مع انتهاء العطلة الصيفية، ينطلق المسلسل الانتخابي لتجديد مؤسسات واجهة الحكم(البرلمان والحكومة والمجالس المحلية والجهوية، وغيرها من المؤسسات والهيئات). وككل خمس سنوات، ستُستعاد الجلبة الانتخابية ذاتها؛ جلبة لا تعكس حيوية سياسية حقيقية، ولا انتعاشًا في الحياة الحزبية أو النقاش العام، بقدر ما تعكس ضخّ الدولة الأموال في شرايين أحزابها، لتعبئتها من أجل تنظيم المواكب الانتخابية، وكراء المقرات، وأداء أجور فرق توزيع المنشورات، وكراء السيارات، وطبع اللافتات والقمصان الانتخابية… إلخ.
إنها جرعات مُنشِّطة تحقنها الدولة في جسد أحزابها كلما اقترب موعد الانتخابات، قبل أن تعود معظمها إلى موتها السريري بمجرد انتهاء مفعول المنشط. فما يسمى «التنافس الانتخابي» ليس، في جوهره، تنافسًا بين مشاريع اجتماعية متعارضة، بل صراعا داخل معسكر الطبقات المالكة حول مواقع تدبير مؤسسات واجهة الحكم، في ظل احتفاظ السلطة الحاكمة فعليًا بمفاتيح القرار الاستراتيجي.
ثلاث وقائع تكشف حقيقة الوضع
قبل انطلاق العملية الانتخابية، شهدت الأسابيع الماضية ثلاث وقائع ذات دلالة تكشف، بمجملها، طبيعة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام، باعتباره أساسًا ماديًا لفهم الطبيعة الطبقية لمختلف التنظيمات السياسية والتعبيرات الإيديولوجية في المجتمع. فالانتخابات ليست، في نهاية المطاف، سوى إحدى قنوات التعبير عن مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية المتصارعة. ترتبط الواقعة الأولى، بالتدخل الإمبريالي الأمريكي ببلدنا، أما الثانية فترجع للهجرة الجماعية للشباب نحو سبتة، فيما الحدث الثالث له علاقة بما يحضره النظام للتحكم في تشكيلة الحكومة، لاسيما رئاستها.
دلالة الواقعة الأولى: الإمبريالية الأمريكية تعمّق قبضتها
وقعت في أواسط يوليوز من السنة الجارية اتفاقية عسكرية يُفتتح بموجبها مركز أمريكي بناحية مدينة طانطان في أفق سنة 2030 لـ«التدريب والاستشارة» العسكرية، لفائدة تأهيل قوات دول الساحل والصحراء و«تطوير» قدراتها على مواجهة «الإرهاب» و«تهريب المخدرات» و«الاتجار في البشر». لكن خلف هذه العناوين العامة تكمن الحقيقة الطبقية والجيوسياسية: الإمبريالية لا تتخلى عن مواقعها، بل تعيد ترتيب انتشارها وأشكال تدخلها بما يتلاءم مع حاجاتها ومصالحها.
فحين تتقدم الإمبريالية الأمريكية عسكريًا في المنطقة تحت عناوين «التكوين» و«الاستشارة» و«مكافحة الإرهاب»، فإن الأمر يتعلق، في الجوهر، بتعزيز نفوذها العسكري والسياسي وحماية مصالحها الاستراتيجية.
وفتح مركز عسكري أمريكي في المغرب، في سياق تصاعد التنافس الإمبريالي على إفريقيا، ليس تفصيلًا تقنيًا أو أمنيًا معزولًا، بل مؤشرًا على تعميق علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية والأمنية، وعلى إعادة تثبيت الحضور الأمريكي في المغرب بعد عقود من الإغلاق الرسمي لقاعدته العسكرية بالقنيطرة.
إن السيادة الوطنية تُقاس بمدى قدرة الشعوب على التحكم في ثرواتها وقرارها السياسي والعسكري، ورفض تحويل بلدانها إلى ساحات نفوذ وتنافس بين القوى الإمبريالية.
دلالة الحدث الثاني: الشباب يقتحمون الحدود هربًا من واقعهم
شهد معبرا سبتة ومليلية في نهاية شهر يوليوز الماضي اقتحامًا جماعيًا من طرف آلاف المهاجرين من جنسيات مختلفة، أغلبهم مغاربة. وبصرف النظر عن تفاصيل الحدث والجهات التي قد تكون متواطئة أو مستفيدة منه، فإن جوهر المسألة لا يحتاج إلى كثير من التأويل، هناك بلد يدفع قطاعات واسعة من شبابه إلى البحث عن مخرج خارجه.
