الموقع تجريبي

الماركسيون والانتخابات إلى مؤسسات النظام؟

يعود السؤال نفسه، مع كل موسم انتخابي، إلى الواجهة داخل اليسار: ما الموقف من الانتخابات ومؤسسات النظام؟ هل تكون مقاطعة الانتخابات موقفًا مبدئيًا لدى الاشتراكيين؟ أم أن الانتخابات والبرلمان يمكن أن يُستخدما، في شروط محددة، منبراً للدعاية الاشتراكية والتحريض والتنظيم، وخدمةً للنضال الطبقي خارج المؤسسات البرلمانية وداخلها؟

نُعيد نشر هذا النص، الذي كُتب عشية انتخابات 2009، لما يطرحه من أسئلة ما تزال راهنة بقوة اليوم، حول الموقف الماركسي من الانتخابات، وحدود العمل البرلماني، وخطر الانزلاق إلى النزعة البرلمانية، والشروط التي يمكن في ظلها استخدام الانتخابات والبرلمان كتَكتيك في النضال الطبقي، لا كغاية في حد ذاته.

بالنسبة للماركسيين، لا يتعلق الأمر بالاختيار المجرد بين «المشاركة» و«المقاطعة»، ولا بالتعامل مع البرلمان باعتباره طريقًا لتغيير المجتمع، بل بتحديد موقع الانتخابات والعمل البرلماني ضمن استراتيجية الصراع الطبقي وبناء قوة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة.

المناضلة الاشتراكية

 

عشية كل جولة انتخابية لتجديد مؤسسات النظام (البلدية والبرلمانية)، يثار النقاش في صفوف اليسار الجذري المغربي. لا يقتصر الاختلاف على الموقف من البرلمانية، بل يطول أوجهًا أخرى من النضال الطبقي للطبقة العاملة. وإذ سبق للمناضل-ة أن أخضع للتشريح مواقف اليسار الجذري من الانتخابات، ونفض الغبار المغربي عن المنظور الماركسي حول المسألة، وإذ تأكد أنه ما من وجهة نظر أعلنت حججًا مضادة على صعيد السند النظري (بما هو حصيلة تجارب تاريخية للحركة العمالية على الصعيد الأممي)، بات واضحًا لكل مناضل أن موقف مقاطعة انتخابات مؤسسات النظام، الذي أضحى موقفًا ثابتًا لتيارات اليسار الجذري، لا يمت بصلة إلى تراث الحركة العمالية المسترشدة بالماركسية.

1- حجج أنصار المقاطعة: عرض ونقد

لتبرير موقفه الخاطئ بمقياس انتسابه إلى الماركسية، يتحجج اليسار الجذري بمبررات كثيرة ومتباينة حسب كل سياق. تارة باسم انعدام شرط نزاهة وشفافية الانتخابات، وطورًا بحجة الدستور اللاديمقراطي ونقص صلاحيات البرلمان، وعدم حياد وزارة الداخلية المشرفة على عملية الانتخاب. ويبلغ المنطق المتهافت مداه الأقصى بتبرير غريب قوامه «عدم إضفاء الشرعية على مؤسسات الاستبداد»، وكأن الرفض الذاتي لمؤسسة رجعية ما يعني تحطيمها فعليًا.

إن كل اطلاع بسيط على الأدب الماركسي، وعلى تجارب الحركة العمالية، سيجعلنا ندرك أن تلك الذرائع والمبررات متهافتة تمامًا، ولا تصمد أمام أي نقد من زاوية نظر ماركسية[1].

فمتى اشترط الماركسيون أن يكون البرلمان بسلطات كاملة، ومنتخبًا في ظروف «النزاهة والشفافية»؟ ومتى كان التطبيق الفعلي للتكتيك الاشتراكي إضفاءً للشرعية على المؤسسات الزائفة؟

إن إصرار اليسار الجذري على مواقف خاطئة تمامًا، بالرغم من انكشاف خواء مبرراته من زاوية نظر عمالية ماركسية، يدل على أن هناك أسبابًا أخرى تمنع تصحيح ما تأكد خطؤه وضرره.

