يسعى النظام المغربي، دفاعًا عن مصالح الطبقات السائدة ومصالحه الخاصة، إلى التكيف مع التحولات التي يعرفها الوضع العالمي، في ظل اشتداد التنافس بين القوى الإمبريالية والأقطاب الرأسمالية الكبرى، ولا سيما التنافس الأمريكي ـ الصيني على النفوذ والأسواق ومصادر المواد الأولية في إفريقيا. ويتجلى هذا التكيف في جملة من السياسات والبرامج والاتفاقيات التي تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
1-سياسيًا: المناورة بين الأقطاب الإمبريالية
يواصل النظام المغربي لعب دور تابع للإمبريالية الأطلسية، مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز علاقاته بالقوى الإمبريالية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين. ويتجلى ذلك في تنامي الواردات من الحبوب الروسية، وتوسيع التعاون الاقتصادي مع الصين، وتمكين الرأسمال الصيني من موطئ قدم أكبر في الاقتصاد المغربي، إلى جانب توطيد العلاقات مع الإمبريالية الأمريكية.
وكان المغرب أول بلد في شمال إفريقيا يوقّع مع الصين اتفاقيات تعاون في إطار مبادرة «الحزام والطريق» سنة 2022. كما ارتفعت الاستثمارات الصينية المباشرة بنحو 132%، لتبلغ حوالي ملياري درهم، ما دفع الصين إلى المرتبة الثالثة بين أكبر المستثمرين الأجانب المباشرين في المغرب، بعد الإمارات وألمانيا، في حين تراجعت فرنسا بعدما كانت تحتل المرتبة الأولى سنة 2023.
وتركز الاستثمارات الصينية، خصوصًا، في قطاعات الطاقات المتجددة وصناعة بطاريات السيارات الكهربائية. وتراهن الصين على المغرب باعتباره منصة قريبة من الأسواق الأوروبية والأمريكية، مستفيدة من موقعه الجغرافي ومن شبكة اتفاقيات التبادل الحر التي تربطه بعدد من الأسواق.
وفي المقابل، يعمل النظام على تعزيز علاقاته بالإمبريالية الأمريكية، من خلال اتفاقية التبادل الحر والتعاون العسكري والأمني، فضلًا عن الارتفاع المتواصل في الإنفاق العسكري.
ويقدم النظام المغربي نفسه للإمبريالية بوصفه نموذجًا لـ«الاستقرار» في المنطقة، ويستخدم هذا الدور للحصول على الدعم السياسي والاقتصادي، ولا سيما فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية. كما يستفيد من موقعه الجغرافي ومن دوره في مراقبة وضبط الحدود الجنوبية لأوروبا، بما يعزز موقعه التفاوضي مع القوى الإمبريالية.
وفي السياق نفسه، واصل النظام انخراطه في مسار التطبيع مع الدولة الصهيونية في إطار «اتفاقيات أبراهام»، بما يعكس اندماجه المتزايد في الترتيبات الإقليمية التي ترعاها الإمبريالية الأمريكية، وما يترتب عنها من تعاون سياسي وأمني وعسكري.
2-اقتصاديًا: الاندماج النيوليبرالي وخدمة مصالح الرأسمال
انخرط النظام المغربي، منذ عقود، في الاستراتيجية النيوليبرالية العالمية، وكان توقيع اتفاقية «الجات» (GATT) في مراكش سنة 1994، وما تلاه من اتفاقيات لتحرير التجارة والاستثمار، إحدى المحطات البارزة في هذا المسار.
وقد عمل النظام على تهيئة ترسانة قانونية ومؤسساتية تستجيب لمتطلبات «مناخ الأعمال» وجذب الاستثمارات، بما في ذلك القوانين المنظمة للضرائب والاستثمار والشغل والإضراب وغيرها.
وقد استفادت الطبقات السائدة والرأسمال الكبير من عقود من تطبيق هذه السياسات، عبر مجموعة من الآليات، من أبرزها:
- فتح أسواق جديدة أمام الصادرات المغربية من خلال الاتفاقيات الثنائية والجماعية، خصوصًا في قطاعات الفلاحة والصيد البحري والمعادن وغيرها.
- إقامة شراكات استثمارية مع الرأسمال الأجنبي، سواء داخل المغرب أو في عدد من البلدان الإفريقية.
- تفويت الأصول والمؤسسات العمومية للرأسمال الخاص عبر الخوصصة.
- الاستفادة من نظام المديونية، الذي تحولت من خلاله الدولة إلى أداة لإعادة توزيع جزء كبير من موارد المجتمع في اتجاه الرأسمال وأصحاب المصالح.
- تسخير المالية العمومية لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تخدم، في جزء أساسي منها، حاجات الرأسمال المحلي والأجنبي، بينما يجري تمويل جانب مهم منها عبر المديونية الداخلية والخارجية.
وهكذا، لا تعمل الدولة في ظل النيوليبرالية بوصفها طرفًا محايدًا بين الطبقات، بل تؤدي دورًا مركزيًا في تهيئة شروط تراكم الرأسمال وتحميل الطبقات الكادحة كلفة هذا التراكم.
ورغم تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في أسفل الهرم الاجتماعي، تتضخم ثروات الفئات الموجودة في قمته. ويضم المغرب مليارديرات ومستثمرين كبارًا ضمن قوائم أصحاب الثروات العالمية، كما يحتل مرتبة متقدمة إفريقيًا من حيث عدد أصحاب الملايين. وقد عرف عدد أصحاب الثروات الصافية المرتفعة نموًا كبيرًا خلال العقد الأخير.