لماذا؟ لأن الفارق في الأجور وفرص العمل والحقوق الاجتماعية وشروط الحياة والحماية القانونية يجعل أوروبا، رغم كل ما تعرفه من تراجع في المكتسبات الاجتماعية وصعود اليمين المتطرف والفاشي، تبدو بالنسبة إلى قطاعات واسعة من شباب بلداننا أفقًا أفضل من واقعهم.
إن الهجرة الجماعية لا يمكن وقفها بالأسلاك الشائكة والقمع والترحيل. إنها تعبير اجتماعي عن أزمة النظام القائم وعجزه عن توفير العمل والعيش الكريم والمستقبل. فالشاب الذي يخاطر بحياته في البحر لا يبحث عن «مغامرة»، بل عن حياة لم يجد شروطها في بلده.
وهنا تكمن المفارقة الصارخة: بينما تُفتح البلاد على مصراعيها أمام الرساميل والاستثمارات الإمبريالية والمشاريع الكبرى، تُغلق الأبواب في وجه الشباب الباحث عن حقه في العمل والحياة.
دلالة الحدث الثالث: من يحدد فعليًا تركيبة حكومة الواجهة؟
أما الحدث الثالث، فيتمثل في إعلان فوزي لقجع، الوزير المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ورئيس لجان تنظيم كأس العالم 2030 بالمغرب، التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة.
لم يكن هذا الانتقال مجرد قرار شخصي عادي في نظر الأحزاب البرجوازية. فهي تعرف أن التحركات السياسية لشخصيات محددة قد تكون مؤشرات على اتجاهات الترتيب السياسي للمرحلة المقبلة، وعلى طبيعة الواجهة الحكومية التي يجري إعدادها. ولهذا تسارع هذه الأحزاب إلى ضبط أشرعتها وفق اتجاه الرياح.
إن الأحزاب المشاركة في الانتخابات تنتمي، على اختلاف مواقعها وخطاباتها، إلى مجال سياسي برجوازي ملكي، مع تمايزات حقيقية بينها في المصالح والأساليب والبرامج.
فهناك أحزاب برجوازية ليبرالية معارضة، وأحزاب ارتبط تشكلها وتطورها تاريخيًا بقرار من دوائر الحكم، كما هو حال حزب التجمع الوطني للأحرار الذي أسسه أحمد عصمان، صهر الملك الراحل، سنة 1978، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي تأسس سنة 2008 بمبادرة من فؤاد عالي الهمة، وزير الدولة في الداخلية سابقًا ومستشار الملك حاليًا.
فمن عيّن لقجع وزيرًا مكلفًا بالميزانية في الحكومة الحالية، مع كذبة «التقنوقراطي اللاحزبي»، بحجة أن مهامه تقنية ومحايدة؟ والحقيقة أن الميزانية هي ترجمة لاختيارات سياسية وطبقية: من يدفع؟ ومن يستفيد؟ ومن يتحمل كلفة السياسات العمومية؟ وإلى أي طبقات يجري تحويل الثروة الوطنية؟ ومن يملك سلطة تحديد الاتجاه العام والخيارات الاستراتيجية؟ بالتأكيد، ليست الحكومة ولا البرلمان.
إن مركز القرار الفعلي هو مؤسسة الحكم الملكي، بما تمتلكه من سلطات دستورية وسياسية واقتصادية وأمنية واسعة، وبما يتجاوز عمليًا حدود التوزيع الشكلي للاختصاصات بين مؤسسات الدولة. ولهذا فإن تغيير الحكومة أو الأغلبية البرلمانية لا يعني تغيير مركز السلطة ولا الخيارات الاقتصادية والسياسية الكبرى.
انتخابات لتدبير استراتيجية النظام الحاكم
لا يدخل النظام هذه الانتخابات من موقع المتردد أمام مستقبل مجهول. استراتيجيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية محددة لعقود قادمة. جوهرها هو مواصلة تعميق السياسة النيوليبرالية، وتعزيز شروط تراكم الرأسمال الكبير المحلي والإمبريالي، عبر خوصصة الثروة والخدمات العمومية، وتوسيع مجال السوق، وتوظيف الدين العمومي والصفقات العمومية في إعادة توزيع الموارد نحو الرأسمال، وتكثيف استغلال الطبقة العاملة واستخلاص معدلات مرتفعة من فائض القيمة.
