منذ خريف عام 2025، شدد النظام المغربي سياسته القمعية بشكل كبير، حيث يتم استهداف، في آن واحد، حركة “جيل زيد”، ومغنيي الراب، والصحفيين، وصناع المحتوى، والحركة الطلابية، والشغيلة، والخريجين العاطلين عن العمل، فضلا عن النضالات المحلية من أجل الولوج إلى الموارد والخدمات العمومية الأساسية.
- أبرز مظاهر الموجة القمعية الجديدة
الشباب كهدف رئيسي
يشكل الشباب المنخرطون في حركة جيل زيد الهدف الرئيس لهذه الحملة: فقد تم اعتقال أكثر من 5000 شخص منذ أواخر شتنبر 2025، بقي منهم ما يقارب 2000 شخص في حالة اعتقال في أوائل أبريل 2026. صدرت أحكام بالسجن النافذ تصل إلى خمسة عشر عاما، بما في ذلك ضد قاصرين. علاوة على ذلك، قُتل ثلاثة شبان بالرصاص الحي أطلقه الدرك الملكي في منطقة القليعة، بالقرب من أكادير. كما يمتد القمع ليشمل الجالية في الخارج، حيث تتم اعتقالات في المطار لمجرد النشر في وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد تمت محاكمة أو إدانة العديد من مغنيي الراب بسبب أغانيهم أو مواقفهم الانتقادية على شبكات التواصل الاجتماعي. فقد حُكم على جواد أسرادي («Pause Flow») في نونبر 2025 بالسجن لمدة ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، وعلى حمزة رائد بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ. وفي فاس، حُكم على صهيب قبلي («L7ASSAL») البالغ من العمر 20 عاما في مارس 2026 بالسجن لمدة ثمانية أشهر نافذة. وفي يوليو 2026، تم اعتقال مغني الراب والمخرج المهدي ليوبي («Mehdi Black Wind») المعروف بدعمه لحركة جيل زيد، ووضع في الاعتقال الاحتياطي.
كما تستهدف موجة القمع صانعي المحتوى والمؤثرين، بهدف إرساء مناخ من المراقبة والرقابة الذاتية على شبكات التواصل الاجتماعي.
انتهاكات لحرية التعبير
لا تزال الصحافة المستقلة أحد الأهداف الدائمة للسلطة. علي المرابط، الصحفي المغربي-الفرنسي البالغ من العمر 66 عاما، وهو أحد الوجوه التاريخية في الصحافة المستقلة سبق أن سُجن في عام 2003 ثم مُنع من ممارسة مهنته لمدة عشر سنوات، تم القبض عليه في 12 يوليو 2026 في مطار طنجة عند عودته من إسبانيا، ووُضع قيد الاعتقال الاحتياطي ثم أحيل إلى النيابة العامة بتهمة «النشر المزعوم لمعلومات كاذبة تمس المؤسسات الدستورية»، استنادا إلى عدة مذكرات بحث. وأُطلق سراحه في 15 يوليو، مع استمرار التحقيق في تهمة التشهير. ووفقا لشهادته، يُزعم أن النيابة العامة أصدرت أكثر من ثلاثين مذكرة توقيف بحقه.
يُعد عمر راضي أيضاً أحد أبرز الشخصيات في مجال الصحافة الاستقصائية المستقلة في المغرب، وهو مثال عن تجاوزات القمع الذي تمارسه الدولة ضد الأصوات المعارضة. فبعد أن قضى أربع سنوات خلف القضبان، أُطلق سراحه في 29 يوليو 2024، لكنه لا يزال يخضع لمراقبة وضغوط ممنهجة، فضلا عن حملة تشهير تشنها وسائل إعلامية مقربة من أجهزة المخابرات المغربية، مما يحد بشكل كبير من حرياته.
ويصاحب هذا التصعيد الاستبدادي تشديدا متزايدا للرقابة على قطاع الإعلام. فتركيز ملكية وسائل الإعلام في أيدي مجموعات رأسمالية مرتبطة بالسلطة، واستحواذها على الإعانات العمومية، وسيطرتها على المؤسسات المكلفة بتنظيم المهنة، كل ذلك يعزز السطوة السياسية على المشهد الإعلامي. وقد تجلت هذه الحملة بشكل خاص في تشكيل لجنة مؤقتة مكلفة بإدارة المجلس الوطني للصحافة، ومراجعة إطاره القانوني، والكشف عن التلاعب في منح بطاقة الصحافة، في تجاهل للمعايير المهنية، وهي جميعها تدابير تهدف إلى تقليص استقلالية المهنة وفضاءات التعبير النقدي.
