تحتلُ الولاية المتحدة الأمريكية موقع الصدارة بين القوى الرأسمالية على الصعيد العالمي. فما تزال اقتصاداَ أول، و لا ينازعها في القوة العسكرية جيش آخر من حيث العتاد والانتشار والقدرة على فرض الارادة السياسية. وقد رسخت الحرب العالمية الثانية هذه المكانة الاستنائية، ثم عززتها لاحقا تفكك الاتحاد السوفياتي ومنظومته التابعة.
صحيح أن موقع الولايات المتحدة الأمريكية يواجه تحديات متزايدة بفعل صعود قوى رأسمالية فتية، وفي مقدمتها الصين، وصحيح أيضا أن مؤشرات انهاك واضحة في سياستها الخارجية و الداخلية، الا أنها لا تزال حتى اليوم قلب المنظومة الرأسمالية الامبريالية.
ويعكس الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة ميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية،وقد تفضي تطوراته الى نتائج سياسية تؤثر في خياراتها الاستراتيجية، ومن ثم في الوضع العالمي برمته.
ننشر هنا مقالا مترجم للرفيق دان لا بوتز من أمريكا، يعرض فيه الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغريس، في علاقات بقضايا السياسة الخارجية والخيارات العمالية الممكنة إزاء ذاك الوضع.
المناضلة الاشتراكية
ألقى دونالد ترامب خطابه بمناسبة عيد الاستقلال في الساعة العاشرة مساء وأربعة وخمسون دقيقة، بتوقيت واشنطن المحلي. وفي خطاب استمر ما يزيد قليلاً عن ثلاثين دقيقة، أعلن أن الولايات المتحدة هي أعظم أمة في العالم (كبيرة وجميلة)، وأكثر ازدهارًا من أي وقت مضى، وأقوى عسكريًا ، وأكثر استعدادًا لتشكيل المستقبل.
ووصف الشيوعية بأنها العدو الرئيسي — على غرار خطابات الرؤساء في عهد ماكارثي والحرب الباردة — واصفًا إياها بـ«السرطان الذي يجب استئصاله»، كل ذلك على خلفية من قدامى المحاربين في حربي فيتنام وكوريا. وجاء خطابه ردًا على ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لثلاثة أعضاء من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) في ثلاث دوائر انتخابية بنيويورك، حيث يكاد يكون من المؤكد فوزهم في نوفمبر. وكما يشير دان لا بوتز، «أوضح أنه سيصنف أعضاء منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين، وغيرهم من التقدميين، والحزب الديمقراطي على أنهم شيوعيون «أشرار» في سعيه لتأمين أغلبية جمهورية في الكونغرس في نوفمبر».
واستغل دونالد ترامب خطابه لإعادة تأكيد عزمه على تمرير «قانون إنقاذ أمريكا» (مشروع قانون مدعوم من الجمهوريين يهدف، تحت ذريعة «مكافحة التزوير الانتخابي»، إلى تشديد شروط الاقتراع وتسجيل الناخبين، على حساب الجماعات السوداء واللاتينية على وجه الخصوص، التي طالما أيدت الديمقراطيين بشكل كبير)، كاشفًا بذلك عن مخاوفه الكامنة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وننشر أدناه تحليلاً بقلم دان لا بوتز، أحد أعضاء هيئة تحرير مجلة «نيو بوليتيكس». ونشكره على إرساله إلى موقع Marx21.ch قبل نشره باللغة الإنجليزية. (SP)
نظم الرئيس دونالد ترامب، بمناسبة عيد ميلاده الثمانين والذكرى الـ250 لتأسيس الأمة، احتفالاً شبيهاً بالسيرك في البيت الأبيض، كلف 60 مليون دولار، وتضمن قفصاً يبلغ ارتفاعه 92 قدمًا أُطلق عليه اسم «الكمّاشة» وكان مخصصاً لـ«مصارعة الديوك البشرية»، ودراجات نارية تحلق في الهواء. وكانت الفعالية برمتها مليئة بالإعلانات التجارية. وقد جسد هذا الحدث بشكل مثالي عقلية ترامب القائمة على مبدأ «أنا الدولة»، وفساده، وانحطاط الثقافة الأمريكية في ظل حكمه شبه الملكي. وفي الوقت نفسه، أعلن نهاية الحرب ضد إيران، على الرغم من أنها لم تنتهِ بعد.
هناك، كان الجميع يبتسمون.
ومع ذلك، يسود شعور عميق بالقلق في الولايات المتحدة. هناك إحساس واسع النطاق بأن الأمور قد سارت في الاتجاه الخاطئ. وأن بلدنا قد انحرف عن مساره. وأن الحكومة لا تقوم بما ينبغي عليها. وأننا لا نعرف ما الذي ينتظرنا غدًا. تنتشر خيبة الأمل، وينتشر شعور غامض بالارتباك. تثير المغامرات الإمبريالية الجديدة في فنزويلا والحروب في الشرق الأوسط القلق. ويشكل نشر القوات وآلاف من عملاء إدارة الهجرة والجمارك l’ICE العنيفين والمُقنعين في مدننا وشوارعنا تهديدًا غير عادي – تهديدًا جديدًا. ولذلك، يسيطر علينا القلق والخوف. والانتخابات تقترب.
والناخبون قلقون ومتشككون. كما أن الديمقراطيين والمستقلين والجمهوريين غير راضين أيضًا. يُعرّف غالبية الناخبين أنفسهم الآن بأنهم مستقلون (45 في المائة)، في حين يعتبر 27 في المائة أنفسهم ديمقراطيين، فيما نفس النسبة تعتبر نفسها من الجمهوريين. ومن بين المستقلين، تميل الأغلبية نحو الديمقراطيين. ويشير العدد المتزايد من المستقلين إلى أن نظامنا السياسي قد يكون قادراً على التغير في ظل ظروف مناسبة وببعض المبادرات السياسية.