إن استمرار الفقر واتساع الفوارق الاجتماعية لا يمكن تفسيرهما بغياب الثروة، بل بطبيعة النظام الاجتماعي الذي يسمح بتركيزها في أيدي أقلية من الرأسماليين وكبار الملاكين، بينما تتحمل الطبقة العاملة وسائر الكادحين كلفة إنتاجها.
3- عسكريًا: التسلح وتعميق الارتباط بالإمبريالية
ينخرط المغرب بصورة متزايدة في ترتيبات واتفاقيات عسكرية وأمنية مع القوى الإمبريالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. ويشكل تمرين «الأسد الإفريقي» أحد أبرز مظاهر هذا التعاون، إلى جانب مشاريع ومنشآت عسكرية، من بينها منصة التدريب العسكري في طانطان.
كما ارتفع الإنفاق العسكري بشكل متواصل. فقد بلغت ميزانية الدفاع الوطني سنة 2026 حوالي 157 مليارًا و171 مليون درهم، مقابل نحو 133 مليار درهم سنة 2025 و124 مليار درهم سنة 2024، بما يعكس أولوية متزايدة للإنفاق العسكري في ميزانية الدولة.
وفي الوقت نفسه، عزز النظام علاقاته العسكرية مع الدولة الصهيونية، وأقام معها صفقات للتسلح والتعاون الأمني، كما عمّق تعاونه العسكري مع دول أخرى، من بينها تركيا والهند، في إطار مساعيه إلى تطوير صناعة عسكرية محلية وتوطين جزء من الصناعات المرتبطة بالتسلح.
وتتداخل في هذه السياسة العسكرية ثلاثة أبعاد أساسية:
- حماية سلطة النظام ومصالح الطبقات السائدة، عبر تعزيز أدوات القمع والردع والدفاع عن النظام السياسي والاجتماعي القائم.
- تعزيز موقع النظام داخل المنظومة الإمبريالية، من خلال تقديم نفسه شريكًا أمنيًا وعسكريًا موثوقًا ودركيًا إقليميًا يخدم مصالح القوى الكبرى.
- توطيد التحالفات الإقليمية والدولية للنظام، بما في ذلك التعاون العسكري والأمني مع الدولة الصهيونية، في سياق الصراعات والحروب التي تشهدها المنطقة.
4- حدود المناورة ومخاطر المستقبل
لا يعيش النظام المغربي، في المرحلة الراهنة، أزمة اقتصادية ومالية أو سياسية خانقة تهدد استمراره المباشر، بل استطاع، إلى حد كبير، الاستفادة من التوازنات الدولية الراهنة ومن التنافس بين القوى الإمبريالية لتعزيز هامش مناورة الطبقات السائدة.
غير أن هذا الوضع لا يلغي التناقضات التي يمكن أن تضع النظام أمام أزمات مستقبلية، ومن أبرزها:
أولًا: تغير الاستراتيجيات الإمبريالية تجاه المغرب.
فأي تحول في أولويات القوى الإمبريالية، أو احتدام الصراع بينها إلى درجة فرض اصطفافات أكثر حدة، قد يهدد بعض الامتيازات التي راكمتها البرجوازية المغربية بفضل موقع النظام داخل المنظومة الإمبريالية.
ثانيًا: تفاقم المديونية العمومية.
إن استمرار الاعتماد على الدين الداخلي والخارجي لتمويل الاقتصاد والاستثمارات العمومية يمكن أن يبلغ حدودًا تجعل خدمة الدين واستدامته عبئًا متزايدًا على المالية العمومية، بما قد يحول المديونية إلى عامل تفجير لأزمة اقتصادية واجتماعية أعمق.
ثالثًا: تصاعد المقاومة الطبقية.
إن الطبقة العاملة المغربية وسائر الكادحين هم الذين يدفعون الثمن الفعلي لهذا الاندماج في الاستراتيجية النيوليبرالية والإمبريالية: تدهور القدرة الشرائية، هشاشة التشغيل، تفكيك الخدمات العمومية، ارتفاع كلفة المعيشة، وتكثيف الاستغلال.
لكن الاستقرار الذي يبدو راسخًا من أعلى لا يعني بالضرورة استقرارًا دائمًا من أسفل. فالتناقض بين تراكم الثروة لدى الأقلية واتساع البؤس والاستغلال لدى الأغلبية يهيئ، موضوعيًا، لشروط المقاومة والنضال. وكلما حاول النظام تحميل الطبقة العاملة والجماهير الكادحة كلفة أزماته وتكيّفه مع حاجات الرأسمال والإمبريالية، ازدادت احتمالات انفجار ديناميات نضالية جديدة.
إن الرهان الحقيقي بالنسبة للطبقة العاملة ليس على قدرة النظام على المناورة بين الأقطاب الإمبريالية، ولا على انتقال المغرب من التبعية لقوة إمبريالية إلى التبعية لأخرى، بل على بناء قوتها السياسية والتنظيمية المستقلة، وربط النضالات الاقتصادية والاجتماعية بالنضال ضد الاستغلال والرأسمالية والتبعية الإمبريالية. فمواجهة سياسات الطبقات السائدة لا يمكن أن تظل دفاعية ومجزأة، بل تقتضي بناء بديل عمالي اشتراكي يضع الثروة ووسائل الإنتاج والقرار الاقتصادي والسياسي تحت السيطرة الديمقراطية للمنتجين والمجتمع.
وبذلك، فإن الاستقرار الذي يراهن عليه الحاكمون ليس قدرًا محتومًا؛ فحين تتقاطع أزمة النظام مع تصاعد النضال الطبقي، يمكن أن تتحول التناقضات التي يخفيها «الاستقرار» الظاهري إلى قوة دافعة نحو تغيير اجتماعي وسياسي عميق.
ورشة الدورة الاولى لملتقى الأيام الاشتراكية 2026