بعد ركود دام سنوات، تظهر من جديد لافتات على الواجهات تحمل أسماء ورموز أحزاب سياسية، تظهر كل خمس سنوات ثم تختفي من جديد. أحزاب لا أثر لحضورها في دعم النضالات العمالية والشعبية، ولا تجرؤ حتى على التعبير عن مساندة نضالات الريف و«جيل زيد»، بل هي جبانة حتى عن التنديد بإطلاق الرصاص الحي في احتجاجات اجتماعية بسيطة. أحزاب لا تتوفر على صحافة حزبية، ولا على مواقع إلكترونية أو صفحات فاعلة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا على مقرات لتأطير أعضائها؛ ولا تنتج آراءً أو دراسات حول قضايا المجتمع. أحزاب لا تتوفر على قاعدة حزبية حقيقية، ولا على تنظيمات للشباب والنساء والهيئات المهنية.
وأفضلها حالًا يتوفر على بعض البرلمانيين، معظمهم لم يتدخل لأكثر من خمس عشرة دقيقة طيلة ولايته، أو على ممثلين في الهيئات المحلية والجهوية.
ومع ذلك، تتلقى هذه الأحزاب دعمًا سخيًا من المال العمومي، وتحرص قياداتها على نيل الكراسي في الهيئات التي تدرّ ريعًا وفيرًا تحت بند «التعويض عن المهام»، كما تستغل هذه المواقع لربط الصلات الضرورية لتسهيل مناخ الأعمال، أو ما يُسمى في الدارجة بـ«الهميزات».كما تتحول الانتخابات إلى موسم لبيع التزكيات للرأسماليين والباحثين عن حصانة، أو عن مطية للتسلل إلى شبكة العلاقات المتشابكة، من أجل تسوية قضايا فساد وجرائم يعاقب عليها القانون.
الوسط المخملي العفن للحياة الحزبية في المغرب
لكن كيف نشأ هذا المستنقع؟ ومن يغذي مياهه الآسنة؟ ومن المستفيد من إفقاد التنظيم الحزبي والنضال السياسي معناهما، ومن تقويض معنى الانتخاب الحر؟
صك الاتهام موجّه إلى النظام السياسي الاستبدادي، الذي يستحيل أن يتعايش مع صحافة حرة، واستقلال أكاديمي، وتنظيمات حزبية جادة ومستقلة، أو أن يقبل بحريات ديمقراطية حقيقية يمارسها الشعب. كما يستحيل أن يسمح للهيئات المهنية بممارسة أدوارها في الدفاع عن أعضائها، أو أن يقبل ببرلمان فعلي يمارس دوره في التشريع والرقابة الحقيقية.
إن النظام الاستبدادي يعمل على تقويض كل ذلك وإضعافه وإفقاده المصداقية. وليس المستهدف فقط من يعارضه، بل حتى الأحزاب والمنظمات والأوساط الداعمة للنظام السياسي، متى كانت حريصة على استقلاليتها؛ فهي بدورها عرضة للتفجير والتضييق، ويُنظر إليها كخطر ينبغي تحييده.
المبدأ هو: إضعاف الجميع، والإبقاء عليهم في وضعية ضعف، وجعل بقائهم رهينًا برعاية النظام السياسي وعطفه، بدل أن يستندوا إلى قوتهم الشعبية وجهودهم الذاتية.
الاستبداد يرعى الفساد ويعمّمه، وينخر الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، ويتسرب كالغازات السامة ليخترق كل المنافذ في المجتمع، ويسود ثقافة رجعية جوهرها: الجميع فاسد، ولا أمل في التغيير.
وبالنسبة لمعظم هذه الأحزاب، انتهى زمن المناضل الحزبي، والأحزاب مجرد أسماء قابلة للبيع للرأسماليين، الذين يغيّرون الحزب كما يغيّرون ربطة عنقهم.
بعد تحطم قاعدة أحزاب المعارضة الليبرالية، ممثلة في «الكتلة الديمقراطية»، وبعد عصر العدالة والتنمية ورميه محطّمًا، بالكاد يمكن الحديث اليوم عن أحزاب سياسية بالمعنى الجاد للكلمة.
ما نراه الآن هو أحزاب برجوازية، أي أحزاب لا تسعى إلى تجاوز النظام الرأسمالي، ووفية لاستمرار جوهر الحكم السياسي اللاديمقراطي واستقراره. وأفضلها لا يتجاوز طموحه تمني الوصول إلى ديمقراطية ليبرالية بالتدرج وعبر التوافق مع الحكام؛ وهي نفس متمنيات أحزاب «الكتلة الديمقراطية» سابقًا. أما الغالبية العظمى، فمجرد أسماء لا دور لها سوى أداء دور تمثيلي في مسرحية ، هدفها إظهار تعددية حزبية زائفة وخادعة.