وستكون الانتخابات النصفية في 3 نونبر استفتاءً على الديمقراطية. لقد ركز الرئيس دونالد ترامب سلطة هائلة في يديه على حساب الحزب الجمهوري، وبالتالي على حساب الكونغرس، وحظي بدعم كبير من المحكمة العليا. لقد تجاهل الدستور وقوانين البلاد، مما أدى إلى إقامة أكثر الحكومات استبدادًا في التاريخ الحديث لأمتنا. لقد خالف التقاليد وهاجم المؤسسات العامة والخاصة التي كانت تحمينا، وتحسن شروط معيشتنا، وتضمن أمننا الاقتصادي – سواء كانت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أو المعاهد الوطنية للصحة، أو وزارة التعليم، أو الضمان الاجتماعي، أو المجلس الوطني لعلاقات العمل، من بين مؤسسات أخرى. وقد قام بتفكيك السياسات الحكومية التي كانت تحمي الأقليات العرقية والجنسانية، وتساعد في خلق مجتمع أكثر مساواة. وفي الوقت نفسه، استخدم سلطته لإجبار الجامعات على تغيير سياساتها ومناهجها الدراسية، وهاجم استقلالية وسائل الإعلام.
وحكومته مليئة بالمحسوبية والوساطة. وقد انخرط في سلسلة من الفساد، حيث قبل الرشاوى، والاختلاس ، وابتز الأموال، واستغل منصبه لتعزيز مصالحه التجارية ومصالح عائلته. لقد خفض الضرائب على نفسه وعلى طبقته من المليارديرات – «طبقة إبستين»، كما يطلق عليها البعض الآن – بينما قام بتقليص برامج الصحة والتعليم المخصصة للعمال والأكثر حرمانًا. وأرسل قوات أمريكية وعملاء من وكالة الهجرة والجمارك (ICE) إلى مدن في جميع أنحاء الولايات المتحدة، حيث قام هؤلاء الأخيرون بمهاجمة المهاجرين والمواطنين الأمريكيين على حد سواء وقتلهم بعنف. إن موقفه تجاه شعب بلدنا قاسٍ ووحشي، شأنه شأن تدخلاته في الخارج.
وقد انطلق ترامب في مغامرات إمبريالية تهدف إلى توسيع سيطرته على نصف الكرة الغربي، بدءًا من «اختطاف» نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، وصولًا إلى خنق كوبا عن طريق قطع إمداداتها النفطية. وفي الوقت نفسه، يهدد بانتزاع غرينلاند من الدنمارك، بل ويذهب إلى حد التفكير في ضم كندا إلى الولايات المتحدة. وهو يدعم ضمناً فلاديمير بوتين في حربه ضد أوكرانيا، من خلال قطع التمويل والأسلحة الأمريكية عن الضحية المحاصرة للإمبريالية الروسية.
وعلى غرار الرئيس السابق جو بايدن، وقف ترامب إلى جانب إسرائيل في حربها الإبادة الجماعية في غزة وعمليات التطهير العرقي التي تمارسها في الضفة الغربية، كما أنه يسمح باستمرار حرب إسرائيل ضد لبنان وهجماتها على سوريا. وأخيرًا، هناك حربه، التي يشنها بالاشتراك مع إسرائيل، ضد إيران، والتي أودت بحياة الآلاف وانتهكت القانون الدولي. ترامب، الذي كان قد أعلن أنه سيكون «رئيس السلام»، أصبح رئيس الحروب، متسببًا في مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، بمن فيهم العديد من المدنيين، ومن بينهم أطفال كثيرون.
وقد جلبت الحرب ضد إيران، التي أدت إلى حصار مضيق هرمز، الموت والدمار ليس فقط للإيرانيين والأمريكيين، بل أيضًا لشعوب الشرق الأوسط، وعطلت إمدادات النفط (20 في المائة) والأسمدة. ونتيجة لذلك، تسببت في اضطراب الاقتصادات العالمية. وقد انجرّت عدة دول في المنطقة إلى هذه الحرب، كما أن المساعدات العسكرية التي تقدمها روسيا والصين لإيران تزيد من خطر اندلاع حرب أوسع نطاقاً.
وستشكل الانتخابات النصفية ذروة عامين من الاحتجاجات الجماهيرية، ولا سيما مظاهرات «لا للملوك» التي جرت في 1 مايو 2026، و«محاربة الأوليغارشية» التي نظمها السناتور بيرني ساندرز، والتي جمعت ملايين الأمريكيين-ات في أكثر من 3,500 بلدة ومدينة. وقد تطورت هذه الاحتجاجات لتصبح حركة مقاومة شاملة ضد كل جوانب سياسات ترامب، بدءًا من تقويضه للديمقراطية وصولًا إلى تخفيضاته الضريبية لصالح الأثرياء وتخفيضاته في الإعانات الاجتماعية للبقية منا. وهي احتجاجات تدين دعمه للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، وحربه التي يشنها بالاشتراك مع إسرائيل ضد إيران، وهجماته العنيفة واللاإنسانية على المهاجرين-ات، ودفاعه عن النفط والفحم، على الرغم من أن مصادر الطاقة هذه هي التي تدفع الاحتباس الحراري وتسبب الظواهر الجوية المتطرفة.
معظم الذين يتظاهرون تحت شعار «لا للملوك» ويشاركون في مسيرات «محاربة الأوليغارشية» ينتظرون بشغف شهر نوفمبر المقبل، ويرون فيه فرصة لانتخاب أغلبية ديمقراطية في الكونغرس، ويأملون في البدء في كبح جماح ترامب والجمهوريين. هذا على الرغم من أن الكثيرين يعتبرون الديمقراطيين ضعفاء وغير فعالين ويفتقرون إلى الأفكار المفيدة، ناهيك عن الأفكار الملهمة. وهناك الآن مقاومة واسعة ونشطة ضد ترامب في جميع أنحاء البلاد.
هل يفقد ترامب قبضته على الحزب الجمهوري؟
في الوقت نفسه، هناك مؤشرات على أن ترامب؛ على الرغم من قدرته على الانتقام من خصومه في الانتخابات التمهيدية الجمهورية؛ يفقد قبضته على كل من حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (MAGA)والحزب الجمهوري. وقد انتقد الجناح الذي يدعو ضمن الحركة إلى «أمريكا أولاً» ووضع حد للحروب التي لا نهاية لها، إلى جانب شخصياته المؤثرة — مثل المذيع السابق في قناة «فوكس نيوز» تاكر كارلسون، والشخصية الإعلامية كانديس أوينز، ومقدمة البودكاست ميغين كيلي، والنائبة السابقة مارجوري تايلور غرين — الحرب ضد إيران منذ البداية. ويمكن اعتبار نائب الرئيس ج. د. فانس شريكاً صامتاً لهذه المجموعة.