كما يتم استهداف الفنانين النقديين. ففي فبراير 2026، حُكم على موزعة الأفلام السينمائية زينب الخروبي بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ. أما رسام الكاريكاتير الشاب ياسر (22 عاما)، فقد تم اعتقاله في منتصف يونيو 2026 بسبب رسومه الكاريكاتورية المنتقدة.
انتهاك ممنهج للحق في التنظيم وتأسيس الجمعيات
تنتهك السلطات الحق في تكوين الجمعيات بشكل ممنهج. فإلى جانب العوائق الإدارية غير القانونية – مثل رفض تسليم وصولات الإيداع، وعرقلة إجراءات تأسيس الجمعيات أو فروعها أو تجديد هيئاتها – يضاف حظر الاجتماعات والدورات التدريبية والمؤتمرات وغيرها من الأنشطة الجمعوية ، في مسعى يهدف إلى تضييق الحيز المدني وإضعاف المنظمات المستقلة. وتستهدف هذه الممارسات مجموعة واسعة من المنظمات السياسية والنقابية والجمعوية ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. ومن بين الحالات العديدة التي تم توثيقها، نجد “الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب” (ANDCM)، التي تنشط منذ عام 1991، وجمعية ” أطاك المغرب” (ATTAC CADTM MAROC)، التي حُرمت من تجديد وصل إيداع ملفها القانوني على الرغم من تأسيسها القانوني منذ عام 2000، بالإضافة إلى “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” (AMDH)، التي لا تزال عشرات فروعها محرومة من وصولات الإيداع.
وتمتد هذه السياسة أيضا إلى المنظمات الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي تُحظر أنشطتها أو تُعرقَل بانتظام في المغرب. فتتعرض منظمات مثل منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة تراسبارنسي المغرب لقيود متكررة، في حين تم طرد المراقبين والقانونيين الأجانب عدة مرات.
وقد أدى هذا الوضع إلى إنشاء “شبكة الجمعيات ضحايا المنع” (RAVI) في عام 2015، التي تضم منظمات تواجه رفض إصدار وصولات الإيداع، وحظر الأنشطة، وأشكالا أخرى من القمع الإداري. وقد تم إعادة تفعيل الشبكة في عام 2026 في دلالة على استمرار، بل وتفاقم، هذه الانتهاكات لحق التنظيم وحرية تأسيس الجمعيات. وفي هذا السياق، نظمت شبكة RAVI وقفة وطنية أمام البرلمان في 15 يوليو 2026 من أجل التنديد بهذه الممارسات والمطالبة بالاحترام الفعلي لحرية التنظيم وتأسيس الجمعيات.
على الرغم من تنوع الفئات المستهدفة، فإن كل هذه القضايا تشترك في سمة واحدة: اللجوء إلى تهم جنائية غامضة عن عمد، مثل “إهانة هيئات منظمة” أو “نشر معلومات كاذبة”، مما يسمح بملاحقة أشخاص من خلفيات مختلفة للغاية.
الحركات الاجتماعية في مواجهة قمع متزايد
يستهدف قمع التحرك الطلابي في جامعة ابن طفيل في القنيطرة منذ بداية عام 2026 بشكل صريح التنظيم النقابي للحركة: فقد حُكم على عشرة طلاب وشابات بالسجن لمدة شهرين نافذة، وتم طرد 18 آخرين من الجامعة. وقد نظم هؤلاء اعتصاما مفتوحا أمام وزارة التعليم العالي في الرباط، تم تفريقه بقسوة على يد الشرطة في 25 يونيو 2026.
يواجه نضال عاملات مصنع النسيج «سيكوميك» قمعا وحشيا ممنهجا كلما صعدن من أشكال نضالهن، سواء في مكناس، أو في الرباط، أمام الوزارات المعنية بقضيتهن. وقد تم فصل أكثر من 500 عاملة وعامل دون تعويض. ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، يواصلون تنظيم اعتصام للمطالبة باحترام حقوقهن وبحل عادل لقضيتهن. وترد السلطات على مطالبهم بتدخلات شرطية متكررة تهدف إلى كسر حراكهم وتثبيطهم عن مواصلة نضالهم.
