أو دفع المؤسسات الإعلامية إلى الإغلاق بفعل الضغوط الاقتصادية والقانونية المتراكمة.
لكن القمع المباشر ليس سوى أحد وجوه الحرب على حرية الصحافة. فهناك وجه آخر لا يقل خطورة، يتمثل في إخضاع وسائل الإعلام لشروط التبعية المالية، وهو جانب أشار إليه تقرير «مراسلون بلا حدود» من خلال حديثه عن توجيه الإعلانات العمومية إلى منابر بعينها وحرمان منابر أخرى منها.
فالإعلان العمومي ليس مجرد مورد تجاري محايد، بل يخضع لمنطق الولاء السياسي، إلى أداة لمكافأة وسائل الإعلام الموالية ومعاقبة المنابر الناقدة. وبهذا تُستخدم الموارد المالية العمومية للتأثير في استقلالية الخط التحريري، وتُفرض على الصحافة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قيود تتجاوز الرقابة القانونية إلى الرقابة الاقتصادية.
أما الجانب الذي يستحق نقاشاً أوسع، فيتعلق باستمرار تدخل الدولة في تمويل أجور الصحفيين والصحفيات والمساهمة في تغطية مستحقات أنظمة التقاعد منذ جائحة كوفيد-19، ويثير هذا الوضع أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الصحفية الخاصة، وحدود الدعم العمومي، وضمانات استقلالية القرار التحريري.
كيف يمكن الحديث عن استقلالية الصحافة عن الدولة إذا كانت الأخيرة تساهم في تمويل أجور العاملين في مؤسسات يفترض أن يتحمل مشغلوها مسؤولية أداء هذه الأجور؟ وكيف يمكن تبرير استخدام المال العمومي لتغطية تكاليف يفترض أن تقع على عاتق المستثمرين الخواص، من دون ضمانات صارمة تمنع تحويل الدعم إلى تمويل غير مباشر لرؤوس الأموال الخاصة أو إلى وسيلة للتحكم السياسي في الصحافة؟
انتزاع حرية الصحافة رهين بتغيير ميزان القوى
إن الصحافة موجودة في المغرب الراهن، لكن حرية الصحافة تظل مقيدة بأغلال القمع وسلاسل التبعية المالية، ومحاصرة بأجهزة الرقابة العلنية والسرية، ومهددة بالسجن والتشهير والإفلاس. إنها ضحية أخرى للحرب المستمرة على الحريات الديمقراطية، وواحدة من نتائج نظام سياسي استبدادي يناقض جوهر الديمقراطية، وفي قلبها حرية الكلمة وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات ومساءلة السلطة.
ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية الصحافة ليس مطلباً مهنياً يخص الصحفيين والصحفيات وحدهم، ولا قضية حقوقية منفصلة عن بقية المطالب الديمقراطية والاجتماعية. إنه جزء لا يتجزأ من النضال ضد الاستبداد والاستغلال، ومن معركة أوسع من أجل انتزاع الحقوق السياسية والنقابية والجمعوية، وضمان الحق في التنظيم والتظاهر والإضراب، وتحرير الفضاء العمومي من الرقابة والخوف.
إن انتزاع الحرية الشاملة، وضمان الحق في ممارسة الديمقراطية من دون خطوط حمراء، وتحرير الصحافة من الخوف من الاستبداد والخضوع للممولين الرأسماليين، رهين ببناء ميزان قوى طبقي وشعبي قادر على فرض هذه المطالب وانتزاعها من السلطة. وهو ما يستدعي توحيد نضالات العمال والعاملات، وسائر الفئات الشعبية، والصحفيين والصحفيات، والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، حول برنامج ديمقراطي واجتماعي يربط الحريات السياسية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
إن حرية الصحافة لا تُمنح من أعلى، ولا تُضمن بمجرد تعديل القوانين أو إعلان احترام الحقوق، بل تُنتزع بالنضال الجماعي وتُصان بامتلاك المجتمع أدوات الدفاع عنها. بل تتطلب شروطاً مادية ومؤسساتية تحرر الصحافة من ابتزاز الدولة ورأس المال، وتضمن حقوق الصحفيين والصحفيات واستقرارهم المهني والاجتماعي، وتتيح تعددية حقيقية في الأصوات والآراء والتوجهات.
إن معركة حرية الصحافة جزء من معركة الشعب المغربي من أجل تقرير مصيره، وتأكيد سيادته الحرة، وبناء نظام ديمقراطي يضع حداً للاستبداد والهيمنة الطبقية. أما من دون تغيير ميزان القوى القائم، فسيستمر القهر الطبقي والاستبداد في ممارسة جبروتهما، وستظل حرية الصحافة، مثل سائر الحريات الديمقراطية، عرضة للمصادرة كلما اصطدمت بمصالح السلطة والفئات المستفيدة من استمرار الوضع القائم.
بقلم: أنور أحمد
24 أكتوبر 2026
[2] https://tinyurl.com/4et4b4xc
[3] https://tinyurl.com/4e7u83yn