ومن الواضح أن هذه الشخصيات، إلى جانب آخرين مثل السناتور تيد كروز وكاتب العمود في صحيفة «نيويورك تايمز» بريت ستيفنز، غير راضية عن أن الولايات المتحدة، على الرغم من التكلفة الهائلة للحرب في إيران — التي تُقدَّر الآن بأكثر من 40 مليار دولار — قد تعرضت لهزيمة نكراء، دون أن تحقق أيّاً من أهدافها.
وفي الوقت نفسه، ينأى بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين بأنفسهم عن ترامب بسبب قضية قاعة الحفلات في البيت الأبيض، التي قُدرت تكلفتها في البداية بـ 200 مليون دولار على أن يمولها متبرعون من القطاع الخاص، ثم قُدرت لاحقًا بـ 400 مليون دولار على أن يتحملها دافعو الضرائب. وقد حذف أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون من مشروع قانون تمويل الهجرة طلبًا بتمويل قدره مليار دولار لخدمة الحماية الرئاسية، وهو ما كان سيساعد في تمويل قاعة الحفلات الخاصة بالرئيس دونالد ترامب. ويشكل هذا انشقاقاً نادراً بين الجمهوريين وترامب.
كما أنهم يعارضون إنشاء وزارة العدل التابعة لترامب لما يُسمى بـ«صندوق مكافحة الاستغلال»، الذي يهدف إلى تعويض الأفراد — من مؤيدي ترامب — الذين زُعم أنهم تعرضوا للاضطهاد من قبل وزارة العدل الأمريكية في عهد الرئيس جوزيف بايدن. ويمكن دفع الأموال الناتجة عن هذه التسوية إلى مثيري الشغب في 6 يناير الذين اقتحموا مبنى الكونغرس بعنف لمنع انتخاب بايدن — بعبارة أخرى، للإطاحة بالحكومة المنتخبة. كانت تلك محاولة انقلاب. وإليكم كيف حدث ذلك.
في يناير 2026، رفع ترامب دعوى قضائية ضد مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS) ووزارة الخزانة مطالباً بمبلغ 10 مليارات دولار بسبب الكشف عن إقراراته الضريبية. ومنحت وزارة العدل، بقيادة شخص عيّنه ترامب بنفسه، ترامب — كجزء من تسوية خارج المحكمة — السيطرة على ما يقرب من 1.8 مليار دولار، والتي يبدو أنها ستوزع على حلفائه وأصدقائه. قال السناتور الجمهوري ميتش ماكونيل: «إذن، هل يطلب أعلى مسؤول عن إنفاذ القانون في البلاد صندوقاً سرياً لدفع أموال لأشخاص يهاجمون ضباط الشرطة؟ هذا أمر يتجاوز حدود الغباء، وهو غير مقبول أخلاقياً… فلتستنتجوا ما شئتم من ذلك». في الوقت الحالي، تم عرقلة هذه المبادرة من قبل المحاكم.
لكن ربما الأهم من ذلك هو أن عدة استطلاعات للرأي تشير إلى أن الناخبين من الطبقة العاملة البيضاء بدأوا الآن في الابتعاد عن ترامب. وكما كتبت صحيفة «نيويورك تايمز»:
«انخفضت نسبة تأييد السيد ترامب في مجال الاقتصاد بشكل حاد في جميع الفئات تقريبًا. لكن انهيار الدعم الذي يحظى به بين المجموعة الأساسية من الناخبين الموالين الذين شكلوا حجر الأساس لتحالفه السياسي على مدى عقد من الزمن قد يُصنف ضمن أهم أحداث عام 2026، وفقًا لمقابلات أُجريت مع استراتيجيين من كلا الحزبين المشاركين في انتخابات التجديد النصفي».
«تُظهر استطلاعات الرأي الآن بشكل متسق أن غالبية الناخبين البيض غير الحاصلين على شهادة جامعية لم يعودوا يوافقون على طريقة تعامل السيد ترامب مع الاقتصاد». (شين غولدماتشر، «نقطة الضعف الكبيرة الجديدة لترامب في عام 2026: الناخبون البيض من الطبقة العاملة»، 12 يونيو 2026).
قد يكون التحول في أوساط الطبقة العاملة البيضاء عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين في الكونغرس، لوضع حد للفوضى التي زرعها دونالد ترامب وبناء حركة نقابية جديدة.
ومع ذلك، يدخل ترامب انتخابات التجديد النصفي وهو يتمتع بقوة اقتصادية وسياسية كبيرة. فقد اصطف معظم مليارديرات وادي السيليكون، الذين كان يُنظر إلى الكثير منهم في السابق على أنهم مثاليون ليبراليون، إلى جانب ترامب بسبب معارضتهم للتشريعات المنظمة للقطاع وزيادة الضرائب التي اقترحها الديمقراطيون.
ومن بين أولئك الذين يدعمون الرئيس الآن نذكر: إيلون ماسك، أول «تريليونير» في البلاد، والرئيس التنفيذي لشركتي «تيسلا» و«سبيس إكس»، الذي ترأس لفترة وجيزة «وزارة كفاءة الحكومة» (أو «دوجي»)، والذي لا يزال يقف إلى جانب الرئيس على الرغم من التوترات بينهما؛ وبيتر ثيل، من شركة «بالانتير» – وهي شركة تأسست بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وتقدم خدمات للجيش؛ مارك أندريسن، مستثمر رأس المال المُخاطر ة والمؤسس المشارك لشركة «أندريسن هورويتز»؛ ديفيد ساكس، مستثمر رأس المال المُخاطر ة والمدير التنفيذي السابق لشركة «باي بال»؛ جيف بيزوس، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «أمازون»؛ مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»؛ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»؛ وتيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «آبل». وقد تبرع جميع هؤلاء الرجال تقريبًا بملايين الدولارات لحملة ترامب، وحضروا فعالياته الكبرى، وتعاونوا بنشاط مع إدارته. إنهم يجسدون قِمّة الأوليغارشية التي ينتقدها بشدة السناتور بيرني ساندرز.