“حراك فكيك” هو تحرك شعبي لسكان الواحة دون انقطاع منذ 26 أكتوبر 2023 ضد تفويت توزيع مياه الشرب والكهرباء إلى “شركة جهوية متعددة الخدمات” (SRM)، التي يعتبرونها خطوة في طريق خصخصة مياههم، وهو مورد تم تدبيره تاريخيا بشكل جماعي. وقد اتسمت هذه الحركة بقمع قضائي استهدف العديد من قادتها. فقد حُكم على محمد براهمي، المعروف باسم “موفو”، في محكمة الاستئناف بالسجن لمدة ثمانية أشهر نافذة بتهم تتعلق بمشاركته في الحراك، في حين حُكم على حليمة زيد بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية لأخذها الكلمة خلال إحدى المظاهرات. في مايو 2025، تم اعتقال محمد براهمي ورضوان مرزوقي مجدداً عقب مظاهرة قبل أن تتم تبرئتهما. وعلى الرغم من هذا القمع، يواصل الحراك حشد أنصاره من خلال الاعتصامات والمسيرات الأسبوعية التي تنظم كل يوم جمعة.
منذ ما يقرب من عامين، يواصل سكان دوار أولاد رامي، في جماعة سيدي عيسى بن سليمان، حراكهم ضد تشغيل مقلع الحجارة، الذي يعتبرونه تهديدا لصحتهم وبيئتهم وموارد عيشهم. وبعد عدة اعتصامات لم تلق إلا آذانا صماء، أذن القضاء باستئناف عمل المقلع. وفي 24 مارس 2026، أدى تنفيذ هذا القرار إلى تدخل عنيف من قبل قوات القمع، مما أسفر عن وقوع العديد من الجرحى واعتقال عدد من المتظاهرين.
يكشف تنوع القطاعات المستهدفة عن استراتيجية متسقة تهدف إلى تضييق جميع فضاءات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي والثقافي.
ومع ذلك، فإن هذا التصعيد الجديد للقمع ليس إلا امتدادا لتقاليد طويلة الأمد قوامها التدبير الأمني للنزاعات الاجتماعية في المغرب.
- قمع يندرج في سياق تاريخي متواصل
تندرج هذه الأحداث في سياق تاريخ طويل من النضالات المناطقية في المغرب. ومن بين أبرزها نذكر نضال إميضر ضد استغلال أكبر منجم للفضة في البلاد، حيث يحتل السكان منذ عام 2011 المنشآت التي تزود المنجم بالمياه؛ وحراك الريف (2016-2018)، الذي اندلع بعد الوفاة المأساوية للشاب محسن فكري وما تبعه من قمع واسع النطاق أدى إلى مئات الاعتقالات وأحكام قاسية، منها السجن لمدة عشرين عاما لعدد من قادة الحراك الرئيسيين، ومن بينهم ناصر زفزافي ونبيل أحمجيق؛ وكذلك “حراك جرادة” (2017-2018)، الذي نشأ بعد وفاة عمال السندريات ( مناجم فحم سرية) واتسم هو الآخر بموجة كبيرة من الاعتقالات والأحكام القضائية.
كما تشكل حركة الخريجين المعطلين عن العمل أحد أكثر الأمثلة على استمرار هذه السياسة القمعية. فقد تأسست هذه الحركة منذ عام 1991 في إطار ” الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب ” (ANDCM)، ولا تزال فاعلة في عدة مناطق وتواصل مواجهة التعاطي القمعي البحت مع مطالبها، الذي يتسم بالتدخلات البوليسية والاعتقالات والملاحقات القضائية ضد مناضليها. ويدل استمرار نضالاتها على حجم البطالة التي تمس جزء كبيرا من الخريجين الشباب في المغرب. ولا يزال الاقتصاد المغربي، الذي يعتمد على الاستيراد، عاجزا عن توفير فرص شغل لقوة عاملة مؤهلة تتزايد أعدادها باستمرار. ويحفز هذا المأزق، منذ أكثر من ثلاثة عقود، نضالات الخريجين المعطلين المطالبين بالحق في الشغل. كما يسهم في جعل هذه الفئة من الشباب أحد المصادر الرئيسية للهجرة. فبالنسبة للعديد منهم، تظل الهجرة كخيار وحيد في مواجهة البطالة المزمنة، والهشاشة الاجتماعية، وانتهاك للكرامة.