ويجري ذلك عبر إبقاء الأجور منخفضة، وإضعاف الحماية الاجتماعية، وتفكيك المكتسبات، وانتهاك حتى الحدود المحدودة التي يقرها قانون الشغل.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية أكبر في سياق الرهانات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030. فالنظام يحتاج إلى حكومة واجهة قادرة على تنفيذ هذه السياسات، وتسريع المشاريع الكبرى، وتعبئة المال العام، وضمان شروط استثمار الرأسمال، واحتواء الاحتجاجات الاجتماعية.
المشكلة، إذن، ليست أن النظام يواجه معارضة برجوازية قوية تضغط لإعادة توزيع مرتكزات السلطة. العكس هو الأقرب إلى الواقع: إنه يواجه تصحرًا سياسيًا وحزبيًا، وإفلاسًا متزايدًا للأحزاب الرسمية، وتكلسًا في بنياتها، وتراجعًا في قدرتها على إعادة إنتاج «الولاء» السياسي.
ولهذا يلجأ النظام بصورة متزايدة إلى استقطاب الكفاءات التقنية والاقتصادية، وإدماجها في أحزاب الواجهة، ثم تقديمها للرأي العام باعتبارها «نخبًا جديدة». لكن النتيجة ليست تجديدًا للحياة السياسية، بل المزيد من إفراغ السياسة من مضمونها.
وهذا الوضع يخدم النظام؛ فكلما ضعفت الأحزاب البرجوازية، وضعف معها التنافس السياسي الحقيقي، ازدادت قدرة مركز الحكم على التحكم في المجال السياسي. لكن هذه الهيمنة تحمل تناقضها في داخلها: فإذا انفتح المجتمع على أزمة سياسية واجتماعية عميقة، فلن يبقى أمام النظام سوى توسيع الاعتماد على أدوات القمع والإكراه المباشر والشرس، وقد رأينا نماذج لذلك في قمع حراك الريف، وفي التعامل القمعي مع احتجاجات الشباب.
أين الشعب العامل والكادح؟ المقاطعة ليست بديلًا عن التنظيم
لا أحد ينتظر، في الواقع، أن يتمخض عن الانتخابات الحالية أدنى تغيير؛ فالغاية تولي طاقم حكومي تنفيذ استراتيجية مقررة سلفًا.
لكن العزوف الجماهيري الواسع عن الانتخابات لا ينبغي تحويله إلى أسطورة سياسية. فهذا العزوف يعبر عن فقدان الثقة في مؤسسات الواجهة وفي الأحزاب البرجوازية، وعن إدراك قطاعات واسعة من الجماهير أن الانتخابات لا تمنحها القدرة الفعلية على تقرير مصيرها.
فتمجيد المقاطعة الجماهيرية السلبية واعتبارها، في حد ذاتها، فعلًا طبقيًا واعيًا، يمثل خلطًا بين امتعاض الجماهير من جدوى الانتخابات وبين امتلاكها أفقًا بديلًا يترجم إلى ممارسة جماعية لفرضه وبناء أدوات تحقيقه.
هناك فرق جوهري بين المقاطعة السلبية، أي الامتناع الفردي عن التصويت، وبين المقاطعة الجماعية النشطة التي تتحول إلى فعل سياسي منظم، وتربط رفض الانتخابات بالنضال ضد السلطة وبناء بديل سياسي مستقل.
المطلوب هو تنظيم الجماهير العمالية والشعبية، وربط نضالاتها اليومية، وتوحيد مطالبها، وبناء استقلالها السياسي والتنظيمي، وتحويل قوتها العددية والاجتماعية إلى قوة سياسية قادرة على مواجهة الرأسمال والاستبداد.
الطبقة العاملة بلا حزبها المستقل
هنا تبرز المشكلة الأساسية. فالطبقة العاملة المغربية لا تزال محرومة من أدواتها السياسية المستقلة. فالمنظمات النقابية لا تؤطر سوى جزء محدود من مجموع الشغيلة، كما أن قياداتها واقعة، بدرجات مختلفة، تحت تأثير قوى سياسية برجوازية أو إصلاحية. أما حزب عمالي مستقل، حتى في صيغته الإصلاحية، فلا وجود له بالمعنى السياسي الفعلي. وهذا الفراغ ليس تفصيلًا تنظيميًا؛ إنه جوهر المأزق.