وفي الوقت نفسه، عزز ترامب والجمهوريون قبضتهم على جزء كبير من وسائل الإعلام. ويمتلك ماسك، بالطبع، منصة «إكس»، وهي منصة عالمية كبرى للتواصل الاجتماعي والأخبار. أما حلفاء ترامب، لاري وديفيد إليسون، فقد استحوذا على شركة «باراماونت»، المالكة لشبكة «سي بي إس». وعقب هذا الاستحواذ، حوّلت «سي بي إس نيوز» تغطيتها الإخبارية نحو اليمين. كما ألغت شبكة سي بي إس برنامج ستيفن كولبيرت، *ذا ليت شو*، The Late Show، الذي تم بثه لمدة أحد عشر عامًا وكان، لمدة تسع سنوات من تلك السنوات، البرنامج التلفزيوني المسائي الأكثر مشاهدة — وذلك بوضوح بسبب انتقادات كولبيرت لترامب وإدارته. تسيطر كل من «نيكستار ميديا جروب» و«سينكلير برودكاست جروب» على مئات المحطات التلفزيونية المحلية التي تتبنى آراءً يمينية. من جانبه، اشترى جيف بيزوس صحيفة «واشنطن بوست» ووجه قسم الرأي فيها نحو الترويج لـ«الحريات الفردية والسوق الحرة»، مع سحب تأييد الصحيفة لأي مرشح رئاسي. وفي الوقت نفسه، استغلت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، برئاسة بريندان كار، الموافقات المعلقة على عمليات الاندماج للضغط على جهات البث، مستهدفةً شبكة ABC على وجه الخصوص، مما أدى إلى التعليق المؤقت لبرنامج جيمي كيميل الليلي. كما انتقدت اللجنة ستيفن كولبيرت، وتجري حالياً تحقيقاً في برنامج «ذا فيو»، وهو برنامج نهاري تناقش فيه مُتدخلات القضايا الراهنة وينتقدن ترامب أحياناً.
وفي الوقت نفسه، تستهدف وزارة العدل في عهد ترامب بشكل متزايد المناضلين-ات اليساريين. فقد أعلنت عن أسماء 15 عضوًا من منظمة «Direct Action Minnesota» المنخرطين في احتجاجات ضد وكالة الهجرة والجمارك (ICE). ويجري حاليًا تحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في مجموعة محلية لتسجيل الناخبين في ولاية أوهايو، بشبهة التورط في تزوير انتخابي. كما وُجهت إلى مجموعة مكونة من ثمانية نشطاء مؤيدين لفلسطين في جامعة ميشيغان تهمة التآمر لتهديد مُسيري المركب الجامعي، بهدف إجبارهم على قطع العلاقات مع إسرائيل. وقد أعلن «مركز القانون لمكافحة الفقر في الجنوب (SPLC) «أنه يخضع لتحقيق جنائي من قبل وزارة العدل بشأن استخدامه في الماضي لمخبرين مدفوعي الأجر داخل جماعة «كو كلوكس كلان» والجماعات النازية الجديدة. نحن نعيش بشكل متزايد في دولة بوليسية.
الرغبة في التغيير
ومع ذلك، فإن الناخبين في حالة اضطراب. فالأمريكيون – سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين أو مستقلين – يبحثون عن اتجاه سياسي جديد. فقد قضت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، والتي أعقبتها الحرب ضد إيران، على أي تفاؤل اقتصادي. أدى ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية الناجم عن الحرب ضد إيران، والتكاليف الفلكية للسكن في العديد من المدن، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، إلى إدراك الكثيرين للحاجة إلى أجندة سياسية جديدة لمعالجة ما يراه العديد من المواطنين العاديين أزمة اقتصادية. وفي كاليفورنيا، أثار كل من الحاكم غافين نيوسوم والنائب رو خانا، الذي يمثل وادي السيليكون، إمكانية الاستلهام من الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت، الذي أقام، خلال فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، عقدًا اجتماعيًّا جديدًا حسّن الظروف المعيشية للعمال وكبار السن — وأنقذ الرأسمالية.
ومع ذلك، من الواضح أن هذين السياسيين الكاليفورنيين يخشيان إثارة غضب «طبقة المانحين»، ولا سيما المليارديرات في قطاع التكنولوجيا في ولايتهما. يتحدث كل من نيوسوم وخانا عن الحاجة إلى فرض ضرائب على المليارديرات، لكنهما يؤكدان أيضًا على مدى تقديرهما لرواد الأعمال، لا سيما أولئك الموجودين في وادي السيليكون. أما توم ستاير، الملياردير الأمريكي، فهو أقل حذراً، ربما لأنه يستطيع أن يكون كذلك: فهو رجل أعمال، ومُحسن، وناشط بيئي، ومرشح ديمقراطي سابق لمنصب حاكم الولاية، دعا برنامجه الانتخابي إلى نظام رعاية صحية بجهة دافعة واحدة، وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، والضغط على شركة باسيفيك للغاز والكهرباء (PG&E) لخفض تكاليف الطاقة، بالإضافة إلى تدابير تقدمية أخرى.
سيصوّت العديد من الناخبين لصالح الديمقراطيين في نونبر لإنهاء ولاية ترامب، لكنهم لا يعلقون آمالاً كبيرة على أن يكون هذا الحزب، بقيادة معتدلين مثل السناتور تشاك شومر والنائب هاكيم جيفريز — وكلاهما ملتزمان بشدة بالوضع الراهن — قادراً على رسم مسار جديد. لكن بالنسبة للناخبين-ات المنهكين-ات والغاضبين-ات والخائفين-ات، فإن الديمقراطيين هم، في الوقت الحالي، البديل الوحيد، لأننا نعيش للأسف في بلد لا يوجد فيه سوى حزبين رأسماليين محافظين، أحدهما أسوأ بكثير من الآخر. والآن، مع إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية للكونغرس، سيصبح من الأصعب علينا الاختيار بين هذين الخيارين السيئين.
