الموقع تجريبي

فلسطين: من قلب المأساة ينبع الأمل في التحرر

 

مر الشعب الفلسطيني في السنوات الثلاث الماضية (2023-2026) من أخطر الفترات في تاريخ اضطهاده الطويل كشعب مُستعمَر. شنّ الجيش الإسرائيلي حرباً مجنونة استهدفت قتل كل من يتحرك في مساحات واسعة من غزة، وتسوية البنى التحتية بالأرض، وتخريب الخدمات العامة (المياه والكهرباء)، وفرض حصار شامل على المعابر ومنع دخول شحنات الغذاء والأدوية، فضلاً عن الاستهداف الممنهج للقطاع الصحي وتدمير بنيته التحتية.

فلسطين: مسار من الجرائم والمشاريع التصفوية

في السابع من أكتوبر 2023، أعلنت حركة «حماس» بدء عملية «طوفان الأقصى»، واستهدفت، إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى، مواقع وقواعد عسكرية ومستوطنات في محيط قطاع غزة، وأسرت عدداً من الإسرائيليين.

عقب ذلك، شنت إسرائيل حرباً على غزة والضفة الغربية، وتمددت لاحقاً إلى لبنان وإيران بتدخل أمريكي مباشر. ففي غزة، استعملت إسرائيل، بدعم كامل من الولايات المتحدة الأمريكية، أحدث أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً، ووظفت الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، وتعمدت قتل مدنيين عُزّل وأطفال صغار، ومدنيين في خيامهم أو وهم يحاولون الحصول على الطعام لإسكات جوع أطفالهم. إنها حرب غير متكافئة، براً وبحراً وجواً، خلّفت أعداداً هائلة من القتلى والجرحى. فقد قُتل 74,023 شهيداً (حتى نهاية شتنبر الماضي)، وبلغ إجمالي الإصابات 175,111، علماً أن القتل مستمر؛ إذ سقط، منذ إعلان وقف إطلاق النار، 1,422 شهيداً وأصيب 4,996 شخصاً، فيما جرى انتشال 834 شهيداً من تحت الأنقاض.

وصرحت منظمة أطباء بلا حدود بأن «تدمير النظام الصحي في غزة، وتضرر أكثر من 80 في المئة من جميع المباني في القطاع، والمشكلات الجسدية والنفسية التي ستستمر مدى الحياة نتيجة العنف المتكرر والنزوح، ستتجاوز آثارها الحاضر بكثير، وستعرقل أي تعافٍ حقيقي خلال السنوات المقبلة».

وُضع الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت مكبس الاحتلال، فارتفع عدد القتلى في الضفة الغربية المحتلة إلى ما لا يقل عن 1,113 شخصاً بنيران الجيش الإسرائيلي والمستوطنين منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023. وفي الوقت نفسه، تتناسل المستوطنات، ويجري طرد الفلسطينيين وهدم بيوتهم، والاعتداء على محاصيلهم الزراعية ومواشيهم ومصادر مياههم، بل ومحاصرة بيوت السكان لإجبارهم على الإخلاء وفسح المجال أمام توسيع المستوطنات.

لكن الحرب الهمجية التي يتعرض لها الفلسطينيون ليست سوى أحد أوجه المؤامرة؛ أما وجهها الآخر فهو استراتيجية تصفية القضية الفلسطينية بصفتها قضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الاحتلال، وتحويلها إلى قضية إنسانية لجماعة بشرية من اللاجئين تحتاج إلى برامج دعم إنساني عالمي، وجلب «استثمارات» يستفيد منها جزء محدود ممن سيبقون في أماكنهم، مع تشجيع معظمهم على مغادرة البلاد نحو مناطق بعيدة في العالم.

هذا هو جوهر مشاريع دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، التي تترجم، في هذا التصور، رغبات الجناح الصهيوني ذي التوجه النيوفاشي المهيمن على الحكومة الإسرائيلية الحالية، والمقتنع بمشروع تطهير عرقي يؤدي إلى الترحيل الجماعي للفلسطينيين والفلسطينيات خارج وطنهم.