إن مبررات المقاطعة الانتخابية عند هذا القسم من اليسار الديمقراطي لا يربطها أي رابط مع صنف آخر من تيارات شيوعية يسراوية موقفها مقاطعة مبدئية للانتخابات البرجوازية. فالشيوعية اليسراوية تعتبر البرلمانية البرجوازية ولى عهدها تاريخيًا وسياسيًا، ومن ثمة وجوب الاستعاضة عنها بأجهزة طبقية عمالية، بغض النظر عن ميزان القوى الطبقي ومستوى كفاحية ووعي الطبقة العاملة.

أما اليسار الديمقراطي فيريد إزاحة المعيقات التي تكبل البرلمان عن أداء مهمته التاريخية والسياسية. بالتالي، فخلافنا مع هذه الشيوعية اليسراوية تكتيكي، وتوحدنا معها استراتيجية تغيير ثوري؛ أما اليسار الديمقراطي فاختلافنا معه استراتيجي، ونتفق معه في استعمال البرلمان مع  استقلالنا البرنامجي وغاياتنا السياسية.

إن حجج اليسار الديمقراطي تلقي به في مآزق عظيمة، فالبعض من تلك الحجج سيؤدي به إما:

– إلى المقاطعة الدائمة، وهذا ضرب من العبث السياسي، أو الاضطرار إلى المشاركة الانتخابية دون تحقق أي من اشتراطاته، ودون تفسير أسباب تحوله الجديد.

ما دام من غير الممكن استمرار الأمر على هذا النحو، فإما الإقرار بخطأ موقف المقاطعة الدائمة، واستخلاص الدروس الضرورية، وهذا نهج منظمة سياسية جدية، أو سلوك طريق المناورة اللامبدئية بتغيير الاتجاه والتزام الصمت، مع ما يستتبعه ذلك من خسارة معنوية وتنظيمية. ألم يقاطع حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي عقودًا لنفس المبررات، وعاد ليشارك في الانتخابات بصمت مخجل، دون تقديم تفسير لانقلابه من الشيء إلى ضده؟

هناك حجج منتشرة بقوة في صفوف اليسار الجذري المغربي، لها تأثير ووقع أوسع، ولا يُعبَّر عنها بوضوح، مصدرها الاشمئزاز والقرف من الوصولية البرلمانية والفساد والخيانة لمصالح الطبقة العاملة والكادحين؛ قرف يغذيه الإدراك التام أن النظام له باع طويل وتجربة هائلة في أساليب إفساد الأفراد والمنظمات المحلية والدولية، حيث يبتلع كل من يقترب منه. ولتجنب الدنس، لا يجب الاقتراب من المستنقع الانتخابي.

إن التكتيك البرلماني الذي مارسته المعارضة الليبرالية، المحبط للشباب اليساري، وصورة البرلماني الليبرالي الذي ليس غير أداة للكذب والغش ونسج الصداقات المربحة وإبرام الصفقات، كل ذلك جعل من مؤسسات النظام مجزرة للشرف النضالي وسيركًا لترويض المعارضة المستقلة (حتى الليبرالية منها). إن الحذر الثوري والتأفف من عفن مؤسسات النظام، والغضب من ممارسة المعارضة الليبرالية الجبانة واحتقارها، مفيد، لكنه لا يجب أن يعمينا عن إمكانية البرلمانية الثورية.

لا يمكن للطبقة العاملة أن تقضي على الرأسمالية التابعة في معركة طبقية حاسمة إن هي عجزت عن خوض مناوشة تكتيكية، ومن المستحيل تصور قدرتها على بناء بديلها المجتمعي وهي الفاقدة للقدرة على إرسال نخبة من المقاتلين إلى قلعة العدو (البرلمان)، بمبرر خوفها من تجنيدهم وإفساد قناعتهم الثورية:

»أتريدون أن تنشئوا مجتمعًا جديدًا؟ وأنتم تخشون صعوبات تشكيل كتلة برلمانية جيدة، مؤلفة من شيوعيين أقحاح ومخلصين وبطوليين، في برلمان رجعي« [2]

صحيح أن المجموعة البرلمانية تظهر ميلًا إلى الانتهازية اليمينية ونوعًا من التكيف مع الوسط البرجوازي الذي تشتغل في ظله، إلا أن العلاج موجود في الدور المركزي الذي يقوم به الحزب العمالي لإخضاعها للرقابة ومنع كل ميل لديها لخرق قاعدة الامتثال للقرارات الحزبية.