التلاعب بالانتخابات
إن مزاعم الرئيس دونالد ترامب بحدوث تزوير انتخابي، وأحكام المحكمة العليا، وتصويتات المجالس التشريعية للولايات، تعيد تشكيل المشهد الانتخابي من خلال إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بهدف زيادة عدد النواب الجمهوريين وتقليل عدد النواب الديمقراطيين. وفي الوقت نفسه، ستؤدي هذه العملية إلى خفض عدد النواب من السود والأمريكيين اللاتينيين في الكونغرس، حيث يؤيد 82 في المائة من السود و61 في المائة من الأمريكيين اللاتينيين الحزب الديمقراطي. وعندما تكون إعادة توزيع الدوائر الانتخابية ذات طابع حزبي – حيث تفضل النواب المنتخبين الحاليين، ومعظمهم من الرجال – فإنها تؤدي عمومًا إلى تقليص تمثيل النساء أيضًا.
لطالما أسفرت الانتخابات النصفية تاريخياً عن مكاسب للحزب الذي لا يمسك بالسلطة، وهو ما ينبغي أن يعني فوزاً للديمقراطيين في نونبر المقبل، نظراً لأن ترامب الجمهوري هو الرئيس، كما أن الجمهوريين يسيطرون أيضاً على مجلسي الكونغرس. لكن ترامب والجمهوريين يعملون بشكل محموم للتلاعب بالانتخابات حتى يفوز حزبهم ويحتفظ بالسيطرة على الكونغرس. تاريخياً، كانت حدود الدوائر الانتخابية تُعاد ترسيمها في جميع الولايات عقب التعداد السكاني الذي يُجرى كل عشر سنوات لتعكس التغيرات الديموغرافية، لكن هذه العملية تُجرى الآن بين التعدادات السكانية، بطريقة حزبية، لصالح حزب أو آخر. بدأت هذه العملية في يوليو 2025، عندما طالب ترامب حاكم ولاية تكساس الجمهوري، جريج أبوت، والجمهوريين الذين يسيطرون على المجلس التشريعي للولاية، بإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية للولاية، وهو ما قاموا به بالفعل.
وكجزء من عملية إعادة الترسيم هذه، من المتوقع أن يكتسب الجمهوريون في تكساس ما بين ثلاثة إلى أربعة مقاعد إضافية في الكونغرس. وعقب تكساس، قامت ولايتا ميسوري وكارولينا الشمالية اللتان يقودهما الجمهوريون بإعادة ترسيم خرائطهما الانتخابية أيضًا، مما مكن الجمهوريين من كسب مقعد إضافي في كل من هاتين الولايتين. وبسبب الطعون القانونية، قامت كل من أوهايو ويوتا بإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، مما أدى إلى حصول الجمهوريين على مقعدين إضافيين في أوهايو ومقعد واحد في يوتا.
ورداً على ذلك، أجرت كاليفورنيا – التي تمتلك أكبر وفد في الكونغرس (52 مقعداً) ويقودها حاكم ديمقراطي هو غافين نيوسوم – استفتاءً على مستوى الولاية للموافقة على إعادة ترسيم الحدود الانتخابية. وبفضل هذه الخريطة الجديدة، حصل الديمقراطيون على أربعة إلى خمسة مقاعد جديدة. وعلى غرار كاليفورنيا، أقرت ولاية فرجينيا استفتاءً يهدف إلى إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية وإضافة مقاعد للديمقراطيين، لكن المحكمة العليا للولاية ألغت المبادرة استنادًا إلى حجج قانونية مشكوك فيها.
يبدأ الجزء الثاني من القصة في 29 أبريل 2026، عندما قضت المحكمة العليا الأمريكية، في قضية من لويزيانا Louisiane ، بأن المادة 2 من قانون حقوق التصويت تشكل تقطيعا انتخابيا تمييزيا، وبالتالي فهي غير دستورية، لأنها تضمن تمثيل السود في الكونغرس. ولفهم أهمية هذا القرار، يجب أن ندرك أنه بعد الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865)، أدت ثلاثة تعديلات على الدستور إلى تحرير العبيد السود السابقين، ومنحهم الجنسية، وإعطائهم حق التصويت. في أعقاب الفترة التقدمية القصيرة المعروفة بـ«إعادة الإعمار الراديكالية»، التي انتهت عام 1877، حرمت الولايات الإحدى عشرة في «الجنوب القديم»، حيث كانت العبودية سائدة، السود من حق التصويت، ومارست التمييز العنصري ضدهم، وتغاضت عن عمليات الإعدام خارج نطاق القانون لمعاقبة «مثيري الشغب». ولم يتمكن السود من الحصول على حق التصويت إلا في أعقاب حركة الحقوق المدنية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين – وهي فترة اتسمت بالمظاهرات الضخمة والصراعات – وذلك من خلال «قانون حقوق التصويت». وقد كفل هذا القانون للسود في جميع أنحاء الجنوب حق التصويت والتمثيل في الكونغرس بما يتناسب مع عددهم السكاني داخل ولايتهم.
وعندما ألغت المحكمة العليا، في أبريل، الأحكام ذات الصلة من هذا القانون، سارع الجمهوريون إلى إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في تينيسي وفلوريدا، في حين خضعت ألاباما وجورجيا أيضًا لعملية إعادة ترسيم عقب إجراءات قانونية. وستؤدي جميع هذه الإجراءات إلى زيادة عدد المقاعد المخصصة للجمهوريين وتقليص تمثيل الأمريكيين-ات من أصل أفريقي. على سبيل المثال، في ولاية تينيسي، تم تقسيم الدائرة الانتخابية التي تضم مدينة ممفيس ومقاطعة شيلبي – التي يبلغ نسبة السكان السود فيها 63 في المائة – إلى ثلاث دوائر انتخابية منفصلة، ترتبط كل منها بمناطق ضواحي أو ريفية يغلب عليها البيض، مما أدى إلى إلغاء دائرتين انتخابيتين ديمقراطيتين يغلب عليهما السود.