ماذا سيتغير من واقع الشعب المغربي؟
هل ستختفي البطالة؟ وهل سيصبح من حق المعطلين والمعطلات الحصول على تعويض عن حرمانهم-هن من العمل؟ هل سنقضي على الأمية؟ وهل سيختفي الهدر المدرسي؟ هل ستتقلص ساعات العمل دون خفض الأجور؟ هل سترتفع الأجور بما يتناسب مع تدهور القدرة الشرائية، وسيتم ربطها بمستوى الأسعار؟
هل سنفتح ملف الديون العمومية، الخارجية والداخلية، وندقق في أين صُرفت، ومن المستفيد منها؟ هل سندقق في عمليات خوصصة المؤسسات والشركات العمومية التي بيعت للرأسمال الخاص، ونعيد تأميم ما يكتسى منها أهمية استراتيجية؟
هل سيُفرج عن السجناء السياسيين؟ وهل ستتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال العقود الأخيرة؟ هل ستُصان حرية التعبير والصحافة من المنع والتضييق؟ وهل ستُحترم حرية التنظيم والإضراب دون مساس؟ وهل سيتغير الوضع بما يجعل شبيبتنا تكف عن المخاطرة بحياتها في قوارب الهجرة السرية؟
الجواب واضح
الجواب يعرفه الحكام، وتعرفه الأحزاب المشاركة في الانتخابات والمقاطعة لها، ويعرفه المواطنون والمواطنات، على اختلاف اهتماماتهم ومستوياتهم الفكرية وأشكال نشاطهم السياسي:
لا شيء سيتغير من واقع كادحي وكادحات الشعب المغربي، سوى أن فريقًا آخر سيمتطي ظهره للسنوات الخمس القادمة، لتنفيذ مخططات جاهزة أعدّها الحكام الحقيقيون، وهم خارج التقييم والنقاش والمحاسبة وفوق النقد.
ليست الحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات سوى واجهة شكلية. وتكفي قراءة مواد دستور 2011، لكن الأهم من ذلك هو الدستور العملي، للوصول إلى خلاصة واضحة:
من أجل تغيير شامل وجذري للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وفرض الديمقراطية الحقيقية، لا بد من مواصلة ما بدأه جيل المناضلين والمناضلات المناهضين للاستعمار والاستبداد، وصولًا إلى تقرير مصير الشعب المغربي.
ماذا بعد؟
المطلوب ليس تكرار ما يعرفه الشعب الواعي سياسيًا، بل تقديم أجوبة عن سؤال: ما العمل؟
هل المطلوب الاستسلام لواقع بقاء أغلبية الشعب المغربي، التي لا تملك في معظمها سوى قوت يومها، مجرد كتلة بشرية بلا رأي في تحديد مصيرها، وحماية ثرواتها، وصيانة استقلالها عن التبعية للغزاة الإمبرياليين؟ هل سيبقى ملايين العمال والعاملات جموعًا تُساق من طرف أحزاب سياسية تدافع عن مصالح البرجوازية؟
كيف نسدّ الفجوة بين نضالات اجتماعية دورية، لكنها تتعرض للحصار والعزلة والقمع، وبين غياب تنظيمات عمالية وشعبية تعمل على مدّ شبكات التضامن على الصعيد الوطني، وبناء ميزان قوى قادر على فرض المطالب الاجتماعية والسياسية؟
إن امتلاك عمال-ات وكادحي-ات المغرب حزبهم، المعبر بوضوح عن مصالحهم، والمستقل عن البرجوازيين ودولتهم، يمثل سبيلًا أساسيًا لتجاوز معضلة طبعت نضالات الشعب المغربي الكادح، وحكمت على تضحياته، في مواجهة الاستبداد والفساد، بأن تذهب سدىً دون تحقيق أهدافه التاريخية في التحرر والانعتاق.
المطلوب هو بناء حزب بهوية عمالية ، أي حزبًا مناهضًا للرأسمالية والاستبداد، ومدافعًا بلا هوادة عن مصالح الطبقة العاملة وسائر الفئات الكادحة؛ حزبًا مستقلًا سياسيًا وماديًا وعضويًا عن البرجوازية وعن دولتها؛ حزبًا لا يُنصّب نفسه بقرار فوقي، بل تكون مادته التنظيمية والسياسية من طلائع النضال العمالي والشعبي.
لكن كيف نبدأ في بناء هذا الحزب؟ ومن أين نبدأ؟ وهل السياق والظروف مناسبين لطرح هذه المهمة على بساط النقاش؟
ذلك جانب آخر من المسألة، يستدعي تناوله على حدة.
بقلم: مجيد أيور