لقد أبانت تجربة الحركة العمالية عن مشاركة برلمانية اشتراكية غنية بالدروس العظيمة، وكأمثلة عن ذلك:

أ- كارل ليبكنخت في ألمانيا، الذي أنقذ شرف الاشتراكية بدفاعه عن المبدأ الأممي في رفض المجزرة الإمبريالية خلال الحرب العالمية الأولى، مقابل خيانة اشتراكيين خانوا طبقتهم، مفضلين الانحياز إلى برجوازيات بلدانهم باسم الدفاع عن الوطن.

ب- البلاشفة في دوما القيصر، الذين شرحوا لعمال روسيا حقيقة الملكية المطلقة وبسطوا رايتهم باستغلال «إسطبل الرجعية» ذاك.

ج- العصبة الشيوعية الثورية بفرنسا، التي خاضت حملة الرئاسيات بإمكانيات هزيلة تحت شعار: «الانتخابات لن تأتي بالتغيير، الثورة الاشتراكية سبيلنا»

 

2-  ما الغاية من المشاركة في انتخابات إلى المؤسسات البرلمانية وكيف؟

«من السهل جدًا على المرء أن يظهر «ثوريته» عن طريق الشتائم وحدها الموجهة إلى الانتهازية البرلمانية، أو فقط عن طريق نفي الاشتراك في البرلمانات، ولكن لهذا السبب بالذات، أي لكون هذا سهلًا للغاية، ليس هذا حلًا للمهمة الصعبة، بل والبالغة الصعوبة».[3]

بالنظر إلى افتقار طبقتنا العاملة لحزبها المستقل، ولانعدام تجارب ملموسة للاستعمال الثوري للانتخابات، فقد ظل الأمر غريبًا عن أذهان الطلائع المناضلة، وظل راسخًا لديها مثال الليبرالي المنحط واستسلامه المشين للاستبداد. علينا إذن الإجابة على سؤال يفرض نفسه على كل مناضل اشتراكي ثوري: ما مضمون المشاركة في الانتخابات إلى المؤسسات البرجوازية في المغرب اليوم، وما الإجراءات التي تتطلبها تلك المشاركة؟

إن مشاركة الاشتراكيين في الانتخابات إلى المؤسسات البرجوازية (بلدية–برلمانية) تطرح من زاوية نظر تطور الوعي الطبقي، ومن هنا يأتي استخدامها من أجل الدعاية والتحريض، أي لنقد وتفسير الوضع للجماهير من زاوية المصالح الطبقية المتناقضة، وبالتالي، تطوير عداء الطبقة العاملة وتنظيمها للإجهاز على الطبقات المالكة.

علينا التأكيد، بدءًا، أن الطريقة الرئيسية للنضال العمالي ضد البرجوازية وسلطتها، قبل كل شيء، تتمثل في النشاطات الميدانية، حيث تقوم المنظمات الجماهيرية للبروليتاريا (النقابات والأحزاب السياسية) بتنظيم هذا النشاط وقيادته، أي أن المشاركة الانتخابية جزء ضئيل من جهد التحريض السياسي الذي يضطلع به الاشتراكيون بشكل دائم، برايتهم وشعاراتهم وأساليب عمل طبقية وباستقلالية تامة.

إن تجربة الحركة العمالية زاخرة بأمثلة عن الاستعمال الاشتراكي للانتخاب للمؤسسات البرجوازية، لكن علينا مقاربة واقعنا الخاص باستلهام دروس التجارب العمالية تلك، آخذين بالاعتبار الخصائص السياسية لبلدنا (ملكية مستبدة) ومميزات الحركة العمالية (غياب حزب عمالي قائم).

يرزح الشعب المغربي تحت نظام رأسمالي تابع تحكمه ملكية مستبدة، نيابة عن البرجوازية الكبيرة (المالية والتجارية والصناعية والفلاحية)، وهي الحامي للمصالح التاريخية للبرجوازية في وجه الطبقة العاملة وباقي الفئات الكادحة. تحكم نيابة عنها لعجزها عن الحكم أصالة عن نفسها، وقد فوضتها الاستئثار بالقرار في كل قضايا الحكم. الملكية تنظم التنافس بين أقسام البرجوازية الحاكمة وتراعي مصالح الإمبريالية، فطالما حافظت على مصالح واستقرار الرأسمال، فثمة إجماع لا يخرج عنه إلا الأقسام البرجوازية الأقل شأنًا، المتضررة والحالمة بتقليص سلطات الملكية دون المس باستقرار النظام الرأسمالي، تلك قاعدة المعارضة الليبرالية التاريخية.