وتعد هذه انتكاسات كبيرة للديمقراطية وللأمريكيين السود. قد يظل الديمقراطيون قادرين على الفوز في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر بفضل انخفاض شعبية ترامب حالياً، لكن في المستقبل، سيجد الديمقراطيون أو أحزاب المعارضة الأخرى أن كل انتخابات ستصبح أكثر صعوبة. ولا ينبغي أن ننسى أن ستيف بانون، مستشار ترامب، قد دعا الرئيس إلى إرسال قوات «شرطة الهجرة والجمارك الأمريكية»(ICE) أو القوات العسكرية الأمريكية إلى مراكز الاقتراع، بذريعة منع التزوير الانتخابي. كما صرح ترامب بأنه قد يلجأ إلى تطبيق «قانون التمرد». ومن شأن نشر قوات «الشرطة الجنائية» أو القوات العسكرية في مراكز الاقتراع أن يشكل انتهاكًا للقانون الفيدرالي، كما أن العديد من الولايات تحظر وجود الأسلحة النارية في مثل هذه الأماكن. ومع ذلك، يمكن لترامب، كما فعل في الماضي، أن يتجاهل القانون ببساطة. ومن الممكن أيضًا أن تتدخل الجماعات النيوفاشية، مثل «برود بويز» والميليشيات اليمينية المتطرفة، في الانتخابات.
إذن، في مواجهة هذين الحزبين المؤيدين للمُقاولات، ما الذي يمكن فعله؟
ألا يوجد أي بديل إذن ؟
هناك، بالطبع، حزب الخضر، الذي تأسس عام 1984، وهو حزب تقدمي ومؤيد للعمال ذو برنامج إيكولوجي اشتراكي، لكنه فشل في حشد الدعم الشعبي الجماهيري اللازم. ورغم أنه انتخب عشرات من أعضاء وعضوات المجالس المحلية، إلا أنه لم ينتخب قط ممثلاً في الكونغرس، ولا حاكماً، ولا عمدةً لإحدى المدن الكبرى، ولم يحصد سوى ما بين 1 و4 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية. وبالنسبة لمعظم الناخبين والناخبات، لا يبدو حزب الخضر خياراً حقيقياً.
قد يكون هناك خيار آخر. يرى ليوبولد، من معهد العمل، الذي يتمتع بخبرة واسعة كاستراتيجي ومدرب لنشطاء النقابات التقدميين، أن الوقت قد حان لتقديم بديل للطبقة العاملة. ويطرح حججه المؤيدة لتأسيس حزب عمالي في كتابه الجديد المعنون «المليارديرات لديهم حزبان، نحن بحاجة إلى حزب خاص بنا: كيف يمكن للعمال بناء قوة سياسية مستقلة». هذه ليست فكرة جديدة. عمل ليوبولد، جنبًا إلى جنب مع رفيقه النقابي توني مازوتشي، لسنوات في محاولة لإنشاء حزب عمالي. في عام 1996، نجحا في جمع 1,400 مندوب ومندوبة من أربع وأربعين ولاية في كليفلاند، أوهايو، يمثلون ما يقرب من مليوني عضو نقابي، في المؤتمر التأسيسي لحزب العمال. لكن النقابات العمالية رفضت لاحقًا ترشيح مرشحين لمنافسة الديمقراطيين، وبحلول عام 2007، توقف الحزب عن العمل.
يعتقد ليوبولد أن الوقت مناسب الآن. فقد كشفت استطلاعات الرأي الأولية التي أُجريت في ولايات «حزام الصدأ» (Rust Belt) وهي ميشيغان وأوهايو وبنسلفانيا وويسكونسن أن غالبية ناخبي الطبقة العاملة، بغض النظر عن انتمائهم السياسي، يؤيدون الإجراءات التقدمية، مثل فرض ضرائب على الأثرياء، وحظر التسريح الجماعي للعمال، ووضع سقف لتكلفة الأدوية الموصوفة طبياً. وتشير استطلاعات أخرى أيضًا إلى أنهم يعتبرون الرعاية الصحية حقًا من حقوق الإنسان، وأن الكثيرين يريدون أن تكون الكليات المهنية وكليات التعليم العالي والجامعات مجانية. ونحن نعلم أن ملايين الأمريكيين قد أداروا ظهورهم للحزبين الرئيسيين، مما أدى إلى أن الغالبية منهم اليوم يُعرفون بأنهم مستقلون. ولهذا السبب، وفقًا لليوبولد، حان الوقت لتأسيس حزب جديد، وهو مقتنع تمامًا بأن الحركة النقابية هي المنطلق المثالي لولادة مثل هذا الحزب السياسي.
هل هذا ممكن؟ في الوقت الحالي، يبلغ عدد العمال المنتمين إلى النقابات 14.7 مليون عامل وعاملة، وهو ما يمثل 10 في المائة من الساكنة النشيطة في الولايات المتحدة. يبلغ معدل الانتساب إلى النقابات بين عمال وعاملات القطاع العام 32.9 في المائة، مقارنة بـ 5.9 في المائة بين العاملين في القطاع الخاص، على الرغم من أن ترامب قام، خلال ولايته الثانية، بإلغاء 350 ألف وظيفة في الوظيفة العمومية الفيدرالية. والسؤال، بالطبع، لا يقتصر على عدد العمال المنضمين إلى النقابات فحسب، بل يتعلق بما إذا كانوا مستعدين للنضال من أجل التغيير، الاقتصادي والسياسي على حد سواء. يُظهر التاريخ أن حزبًا يساريًّا جديدًا، أي حزب للعمال والعاملات، لا يمكن أن ينبثق إلا من حركة جماهيرية نضالية للطبقة العاملة، على غرار الانتفاضات العمالية العظيمة في سنوات 1890 و1930 و1970؛ ولذلك، فالسؤال الآن هو ما إذا كنا نشهد الآن مثل هذه القوة المحتملة.