فالمعارضة الليبرالية تستطيع أن تستفيد من القوة العددية للعمال والكادحين، وأن تستعمل نضالاتهم كورقة ضغط على النظام، وفي التفاوض والتوافق معه عندما تبلغ حدود مصالحها الطبقية.
ولهذا فإن استخدام العمال كقوة ضغط لصالح مشروع برجوازي معارض لا يحررهم من استغلال الرأسمال، بل يعيد إدماجهم في لعبة الصراع بين أجنحة الطبقة المالكة.
إن استقلال الطبقة العاملة سياسيًا شرط لتحررها. ومن دونه يصبح الحديث عن استعمال عمالي للانتخابات وللمؤسسات البرجوازية مجرد ترديد لشعارات لا تسندها قوة طبقية منظمة، أو خطابًا موجّهًا إلى الطلائع المناضلة.
مهمتنا: تغيير ميزان القوى
انطلاقًا من طبيعة الوضع السياسي وموازين القوى الطبقية القائمة، فإن المهمة المركزية لمعسكر العمال والكادحين هي تغيير ميزان القوى لمصلحتنا.
ويبدأ ذلك بالنضال ضد استراتيجية النظام في خدمة الرأسمال الكبير المحلي والإمبريالي، وبالدفاع عن المطالب الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، وعن الحريات الديمقراطية، وعن الحق في التنظيم والإضراب والاحتجاج.
وربط تلك المطالب اليومية بإجراءات تمس مصالح الرأسمال الكبير، وتعيد توزيع الثروة لمصلحة العمال والكادحين، وتضع القطاعات الاستراتيجية والثروات الوطنية تحت رقابة المجتمع، واستعادة الشركات والقطاعات العمومية التي تمت خوصصتها، وإجراء تدقيق شعبي في المديونية العمومية الخارجية والداخلية، وقلب المنظور الاقتصادي بمجمله بما يحمي ثرواتنا وبيئتنا ومواردنا الطبيعية من الاستنزاف الرأسمالي.
ويجب، في الوقت نفسه، النضال من أجل التحرر من التبعية للإمبريالية، ورفض تحويل البلاد إلى منصة لمصالح القوى الإمبريالية، والدفاع عن حق شعوبنا في تقرير مصيرها، وبناء وحدة شعوب المغرب الكبير على أساس مصالح العمال والكادحين، لا على أساس تنافس الأنظمة والبرجوازيات.
وفي مسار هذا النضال ستُطرح، بصورة عملية، الأسئلة: من يقرر؟ من يضع البرنامج؟ من ينفذه؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ولصالح أي طبقة؟
من انتخابات الواجهة إلى الجمعية التأسيسية
نعتقد أن حق الشعب المغربي في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي، باعتباره صاحب السيادة الفعلية، يقتضي القطع مع احتكار القرار السياسي من طرف مؤسسة الحكم والنخب البرجوازية المرتبطة بها.
ومن هذا المنظور نطرح انتخاب جمعية تأسيسية ديمقراطية على أساس الاقتراع العام والتمثيل النسبي، باعتبارها آلية لتمكين الشعب من تقرير شكل الدولة ومؤسساتها ودستورها بصورة ديمقراطية.لكن الجمعية التأسيسية لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها.
فالطبقة العاملة تدخل هذا الصراع ببرنامجها المستقل، وبمطالبها الطبقية، وبمنظور اشتراكي بيئي وأممي، وتسعى إلى كسب أوسع قطاعات الشعب الكادح إلى جانبها. إن المعركة ليست من أجل مقاعد داخل مؤسسات واجهة الحكم، ولا من أجل استبدال وجوه برجوازية بوجوه برجوازية أخرى.
المهمة التاريخية هي من أجل بناء قوة سياسية مستقلة للعمال والكادحين. قوة قادرة على توحيد النضالات، وتغيير ميزان القوى، وانتزاع القرار من أيدي الأقلية المالكة، وفتح الطريق أمام مجتمع يضع الثروة والسلطة تحت سيطرة المنتجين والمستغَلين.
فما نحتاجه ليس حكومة واجهة جديدة، بل قوة اجتماعية وسياسية جديدة قادرة على فرض تغيير جذري في اتجاه مصالح العمال والكادحين.
لا لتجديد واجهة الحكم
نعم لبناء القوة السياسية المستقلة للعمال-ات والكادحين-ات
المناضلة الإشتراكية