ورغم أن النضالات الشعبية تمثل هدفا رئيسيا للتعاطي القمعي مع الشأن الاجتماعي، فإن التوترات تمتد الآن لتشمل فئات أخرى. كما تثير الإصلاحات التي أطلقتها السلطة تحركات احتجاجية داخل المهن المنظمة، كما يتضح من المواجهة التي تدور منذ بداية عام 2026 بين مهنة المحاماة ووزارة العدل.
تعبئة غير مسبوقة للمحامين والمحاميات
منذ يونيو 2026، يخوض المحامون صراعا غير مسبوق مع وزارة العدل حول مشروع القانون رقم 66.23 الذي ينتهك استقلالية المحامين والمحاميات المهنية، واستقلاليتهم التنظيمية، وحصانتهم، فضلا عن الضمانات الدستورية لممارسة حق الدفاع. وبعد أسبوع أول من الإضراب الوطني (15-21 يونيو)، تم استئناف التحرك في شكل إضراب عام غير محدود، مصحوبا بتعليق المساعدة القضائية. دخل الإضراب أسبوعه السادس في نهاية شهر يوليو 2026، متسببا في شلل شبه تام للمحاكم. وبالتوازي مع ذلك، كثف المحامون والمحاميات احتجاجاتهم، ولا سيما بتنظيم اعتصام وطني أمام البرلمان في 29 يونيو، قبل أن يعلنوا عن تصعيد يشمل تحركات إقليمية، ورفع دعوى أمام المحكمة الدستورية، وحملة دعم دولية بهدف طرح مسألة استقلالية المهنة أمام المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي للمحامين (UIA)، المقرر عقده في مراكش في أكتوبر 2026.
- الدوافع السياسية لتشديد الإجراءات الاستبدادية
الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي لخدمة المشاريع الكبرى لرأس المال
يستعد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. كما سبق أن استضاف كأس الأمم الأفريقية 2025. تندرج هذه التظاهرات في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز جاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية والسياحة. ومن هذا المنطلق، تسعى السلطات إلى إظهار صورة بلد مستقر وآمن ويسيطر سيطرة كاملة على الفضاء العام، مما يسهم في تشديد التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية والتعبيرات النقدية. ويأتي تعميم إجراءات المراقبة وتعزيز صلاحيات الشرطة بشكل صريح في إطار هذا المنطق الرامي إلى تأمين التظاهرات الكبرى وتدفقات الأشخاص، ولكن أيضا، على نطاق أوسع، لضمان مناخ أعمال مواتٍ للمستثمرين، الذين يولون الأهمية للقدرة على استشراف الأوضاع الأمنية ولغياب الاحتجاجات الاجتماعية، بشكل لا يقل عن اهتمامهم بالمؤشرات الاقتصادية الكلية.
تسريع التحديث الأمني بفضل التطبيع مع إسرائيل
منذ اتفاقيات ديسمبر 2020، انتقل التعاون الأمني والعسكري بين الرباط والكيان الصهيوني إلى مرحلة التكامل الشامل: عبور معدات جيش الاحتلال عبر الموانئ المغربية، وبيع تقنيات الاستخبارات والدفاع السيبراني وطائرات المراقبة بدون طيار. يضاف إلى ذلك الانتشار السريع لنظام المراقبة بالفيديو المسمى «الذكي» في الأماكن العامة: فقد تم نشر عدة آلاف من الكاميرات الثابتة والمتحركة في الرباط والدار البيضاء والمدن الكبرى الأخرى بمناسبة كأس الأمم الأفريقية 2025. ورغم تقديم هذه البنية التحتية على أنها أداة لإدارة التدفقات و«الأمن»، فإنها تظل قابلة للاستخدام بنفس القدر في الرقابة الاجتماعية وتسجيل التجمعات. ويمتد هذا التطبيع إلى العديد من القطاعات الأخرى — الاقتصادية والثقافية والرياضية وغيرها. ومع ذلك، فإنه لا يزال يواجه رفضاً شعبيا واسعا، يقوده على وجه الخصوص «الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع»، التي تنظم مظاهرات مستمرة في غالبية المدن المغربية. وقد تم قمع العديد من الاعتصامات التضامنية مع الشعب الفلسطيني بعنف، ومن بينها أحدثها الذي نُظم يوم السبت 18 يوليو 2026 في طنجة. وفي الوقت نفسه، تم سجن العديد من الناشطين والناشطات المعارضين لتطبيع العلاقات مع إسرائيل أو يخضعون لملاحقات قضائية.