لقد شهدنا إضرابات جماهيرية كبرى في السنوات الأخيرة، ولا سيما إضراب نقابة عمال صناعة السيارات المتحدة (UAW) ضد «الثلاثة الكبار» من شركات تصنيع السيارات، وإضراب كتاب السيناريو التابعين لنقابة SAG-AFTRA ضد استوديوهات هوليوود. وحشدت نقابة سائقي الشاحنات (Teamsters) صفوفها لإضراب ضد شركة UPS، لكن تم التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة، مما أدى إلى تجنب توقف العمل. ومع ذلك، فإن قيادات النقابات لا تتبنى مواقف سياسية موحدة، كما أنها تعاني من انقسامات داخلية. أيد رئيس نقابة شون فاين ونقابة عمال صناعة السيارات (UAW) الديمقراطيين، في حين أيد رئيس نقابة «تيمسترز» شون أوبراين ترامب. وعلى الرغم من النجاح الذي تحقق قبل عامين تقريبًا في تنظيم إضراب وطني، فإن قيادة نقابة عمال صناعة السيارات (UAW) منقسمة الآن انقسامًا عميقًا إلى فصائل ومجموعات متنافسة. لا تزال الممرضات والممرضين والمعلمات والمعلمين، ضمن نقاباتهن المختلفة، أكثر العمال تقدميةً سياسيًا، ويمكن للمرء أن يتصور أن تتبنى هاتين النقابتين موقفًا مؤيدًا لحزب عمالي — حتى لو لم يكن هذا هو الحال حتى الآن.
أما الحركات الاجتماعية الأخرى، حتى لو لم تكن منتسبةً إلى النقابات العمالية، فلها قاعدة من الطبقة العاملة. لقد سبق أن أشرتُ إلى الملايين من الناس الذين شاركوا في مظاهرات «لا للملوك». ورغم أن هذه التجمعات تتألف من أشخاص من خلفيات اجتماعية متنوعة، فإنها تمثل تعبيرات مهمة عن الاحتجاج والالتزام ضد ترامب والجمهوريين. وهي تضم العديد من العمال، لكنها لم تكن مظاهرات نضالية. ومع ذلك، فقد شهدنا في الوقت نفسه عصيانًا مدنيًّا هائلًا ونضاليًّا في النضالات التي قادتها مجتمعات الطبقة العاملة في مينيابوليس وشيكاغو ولوس أنجلوس ضد عملاء وكالة الهجرة والجمارك(ICE). توجد في العديد من الولايات والمدن الأخرى حركات مناهضة لـ «ICE» ومؤيدة للمهاجرين لم تخضع بعد لاختبار المواجهة مع هؤلاء البلطجية الذين استأجرتهم الحكومة، لكن بعضها سيكون بالتأكيد ذي نفس نضالي بنفس القدر مثل ذلك الموجود في مينيابوليس وشيكاغو ولوس أنجلوس.
هل يمكن لهذه المبادرات المختلفة أن تولد حركة؟ ربما. وقد اقترح فاين، رئيس نقابة عمال صناعة السيارات (UAW)، أن تتفاوض النقابات العمالية بشأن الاتفاقات الجماعية المقرر أن تنتهي صلاحيتها في 1 مايو 2028، بهدف إطلاق أول إضراب عام في البلاد. لكن في مواجهة مقاومة أرباب العمل والصراعات الفئوية داخل نقابته نفسها، لم يتمكن فاين من المساعدة في بناء مثل هذه الحركة. على مدى العامين الماضيين، عملت مجموعة تُدعى «فاتح مايو قوي» — وهي تحالف يضم نقابات عمالية ومنظمات تدافع عن حقوق المهاجرين وجماعات مدافعة عن الديمقراطية والحقوق المدنية — على هذا الاقتراح، ولا سيما من خلال تنظيم مسيرات احتجاجية.
شهدت المدينتان التوأمان مينيابوليس وسانت بول تحركات احتجاجية شبه متواصلة على مدى عدة سنوات، منذ مقتل جورج فلويد على يد الشرطة في 25 مايو 2020، وما تلاه من انتفاضة أشعلت شرارة حركة «حياة السود مهمة« (Black Lives Matter) . وبعد عامين، في مارس 2022، نظم المدرسون والمدرسات في مينيابوليس إضرابًا ناجحًا استمر ثمانية عشر يومًا وأدى إلى تحسين رواتبهم وظروف عملهم. وبالتالي، في المدينتين التوأم، بُذلت محاولات لتعميق حركة المقاومة من خلال تنظيم جمعيات عامة للعمال والعاملات. جمعت الجمعية الأولى 400 شخص، في حين لم تجذب الثانية سوى 200 شخص. ولذلك، من الصعب معرفة الاتجاه الذي تسير إليه هذه الحركة المنطلقة من القاعدة.
وهناك حركات أخرى آخذة في الظهور. يبدو أن إلغاء المحكمة العليا لأحد الأحكام الرئيسية في قانون حقوق التصويت لعام 1965 – وهو ما قد يؤدي إلى فقدان 19 نائبًا من السود لمقاعدهم – يحفز الأمريكيين الأفارقة على الانضمام إلى المظاهرات الجماهيرية دعماً للحقوق المدنية للمرة الأولى منذ سنوات. شارك آلاف السود في هذه المظاهرات في المدينتين التاريخيتين سيلما ومونتغمري بولاية ألاباما، حيث خاض أسلافهم الشجعان نضالهم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولذلك، ربما نكون على أعتاب حقبة جديدة من النشاط النضالي للسود، ربما نستكمل من حيث توقفت احتجاجات «حياة السود مهمة« عام 2020، التي كانت الأكبر من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة.
ماذا عن الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي؟
في حين أن تشكيل حزب عمالي ليس على جدول الأعمال بعد، فهل يمكن القيام بشيء آخر؟ بلغت نسبة تأييد ترامب، حتى 17 يونيو 2026، 36 في المائة فقط، وهو رقم منخفض بشكل ملحوظ. تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن الديمقراطيين — على الرغم من التلاعب بالانتخابات من خلال إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية — يمكنهم استعادة السيطرة على مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ أيضًا. وهذا يطرح السؤال التالي: إذا لم تكن لدينا بعد الحركة الجماهيرية النضالية اللازمة لتحفيز ظهور حزب سياسي جديد — حزب للعاملات والعمال — فهل يمكن أن تكون مثل هذه الحركة كبيرة وديناميكية بما يكفي لتعزيز نفوذ الديمقراطيين التقدميين؟
هناك ثلاث منظمات تستهدف استراتيجيتها هذا الهدف بالضبط: انتخاب المزيد من الديمقراطيين التقدميين. هناك «ديمقراطيون من أجل العدالة«، وهي لجنة عمل سياسي شكلها نشطاء من حملة بيرني ساندرز الانتخابية لعام 2020، وقد ساعدت في انتخاب أعضاء الكونغرس التاليين: راؤول غريجالفا، وبراميلا جايابال، ورو خانا، وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، وإلهان عمر، وأيانا بريسلي، ورشيدة طليب. تدعم «ديمقراطيون من أجل العدالة» المرشحين، وتجمع التبرعات، وتقدم المشورة الاستراتيجية، لكنها ليست منظمة سياسية.