الجريمة قديمة والمؤامرات تتجدد

بدأ أصل الجريمة بكذبة صهيونية: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، شجعتها أوروبا الإمبريالية بدافع مصالحها وعنصريتها المعادية للسامية. وكان وعد بلفور سنة 1917، الصادر عن الحكومة البريطانية، منطلقاً لهذه المؤامرة. لكن ترجمة المشروع على أرض الواقع واجهت عقبات عملية، بسبب رفض قطاعات واسعة من يهود أوروبا أن تكون أداة لتنفيذ مخطط إمبريالي-صهيوني في ذلك الوقت.

ثم تعفّن الوضع العالمي مع صعود النازية وارتكابها جرائم بشعة ضد اليهود في عدد من البلدان الأوروبية. وقد أضفت تلك الجرائم، من خلال هولها، زخماً على مشروع استعماري استيطاني يخدم الإمبريالية الأوروبية ويخلصها من «المسألة اليهودية»، لا على شاكلة الإبادة النازية، بل عبر ترحيل يُقدَّم باعتباره طوعياً، بما يسمح بتشكيل قاعدة متقدمة مرتبطة بالمصالح الإمبريالية في المنطقة.

ارتفع عدد المهاجرين إلى فلسطين، وتغيرت طبيعة الهجرة من حجاج دينيين إلى تنظيمات صهيونية علمانية، وانتقل المشروع من مجرد الاستقرار بالقرب من الأماكن الدينية إلى السيطرة على الأراضي وتشييد المزارع الجماعية وتشكيل الميليشيات والتنظيمات المستقلة. أثار ذلك شعوراً متزايداً بالخطر، فتحركت الحركة الوطنية الفلسطينية لمواجهة المشروع، وتشكلت المقاومة المسلحة في ثلاثينيات القرن الماضي وتصاعدت العمليات العسكرية.

في هذا السياق صدر قرار التقسيم عن الأمم المتحدة سنة 1947، الذي رفضه الفلسطينيون، في حين قبلت به الحركة الصهيونية، التي أعلنت لاحقاً قيام إسرائيل، بدعم إمبريالي واعتراف من الاتحاد السوفياتي آنذاك، وهو ما مثّل، في نظر الفلسطينيين، طعنة غادرة بحق شعبهم.

ومنذ ذلك التاريخ، رفضت إسرائيل عملياً حدود التقسيم، وتملصت من القرارات اللاحقة التي عكست ميزان القوى العسكري لصالح المحتل، ولا سيما القرارات التي نصت على الانسحاب من الأراضي المحتلة سنة 1967 وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، مع وضع خاص للقدس.

ابتلعت إسرائيل، بفعل الحروب والاحتلال والتوسع الاستيطاني، مساحات واسعة من فلسطين، واحتلت الجولان السوري، كما تعتبر مساحات واسعة في بلدان الجوار الفلسطيني مناطق أمن حيوية تفرض فيها قيوداً وترتيبات مختلفة (سيناء، وجنوب سوريا ولبنان، والحدود الأردنية).

بل أكثر من ذلك، عرفت التحولات السياسية داخل إسرائيل انجرافاً واسعاً نحو اليمين الرافض لأي تسوية، كيفما كانت، مع الفلسطينيين، والمدافع عن توسيع الاحتلال والاستيطان، وإلغاء اتفاقيات أوسلو، وضم الضفة الغربية، وإعادة احتلال قطاع غزة، وطرد الفلسطينيين إلى الخارج. ويتحد هذا اليمين، بشقيه العلماني والديني، في دعم الاحتلال والتطهير والاستيطان واستمرار الحرب، وإن كان يختلف، وبشكل حاد، حول قضايا أخرى تخص الكيان الإسرائيلي.

فلسطين والأنظمة الرجعية في المنطقة

يقابل اشتداد القتل والدمار الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني صمت أنظمة الحكم الرجعية. وقد اعتدنا، خلال العقود الماضية، أن ترتفع بيانات الإدانة اللفظية وتصريحات الشجب والتنديد الفارغة، وأن تُعقد قمم للملوك والرؤساء لإلقاء خطب لا تغير شيئاً في الواقع.

ولا يمكن تفسير رد فعل أنظمة المنطقة بطباع دونالد ترامب الرعناء وتصميمه على ترجمة المشروع الصهيوني بطبعته النيوفاشية والسعي إلى التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، وليس كذلك بذريعة التهديد الإيراني وأذرعه، وتوظيفه القضية الفلسطينية لخدمة مصالحه.

