الموقع تجريبي

وفاة سيدة بدوار إكضي بطاطا: القاتل ليس سم أفعى بل سياسة تهميش وإقصاء

أُعلن عن وفاة امرأة، بسبب لدغة أفعى سامة، إثر معاناة مع الألم لمدة ثلاثة أيام بالمستشفى الإقليمي لطاطا، الذي ظل عاجزًا عن توفير العلاج لمواطنة تصارع الموت بسبب عدم توفر الأمصال المضادة للسم. كما رفض المستشفى الجامعي بأكادير استقبال الضحية بدعوى امتلاء طاقته الاستيعابية وغياب سرير شاغر، وتنقل أخيرا للمستشفى العسكرى بكلميم حيث فارقة الحياة.

هذه الحادثة مثال ملموس على ما يعانيه الشعب يوميًا، وخصوصًا في المناطق النائية، حيث تتردى الخدمات الصحية بسبب نقص الأطر الطبية وفقدان الأدوية والتجهيزات الضرورية، وبسبب تبعية هذه المناطق للمراكز الجهوية التي تعاني بدورها من ضغط الاكتظاظ، فتغلق أبوابها في وجه المرضى وتتركهم يواجهون مصيرهم، ألمًا وموتًا.

ليست هذه الوفاة الأولى من نوعها في إقليم طاطا، فقد تكررت خلال السنوات الأخيرة حالات وفاة لنساء بسبب تبعات الحمل، وحالات أخرى بسبب لدغات الأفاعي السامة. في أغلب مثل هذه الحالات يضطر المرضى أو المصابون إلى المرور عبر المستشفى الإقليمي، قاطعين عشرات الكيلومترات، قبل أن يُحالوا إلى مستشفيات أكادير، بعد هدر وقت ثمين ومعاناة لا مبرر لها. وبذلك تحول المستشفى الإقليمي بطاطا إلى مجرد محطة للتأشير على تحويل المرضى إلى المستشفى الجهوي أو الجامعي بأكادير.

 

موسم الوعود الانتخابية المعسولة لساكنة يقتلها سمّ الواقع

وقع هذا الحادث المؤلم في عز انتخابات برلمانية كسرت رتابة مداشر وقرى الإقليم، التي اخترقها ضجيج مواكب الأحزاب ووجوه لا تظهر إلا عشية الانتخابات بوعود معسولة، ثم تختفي حتى تقترب الانتخابات من جديد.

ليس هذا الوضع الكارثي للصحة بطاطا سوى نتيجة لسياسة اقتصادية يحكمها التقشف في الميزانية الاجتماعية، وفي مقدمتها الصحة، إلى جانب إقصاء ساكنة المناطق البعيدة عن المراكز الجهوية الأساسية. فإقليم طاطا المترامي الأطراف، الذي يغطي مساحة واسعة من جهة سوس ماسة، تُترك ساكنته لمواجهة مصيرها، رغم نضالات عديدة خاضتها في مختلف الجماعات تنديدًا بتدهور مستشفيات القرب، وغياب الأطر والأدوية والتجهيزات، واحتجاجًا على وضعية المستشفى الإقليمي. وهي احتجاجات غضب تحاول السلطة امتصاصها بوعود لا تتحقق، أو بحجب الحقائق من خلال تصريحات مضللة ونشر معطيات كاذبة.

 

النضال من أجل صحة عمومية: معركة مستمرة.

خاضت ساكنة إقليم طاطا نضالات تاريخية دفاعًا عن الصحة العمومية، وضد نظام “مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة” السيكما (SEGMA)، أغنت دروسها تجارب الحركات الاحتجاجية الاجتماعية بالمغرب، وشكلت نموذجًا غنيًا للتعبئة الشعبية المناهضة لتسليع الخدمات الصحية وخوصصتها.

وتعود الانطلاقة الأولى لهذه المعركة الشعبية إلى ربيع سنة 2005، بعد البدء الفعلي في تطبيق مقتضيات نظام السيكما (SEGMA) وفرض رسوم استشفائية بالمستشفى الإقليمي بطاطا. حينها، أسست الساكنة تنسيقية «هيئة الدفاع عن مجانية وجودة الخدمات الصحية بإقليم طاطا»، التي ضمت أكثر من 30 إطارًا سياسيًا ونقابيًا وجمعويًا.

وتميزت الاحتجاجات بإبداع أشكال النضال وتقنيات التعبئة، وبنيات التنظيم، ومنهجية اتخاذ القرارات، وضبط عملية التفاوض مع السلطات محليًا ومركزيًا. ومن أهم المحطات والأشكال النضالية التي عرفتها تلك المعركة:

  • مسيرة الشموع ومسيرة «الكاصرونة والكاميلة»:   والبطاقات الحمراء…..مسيرات حاشدة جابت شوارع المدينة، استُعملت فيها أواني الطبخ كرمز للفقر وللتأثير المعيشي لفرض رسوم العلاج.
  • الاعتصامات المفتوحة والوقفات الاحتجاجية: نُظمت وقفات إنذارية، وأُقيم مخيم واعتصام طويل أمام مندوبية وزارة الصحة وأمام مقر العمالة.
  • مقاطعة أداء رسوم «السيكما»: كخطوة في اتجاه العصيان المدني السلمي، رفض المواطنون دفع تسعيرات الخدمات الصحية، متمسكين بحقهم في العلاج المجاني.

 

القاتل ليس سم أفعى، بل سياسة تهميش وإقصاء

إن وفاة سيدة من دوار إكضي ليست مجرد نتيجة لتسمّمها بسمّ أفعى؛ فهي ضحية سياسة دولة لم توفّر دواءً اكتشفته الإنسانية منذ عقود، ولم توفّر بنية صحية قادرة على الاستجابة لحاجيات المرضى، فتركتهم يواجهون الألم والموت.

لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى الإقصاء والتحقير والتمييز الذي يطال أبناء شعبنا الكادح. فماذا كان سيكون عليه تصرّف الدولة لو تعلّق الأمر بمواطن من دولة استعمارية؟ أو برأسمالي كبير؟

لا شك أن إمكانات الإسعاف كانت ستُعبّأ، وأن طائرة كانت ستُرسل للإغاثة، وأن جناحًا خاصًا كان سيُوفّر، ولحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، بما يليق بمقام صاحبها ويحظى بأقصى قدر من الاهتمام.

إنها سياسة طبقية وإقصائية لا يمكن مواجهتها إلا بالنضال الجماعي والميداني، دفاعًا عن:

  • خدمات صحية عمومية جيدة ومجانية، من خلال توفير الأطر الطبية والتمريضية والتقنية المتخصصة على المستوى الإقليمي، وإحداث صيدلية عمومية حقيقية، وتوفير تجهيزات طبية تتيح أكبر قدر ممكن من التدخل والاستقلالية في العلاج.
  • مستشفيات للقرب توفّر الخدمات الضرورية، ومراكز للولادة في الجماعات، مع توفير الأطر والتجهيزات اللازمة.
  • اتخاذ إجراءات تحفيزية لتشجيع الأطر الطبية والتمريضية على العمل في المناطق النائية، مع تقليص استثنائي لمدة الحق في الانتقال إلى جهات أخرى.

ولا سبيل لتغيير هذا الواقع سوى بالنضال جماهيري ينطلق من المستوى المحلي والإقليمي، لكن أفقه وطني، لأن مصدر سياسة التقشف هو سياسة الدولة نفسها، التي تسعى إلى تحويل صحة المغاربة إلى منجم ذهب للمستثمرين الخواص في قطاع الصحة.

 

مراسل المناضلة الاشتراكية.

29/09/2026

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