إن صلاحية البرلمان بالمغرب تقف عند صلاحيات الملك الواسعة، ودوره التشريعي والرقابي يحد منه الدور التشريعي والتنفيذي والرقابي للملكية الحاكمة.

إن الماركسيين لا ينساقون وراء الأوهام، فحتى البرلمان البرجوازي الكامل الصلاحيات والسلطات ليس إلا أداة لحكم البرجوازية. أما عندنا، فهو وسيلة لتمويه حكم الملكية المستبدة خلف واجهة برلمانية محدودة الصلاحيات والسلطات، وأداة تسجيل لقرارات دوائر الحكم الفعلية.

من ناحية أخرى، فالطبقة العاملة المغربية بلا تنظيمات جماهيرية قوية (نقابية وسياسية)، مذرة وشديدة التأخر السياسي، وبلا تقاليد نضال ثورية، وقسمها المنظم نقابيًا تاريخيًا تحت هيمنة قوى المعارضة الليبرالية، والآخر خاضع لتأثير أحزاب برجوازية رجعية دينية، وهناك يسار جذري، أغلبه يسار ديمقراطي، وقليل منه ذو منظورات اشتراكية.

كل ذلك يجعل أي حديث عن المقاطعة في سياق التراجع النضالي البين حاليًا بلا معنى. بالإضافة للاعتبارات السالف ذكرها، فإنه حتى ببروز نضال طبقي ثوري واسع، عام، سريع وقوي، مع بقاء اليسار الاشتراكي في وضعه الحالي، فالمقاطعة الثورية ذاتها مهددة بأن تقودها قوى رجعية دينية أقوى من اليسار. كما أن استعمال الانتخابات، وهي المهمة الأصعب، يفتقد لظروف التنفيذ–آنيًا–. فهل سينتظر اليسار الاشتراكي بسلبية حتى تنضج الشروط الذاتية؟ هل هناك جواب ملموس للحالة الماثلة أمامنا؟

3-  مشاركة اشتراكية ثورية في انتخابات النظام: افتراض من أجل الفهم

لنفترض أنه في وضع مطابق للحالة الراهنة بالمغرب على جميع الأصعدة (نفس الوضع العالمي والوطني سياسيًا واقتصاديًا، نفس الدستور الممنوح، نفس القانون الانتخابي، نفس الهيئات السياسية والنقابية)، مع افتراض أن اليسار الاشتراكي بالمغرب يضم في صفوفه 3 آلاف مناضل-ة، وتنظيمًا على أرضية سياسية مضادة للرأسمالية التابعة ونظامها السياسي (الملكية المستبدة)، وقرر استعمال الانتخابات كمنبر للتحريض الاشتراكي، فكيف سينظم المعركة تلك، وما غاياته ووسائله لبلوغ أهدافه؟

إن للمشاركة في الحملات الانتخابية والدعاية الثورية من أعلى المنبر البرلماني دلالة خاصة من أجل الكسب السياسي لأوساط الطبقة العاملة، التي بقيت حتى الآن، كما الجماهير الكادحة الريفية، بعيدة عن الثورة وعن السياسة. لذلك سيركز الاشتراكيون على بلوغ أهداف واضحة تعزز الوعي السياسي الثوري للعمال، وتوجه منظور التغيير لديهم من المؤسسات البرجوازية إلى الطريق الاشتراكي الثوري المستند إلى النضال الوحدوي الجماهيري.

مثلًا، يمكن السعي لتحقيق التواصل المباشر مع 30 ألف عامل-ة في أماكن العمل، و30 ألف أخرى من الأجراء والفئات الكادحة بالأحياء السكنية العمالية، باستخدام المنشور المكتوب وحلقات النقاش واللقاءات الفردية والمهرجانات الخطابية وتنظيم المسيرات والتظاهرات والحضور في المعارك الجارية. لا يجب تشتيت جهودهم البسيطة في مجموع البلد، بل سيتم التركيز على خمس مدن رئيسية، تجند لها معظم القوى بحركة تنقيل المناضلين-ات لتلك الغاية ولفترة محددة من منطقة إلى أخرى. وبالنظر إلى فقر الإمكانات المادية واللوجستيكية، وتجاهل الإعلام البرجوازي للشيوعيين، سيتم تعبئة الإمكانات المتيسرة بتنظيم حملات دعم عمالية وشعبية، وأن يضع المناضلون الأفراد ما لديهم رهن إشارة النضال (سيارة–دراجة–أدوات تصوير–مقرات…).