في الواقع، تكن أنظمة الحكم الرجعية عداءً مستحكماً للنضال التحرري الفلسطيني، بغض النظر عن قيادته، كلما كان أكثر تصميماً على مواجهة الاحتلال وحريصاً على ترجمة تطلعات شعبه إلى التحرر، وكلما امتنع عن تسويق مخططات تصفية القضية الفلسطينية.

وترى تلك الأنظمة التابعة في النضال الفلسطيني مادة تحريضية مشتعلة لشعوب المنطقة عموماً، وغالباً ما يحفز على بناء حركات نضال شعبي ضد الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي داخل بلدان المنطقة. وهذا مصدر العداء الكبير تجاه القضية الفلسطينية، وهنا يكمن سر تواطؤ الأنظمة المستمر مع المحتل وداعميه الإمبرياليين لتصفيتها.

أما التضامن اللفظي والإدانات الكلامية، فهما رهينان بمنسوب التضامن الشعبي الواسع أو بخفوته. أما الأنظمة الحاكمة، فلا تخفي مواقفها من خلال تأكيدها على إيجاد «حل شامل» للقضية الفلسطينية، كان يقوم، في وقت من الأوقات، على قاعدة المبادرة العربية القائمة على حل الدولتين ضمن حدود 1967، مع تعديلات في إطار تبادل الأراضي.

غير أن هذا الخيار يواجه واقعاً شديد التعقيد، بفعل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المتواصل، وصعود اليمين ذي التوجه النيوفاشي في إسرائيل، واتساع دائرة الأنظمة العربية التي طبّعت علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي على نحو غير مسبوق.

كوة ضوء في قاع ظلام دامس

لم تنتهِ الحرب على غزة وفي جوارها، بل إن الوضع قابل للانفجار بعنف أشد، وأن ينتج عنه كوارث أكبر مما شهدناه من قبل. فكل القوى تضع أصبعها على الزناد، في ظل تشابك أزمات عصية على الحل، وقضايا متداخلة، من بينها القضية الفلسطينية. وتتصدّر الواجهة الآن مخططات مرعبة ستكلّف الشعوب أثماناً باهظة، ما لم تُقوَّضها بإرادتها وبفعل مصالحها المستقلة عن الأنظمة المتصارعة على السيطرة والنفوذ.

لكن هناك بارقة أمل قد تشكل نقطة ارتكاز لترجيح انتصار بدائل ديمقراطية لصالح الشعوب، وهزيمة المشاريع الرجعية التي يقودها تحالف الإمبريالية والصهيونية والأنظمة التابعة. تتمثل هذه البارقة في الحركة التضامنية العالمية مع القضية الفلسطينية والمناهضة للاحتلال الإسرائيلي، في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بلدان أوروبية عديدة، والتي بدأت بعض نتائجها تظهر تباعاً.

ومن بين هذه النتائج: مقاطعة رسمية لمنتجات بعض المستوطنات، وقرارات اتخذتها بعض الأحزاب تصنف الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية ومساندة حق الفلسطينيين في النضال ضد الاحتلال، كما حدث في مؤتمر حزب الخضر البريطاني، وحملات عدد من المرشحين الرافضة لتمويلات الشركات الخاصة والمنظمات الداعمة لإسرائيل، وحملة المطالبة بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ناهيك عن اصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

إنها تغيرات مهمة من شأنها أن تقبر مسلسل التواطؤ المديد مع جرائم الاحتلال، وأن تفتح أعين الجماهير التي ظلت لعقود تحت رحمة دعاية تضليلية تبرر الاحتلال الاستيطاني، وتلغي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والاستقلال الوطني على أرضه، وحق اللاجئين في العودة.

وقد يعيد ذلك القضية الفلسطينية إلى جذورها الأولى، ويعززها بحركة دعم شعبي واسعة تجرف شعوب المنطقة لاستئناف سيرورتها الثورية ودمج التحرر الفلسطيني في إطار  هدف التحرر الشامل للمنطقة من السيطرة الإمبريالية ومن أنظمة الحكم التابعة والمستبدة.

بقلم: أحمد أنور

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