تدعيم سلطة برجوازية استبدادية
يضم الائتلاف الحكومي الذي نتج عن انتخابات سبتمبر 2021 ثلاثة أحزاب — التجمع الوطني للأحرار (RNI)، وحزب الأصالة والمعاصرة (PAM)، وحزب الاستقلال — وهي أحزاب برجوازية ليبرالية، ملكية، ومتجذرة بقوة في أوساط الأعمال ودواليب النظام السياسي. ويستند ميثاق تحالفهم إلى اتفاق تصويت في البرلمان يضمن منهجيا لمشاريع قوانين السلطة التنفيذية، وتنسيقا واسع النطاق مع الجماعات المحلية يضمن إدارة متجانسة على مستوى البلد برمته
وتشكل هذه الهندسة السياسية امتدادا لسمات بنيوية للبرجوازية المغربية، التي تزدهر تقليديا بفضل دعم الدولة، من خلال الريع والمحسوبية. وتؤدي الأعمال التجارية غير المشروعة الناشئة عن تراكم المناصب السياسية والاقتصادية إلى تشجيع المحسوبية في منح الصفقات العمومية والتراخيص والولوج إلى الأراضي لشبكات عائلية قريبة تاريخيا من السلطة. ويتم هذا التوزيع تحت حماية سياسية، بموافقة نظام يهيمن أيضا على الثقل الاقتصادي لهذه القاعدة الاجتماعية نفسها. يمتلك رئيس الحكومة عزيز أخنوش ثروة تُقدَّر بـ 1,6 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 3,5 % من الدين العام الخارجي للبلاد في نهاية عام 2024. وهو يُعد من بين أغنى المغاربة (وفقًا لتصنيف فوربس للمليارديرات) — حيث احتل المرتبة الأولى عدة مرات — ومن بين أغنى الأفارقة. وهي ثروة عائلية عززها منذ تعيينه رئيسا للحكومة في سبتمبر 2021.
- هجوم اجتماعي على الطبقات الشعبية
إلى جانب الانتهاكات التي تتعرض لها الحريات العامة، فإن قمع النضالات الشعبية يندرج في إطار هجوم أكثر شمولا. وهو يرافق عملية إعادة هيكلة نيوليبرالية تهدف إلى إضعاف الحقوق الاجتماعية، وزيادة مرونة سوق الشغل، وتحميل الطبقات الشعبية تكلفة الأزمات.
تقييد الحق في الإضراب
يبدو القانون التنظيمي (رقم 97.15) المتعلق بالحق في الإضراب، الذي اعتمد في 3 فبراير 2025 بعد أكثر من عقدين من التعطيل ونُشر في الجريدة الرسمية في 24 مارس 2025، نتيجةً لضغوط أرباب العمل أكثر منه ثمرة لمطالب النقابات. كما أن قيادات الاتحادات النقابية الرئيسية، التي أصبحت محاصرة بشكل متزايد في آليات “الحوار الاجتماعي” و”السلم الاجتماعي”، فقدت مصداقيتها إلى حد كبير فيما يتعلق بقدرتها على الدفاع عن حقوق العمال أو الحصول على مكاسب جديدة. كما أشاد “الاتحاد العام لمقاولات المغرب” (CGEM) بهذا القانون باعتباره خطوة إلى الأمام كانت منتظرة “منذ أكثر من 60 عاما”، وهو ما يفصح كثيرا عن أي مصالح يخدم القانون الجديد. ففي الواقع، يقيّد النص بشدة ممارسة حق الإضراب من خلال فرض الإشعار المسبق، وعقد جمع عام بنصاب قانوني، وحظر احتلال أماكن العمل، وفرض عقوبات مالية باهظة. كما يرافق ذلك الإبقاء على إمكانية مقاضاة المضربين جنائيا، لا سيما استنادا إلى المادة 288 من القانون الجنائي المتعلق بـ”عرقلة حرية العمل”.
من ناحية أخرى، يواصل الاتحاد العام لمقاولات المغرب ضغوطه من أجل توسيع نطاق المرونة التي سبق أن نص عليها قانون الشغل لعام 2004. ويعني هذا التوجه بشكل خاص تعميم العمل المؤقت وتوسيع نطاق التعاقد، بما في ذلك في الوظيفة العمومية، فضلا عن تخفيف الإجراءات التي تنظم عمليات الفصل من العمل.