فما مضمون التحريض الثوري الذي سيتم تبليغه، والشعارات الرئيسية التي ستكثف ذاك التحريض؟

أولًا: التشهير وفضح حكم الملكية المستبدة، وكونها عقبة أمام التحرر الاقتصادي والديمقراطية السياسية، وكشف حقيقة البرلمان بما هو واجهة زائفة لحكم لا ديمقراطي.

ثانيًا: تعرية البرجوازية الكبيرة الناهبة لثروات البلد، وباستغلال همجي للعمال، أسوة بالإمبريالية الوصية التي تغرف حصتها السمينة عبر آلية النهب الاستعماري والديون الظالمة.

ثالثًا: أن نشرح ونفسر أن هدف التحرر الشامل والعميق والانعتاق السياسي لا سبيل إليه إلا بنضال عمالي وشعبي جبار يقلب جذريًا النظام القائم، وبناء بديل يلبي الحاجيات الأساسية اقتصاديًا واجتماعيًا، ويحرر رقبة الجماهير من قبضة الاستبداد والتخلف، وبناء الاشتراكية.

أولئك الآلاف الذين سنصل إليهم لن يقتنعوا آليًا بما نعرضه عليهم من رأي سياسي، فأغلبهم متأخر سياسيًا ومحافظ، بل ورجعي. لكنهم سيتعودون على سماع منظور سياسي صادق، وقد يكون صادمًا لنزعتهم المحافظة، ومنهم من سيلتقي بنا في نضالات سيجبر على خوضها، ويجدنا رفاق نضال يقاتلون بصدق، ويقدمون منظورًا شاملًا لأسباب قهره وبديلًا شاملًا لمأساة طبقته. حينها نكسب مناضلين عماليين صادقين للمشروع الاشتراكي.

طبعًا، سيكون من الغباء المنقطع النظير أن نجعل من هذا الجهد بديلًا عن عمل التحريض والدعاية والتنظيم الدؤوب، الواجب القيام به بشكل دائم قبل الجولة الانتخابية وبعدها، بل إنه استمرار لنفس الجهد مع استثمار اللحظة السياسية، حيث تكون أذهان الشعب مركزة على الأوهام البرلمانية والتنافس بين الأحزاب السياسية بما هي تعبير عن مصالح طبقية.

لن تسمح أجهزة الدولة للاشتراكيين باستغلال عرسها الانتخابي الزائف لبث «سموم أفكارهم الثورية وتلويث عقول رعاياها الخاضعين»، وستلجأ إلى كل أساليب التضييق والتشويه والحصار وإرسال فرق المأجورين للتشويش والاعتداء على المناضلين، وإن عجزوا عن المهمة ستتدخل أجهزة الدولة القمعية. حينها سيتاح للاشتراكيين التشهير بحقيقة الدولة أمام الطبقة العاملة، وسيشرحون للعمال ما يخيف البرجوازيين وما يريدون إقباره حتى لا يصل إليهم.

ذلك جزء مما يتوجب القيام به لتنظيم حملة انتخابية براية اشتراكية، لكن الأمر يتطلب أكثر من ذلك؛ سلسلة إجراءات ضرورية قبل وأثناء وبعد الحملة الانتخابية سنعرضها–بتصرف–كما جرى تبنيها في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية المنعقد في يوليو 1920، وسيندهش المرء لراهنية تلك الإجراءات رغم الفترة الزمنية البعيدة التي تفصلنا عن ذاك التاريخ، لكن الدهشة ستزول حين نعلم أن البرلمانية البرجوازية حافظت على نفس الخصائص والأشكال، ما عدا أن العولمة الرأسمالية وجهت لها ضربات قاصمة في القلاع البرجوازية الكلاسيكية ذاتها.

4- من أجل التطبيق الفعلي للتكتيك الثوري في البرلمان تفرض الإجراءات التالية نفسها:

أ يتأكد الحزب بأكمله ولجنته المركزية، منذ المرحلة التحضيرية التي تسبق الانتخابات، من إخلاص أعضاء المجموعة البرلمانية الشيوعية وقيمتهم الشيوعية، وله الحق الذي لا نقاش فيه أن يطعن في أي مرشح بعد تعيينه من إحدى المنظمات، إذا لم يكن لديه الاقتناع بأن هذا المرشح سينفذ سياسة شيوعية فعلًا.

ب على الحزب الامتناع عن ترشيح البرلمانيين المجربين والمحامين بشكل خاص. عليه ألا يخشى تعيين أعضاء بسطاء بدون تجربة كبيرة، وعليه أن يرفض باحتقار وبلا رحمة الوصوليين القادمين إليه بهدف وحيد هو الدخول إلى البرلمان، وعلى اللجان ألا توافق إلا على الأشخاص الذين قدموا طوال سنوات البراهين الثابتة عن إخلاصهم للطبقة العاملة.

ت ما إن تنتهي الانتخابات، تقوم اللجنة المركزية بتنظيم المجموعة البرلمانية وتصادق على اختيار رئيسها ومكتبها وأعضائها، مع تحديد ممثل دائم يتمتع بحق الفيتو في كل المسائل السياسية الهامة، وعلى المجموعة أن تلتزم بطلب التوجيهات المسبقة من اللجنة المركزية. هذه الأخيرة من حقها تعيين خطباء للمجموعة المدعوين للمداخلة حول مسائل هامة، وأن تفرض إخضاع الموضوعات والنصوص الكاملة لخطبهم… إلخ، لموافقتها. وأن يوقع كل مرشح مسجل على اللائحة الشيوعية تعهدًا رسميًا بأن يتخلى عن نيابته عند أول إيعاز من اللجنة المركزية، كي يكون الحزب قادرًا دائمًا على استبداله.

ث إذا تسلل إصلاحيون أو أنصاف إصلاحيين إلى المجموعة البرلمانية–رغم تلك الإجراءات–على الحزب أن يقوم بحملة تطهير للمجموعة البرلمانية، مستوحيًا المبدأ القائل إن مجموعة برلمانية قليلة العدد ولكن شيوعية حقًا تخدم مصالح الطبقة العاملة بشكل أفضل بكثير من مجموعة كبيرة العدد دون سياسة شيوعية حازمة.

ج يجب أن تخدم الحصانة البرلمانية التي لا يزال يتمتع بها النواب الشيوعيون بموجب القانون البرجوازي تنظيم الحزب ودعايته غير الشرعية.

ح النواب الشيوعيون ملزمون بإخضاع مجال نشاطهم البرلماني لعمل الحزب خارج البرلمان، بالتقدم بمشاريع قوانين ذات هدف برهاني محض، ليس بهدف أن تتبناها الأغلبية البرجوازية، ولكن من أجل الدعاية والتحريض والتنظيم.

خ يجب على النائب الشيوعي، في المظاهرات والنشاطات الثورية، أن يقف على رأس الجماهير البروليتارية في مكان ظاهر كليًا بالصف الأول.

د يتوجب على النواب الشيوعيين أن يلتزموا، باعتماد كل الوسائل، لإقامة علاقات مراسلة وعلاقات أخرى مع العمال والفلاحين والشغيلة الثوريين من جميع الفئات، وأن يكونوا دائمًا تحت تصرف المنظمات الشيوعية من أجل العمل الدعائي في البلد.

ذ ليس النائب الشيوعي مشرعًا، بل محرض حزبي مرسل إلى العدو من أجل تنفيذ قرارات الحزب، وليس مسؤولًا أمام جمهور الناخبين المجهول، بل أمام الحزب الشيوعي، سواء كان شرعيًا أو غير شرعي.

ر على النواب الشيوعيين أن يتحدثوا بلغة يفهمها العامل والفلاح، وبشكل يمكن الحزب من نشر خطبهم عبر بيانات يوزعها في أقصى أرجاء البلاد.

ز على النواب الشيوعيين استخدام المنبر البرلماني ليس من أجل فضح البرجوازية وخدامها الرسميين، بل كل أعداء الشيوعية ونشر أفكار الأممية على نطاق واسع.

س يجب على النواب الشيوعيين، حتى لو كانوا نائبًا واحدًا أو اثنين، أن يتحدوا الرأسمالية بكل مواقفهم.