الإصلاح الرجعي لنظام التقاعد
قدمت اللجنة الوطنية في يوليو 2025 مشروع إصلاح مستوحى من المنظور الليبرالي. وينص هذا المشروع على رفع سن التقاعد القانوني تدريجيًا إلى 65 عاما لجميع الأنظمة (مقابل 60 عاما في القطاع الخاص و63 عاما في القطاع العام حاليا)، وإطالة مدة دفع الاشتراكات، وزيادة قيمتها، وإعادة هيكلة صناديق التقاعد حول محورين. ووفقا للسياسات النيوليبرالية، تضع هذه الإصلاحات العبء الأكبر لهذه “الإصلاحات” على عاتق العمال.
الدين العمومي والتقشف الهيكلي
ارتفعت نسبة الدين العمومي الإجمالي إلى الناتج الداخلي الإجمالي من 56% في عام 2008 إلى 76% خلال الفترة 2012-2019 في أعقاب الأزمة الهيكلية للرأسمالية في 2008-2009، ثم إلى 87% خلال الفترة 2020-2024 في أعقاب الأزمة الصحية الناجمة عن جائحة كوفيد. ويصاحب هذا الارتفاع انسجاما أكثر وضوحا من جانب المغرب مع سياسات التقشف التي يدعو إليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لا سيما منذ أزمة كوفيد. ويتجلى ذلك في مدفوعات خدمة الدين التي تزداد صعوبة، على حساب الإنفاق الاجتماعي — الصحة، والتعليم، ودعم السلع الأساسية — في حين تستمر الإعانات والمزايا الضريبية الممنوحة لرأس المال الخاص، فضلا عن ضغوط متزايدة للمؤسستين الماليتين الدوليتين من أجل إجراء إصلاحات هيكلية (التقاعد، وإصلاح الوظيفة العمومية، وصندوق المقاصة، والضرائب، وتحرير سعر الصرف) .
يحدث هذا في الوقت الذي تستحوذ فيه البنى التحتية المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى (الملاعب، وخطوط القطارات فائقة السرعة، والمطارات) على مئات المليارات من الدرهم من الاستثمارات العامة: في حين تعاني المستشفيات والمدارس العمومية من تدهور مزمن — وهذا بالضبط ما تدينه حركة جيل زيد. وباعتباره بلدا يعاني من التبعية الهيكلية، يتحمل المغرب تداعيات الأزمات الدولية. وقد أدت الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والحروب في الشرق الأوسط، والتوترات في الأسواق العالمية للطاقة والمواد الغذائية إلى تفاقم الضغوط التضخمية والميزانياتية، التي تستخدمها الحكومة لإجبار الطبقات الشعبية على تحمل تكلفة هذه الأزمات.
- خلاصة
لا تعكس هذه الحملة القمعية قوة النظام بقدر ما تعكس رغبته في منع تفاقم الاحتجاجات الاجتماعية في سياق يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة، وتعميق السياسات النيوليبرالية، وتراكم التفاوتات. وهكذا، فإن تجريم الاحتجاج يرافق هجوما أوسع نطاقا على الحقوق الاجتماعية والديمقراطية.
وعلى الرغم من ضخامة هذه الحملة، فإن التحركات الاحتجاجية لا تزال مستمرة. فالحركات المحلية مثل حراك قكيك، والنضالات العمالية، والتحركات الطلابية، واحتجاجات الشباب، أو حتى المظاهرات التضامنية مع فلسطين، تشهد على استمرار الحراك الاجتماعي الذي لا يزال يجد أشكالا جديدة للتعبير عن نفسه.
إلا أن هذه الدينامية تتطور في سياق يتسم بفقدان مصداقية قيادات النقابات الرئيسية بشكل عميق، حيث اندمجت إلى حد كبير في آليات “الحوار الاجتماعي” و”السلم الاجتماعي”، فضلا عن الضعف التنظيمي لليسار الراديكالي وتواجده المحدود حتى الآن في القطاعات الرئيسية للنضال. ويُعقّد هذا الضعف المزدوج اليوم توحيد قوى المقاومة وبناء ميزان قوى على المستوى الوطني. ومع ذلك، فإن تكاثر الحركات الاحتجاجية يُظهر أن السياسات الاستبدادية والنيوليبرالية لا تستطيع كبح التطلعات الشعبية إلى العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية على المدى الطويل، ولا منع ظهور أجيال جديدة من المناضلين وأشكال جديدة من المقاومة.
بقلم: مروان
تعريب: المناضلة الاشتراكية
نشر بالفرنسية في انبركور بتاريخ 28 يوليوز 2026