على الشيوعيين، إذا حازوا الأغلبية في البلديات:

1)-أن يشكلوا معارضة ثورية للسلطة المركزية البرجوازية.

2)-أن يعملوا بمختلف الوسائل لتقديم خدمة للجزء الأكثر فقرًا من السكان (إجراءات اقتصادية، إنشاء ميليشيا شعبية مسلحة، إلخ…).

3)-أن يكشفوا في كل مناسبة العوائق التي تضعها الدولة البرجوازية بوجه أي إصلاح جذري.

4)-أن يطوروا دعاية ثورية حازمة، على هذا الأساس، دون الخوف من النزاع مع السلطة البرجوازية.

5)-أن يستبدلوا البلديات، في بعض الظروف، بسوفيتات لنواب العمال، وينبغي أن يندرج كل نشاط يقوم به الشيوعيون في البلديات في صلب النشاط العام لتقويض النظام الرأسمالي.

5- فرضية حصول الثوريين على الأغلبية في مجلس ما وتسيير الدولة

إنها فرضية نجد صعوبة جمة في تخيلها، بناءً على المعطيات التي أشرنا إليها أعلاه. إضافة إلى أن الآثار الخادعة للمواطنة الشكلية، والحلقة المفرغة للصنمية والتشيؤ، وسطوة الأيديولوجيا السائدة، تجعل ارتقاءً تدريجيًا للوعي على الصعيد الانتخابي مستبعدًا. إن تغيير العالم يمر عبر قلب جذري للعلاقات الاجتماعية، ولا سيما علاقات الملكية. الأمر المتعذر تصوره دون أزمة ثورية، تتغير خلالها الجماهير وتتعلم في بضعة أيام أكثر مما في سنوات من الرتابة البرلمانية.

أما آلة الدولة فالمقصود دومًا تحطيمها، وليس تسييرها كما هي، ونزع الطابع الدولاني عن السياسة، والسير على طريق اضمحلال الدولة وتجريب أشكال مؤسسية لهذا الاضمحلال[4].

6- ماذا بعد؟

«لا يمكن أن تكون للمقاطعة معنى إلا إذا كانت نشطة، وهذا لا يعني رفضًا سلبيًا للمشاركة في الانتخابات، بل استهانة بها لفائدة الهجوم المباشر، وبهذا المعنى تعادل المقاطعة حتمًا الدعوة إلى الهجوم الأكثر قوة وحزمًا. هل نحن حاليًا إزاء صعود ثوري واسع وعام، حيث لا معنى لدعوة مماثلة من دونه؟« [5]

إننا على قناعة أن كل ماركسي ذي بصيرة سيدرك خواء حجج أنصار المقاطعة في سياق الوضع السياسي العام الحالي بالمغرب، ونعتقد أن مهمة التوضيح الرفاقي استنفدت ما بُذل فيها من جهد، وليس لك من وسيلة لمنع من يصر على الارتطام بالحائط إلا أن تترك الوقت يفعل فعله. أما ما نراه يستحق النقاش من الآن فصاعدًا، فهو النقاش بين الاشتراكيين الذين تأكد لهم ضرورة الاستعمال الثوري للبرلمانية حول القضايا السياسية والتنظيمية الملموسة، للجواب على الصعوبات العظيمة التي يواجهها التطبيق العملي لهذا الخيار، وهي صعوبات مردها إلى العوائق الذاتية لبناء المنظمة الاشتراكية الثورية في مغرب اليوم.

فعدم التقدم في الحل العملي لأزمة العامل الذاتي سيجعل كل النقاشات حول الموقف من الانتخابات للمؤسسات البرجوازية مقتصرة على التوضيح الدعائي الموجه لطليعة محدودة، لا خطة عمل سياسية موجهة لجماهير الطبقة العاملة.

بقلم:بوعزة الخليل.

إحالات:


[1]– لينين، الفصل السابع من كتيب » اليسارية: مرض الشيوعية الطفولي:         https://tinyurl.com/yhmes7u2

[2] https://tinyurl.com/yhmes7u2

[3] https://tinyurl.com/yhmes7u2

[4]– لينين، (1907)، ضد المقاطعة https://tinyurl.com/yc5hfcey

دانيال بنسعيد، (2007)، هل تجب المشاركة في الانتخابات؟ :     https://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=102664&t=4

[5]-

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