هناك مجموعتان سياسيتان تعملان على هذا المشروع: حزب العائلات العاملة (WFP) والاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا(DSA). حزب العائلات العاملة، الذي تأسس عام 1998 على يد نقابات عمالية وجماعات مناصرة ومنظمات مجتمعية، هو حزب سياسي يرشح أحيانًا مرشحين مستقلين، على الرغم من أنه يدعم الديمقراطيين في المقام الأول. أما «الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا» فهي منظمة اشتراكية مستقلة تضم حوالي 100,000 عضو؛ ومع ذلك، وبما أنها ليست حزبًا سياسيًا انتخابيًّا، فإنها لا تظهر على أوراق الاقتراع. كما تدعم «الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا في المقام الأول الديمقراطيين، وتسلط الضوء على أعضاء فيها مثل ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، ورشيدة طليب، وزهران مامداني، على الرغم من أنها دعمت أيضًا ونجحت في انتخاب تقدميين واشتراكيين آخرين إلى الكونغرس وكذلك إلى المناصب على مستوى الولايات والمستوى المحلي. علاوة على ذلك، ساعدت هذه المنظمة في انتخاب عشرات النواب على مستويات الولايات والمقاطعات والمستوى المحلي. وحقق مرشحو المنظمة أداءً جيدًا في الانتخابات التمهيدية التي جرت في الربيع في عدة مدن وولايات.
وقد ساعدت «الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا» في الماضي في انتخاب العديد من أعضائها إلى الكونغرس، ويشغل اثنان منهم حاليًا مقاعد في مجلس النواب: أوكاسيو-كورتيز وتلايب. وقد شكّل انتخاب مامداني عمدةً لنيويورك، على أساس برنامج تقدمي يدعو إلى تجميد الإيجارات، وتوفير رعاية أطفال شاملة، وحافلات عامة مجانية، إنجازاً كبيراً. ومنذ انتخابه، نجح مامداني في الحصول على تمويل من ولاية نيويورك لبرامجها الخاصة بالسنوات الأولى من العمر ومرحلة ما قبل المدرسة، ويبدو أن اقتراحها بتجميد الإيجارات في حوالي مليون شقة خاضعة للتحكم في الإيجارات على وشك أن يصبح حقيقة واقعة. يناضل مامداني من أجل مزيد من الرقابة العامة على الإسكان الاجتماعي وحماية أفضل للمستأجرين. ومع ذلك، انتقدت منظمة «الديمقراطيون الاشتراكيون» مامداني لدعمه خطة زيادة قوام قوة شرطة نيويورك بـ 580 ضابطًا.
داخل الكونغرس الأمريكي، يضم «المجموعة التقدمية في الكونغرس» حاليًا 100 عضو. يُعتبر بعضهم، مثل السناتور بيرني ساندرز، أنفسهم اشتراكيين، لكن هذا ليس حال معظمهم. وقد ركزت «المجموعة التقدمية في الكونغرس» مؤخرًا على الرعاية الصحية وقضايا اقتصادية أخرى، ومؤخرًا على «أزمة القدرة على تحمل التكاليف». وعلى الرغم من أن بعض أعضاء المجموعة يصوتون بانتظام ضد ميزانية الدفاع، فإن هذا لا ينطبق على المجموعة ككل. فلم تؤيد غالبية أعضاء المجموعة — وكذلك المجموعة نفسها — الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة. كما أيدت «المجموعة التقدمية» «قانون منع القنابل»، الذي من شأنه تقييد عمليات نقل الأسلحة الأمريكية إلى الجيش الإسرائيلي إلى أن تتوقف انتهاكات حقوق الإنسان في غزة.
وتتخذ «المجموعة التقدمية» — التي تلقى بعض أعضائها الدعم من «الديمقراطيين من أجل العدالة»، و«حزب العائلات العاملة»، و«الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا» — مواقف مهمة، وتساعد في رفع الوعي العام، وتشجع الاحتجاجات الجماهيرية، مثل حركة «لا ملوك». ومع ذلك، فقد أثبتت الكتلة عجزها عن تنظيم حركة تهدف إلى القطيعة مع النظام الحالي، الذي يدعمه كل من الجمهوريين والديمقراطيين الذين يحافظون على الوضع الراهن. سيصوت الكثيرون، وأنا من بينهم، لصالح مرشحيهم على أمل إبطاء مسيرة ترامب نحو الاستبداد والديكتاتورية ونسخة أمريكية جديدة من فاشية القرن الحادي والعشرين. سيكون من الأفضل تأسيس حزب العمال والعاملات هذا الذي يسعى البعض جاهدين إلى إحيائه، لكن ذلك سيتطلب على الأرجح نضالاً جماهيرياً من قبل الطبقة العاملة وانتفاضة اجتماعية أوسع نطاقاً – وهو ما لا نملكه بعد. ربما ستدفع سياسات ترامب الداخلية والخارجية أخيراً عدداً كافياً من الناس إلى المقاومة، لكن حتى الآن، وعلى الرغم من التحديات التي يواجهونها، فإن طبقة المليارديرات والجمهوريين وترامب هم الذين يمسكون بزمام الأمور.
على أي حال، سنقف إلى جانب مينيابوليس والمدن والبلدات الأخرى لمحاربة وكالة الهجرة والجمارك (ICE) والدفاع عن المهاجرين والمهاجرات. وسنشارك في مظاهرات «لا للملوك». سنحشد قوتنا من أجل مظاهرة عيد العمال لعام 2028، على أمل أن يلقى النداء إلى إضراب عام صدىً على الصعيد الوطني.
قد يشكل فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي ضربة قاسية لترامب وحركته «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» والجمهوريين. هناك احتمال قوي بأن يتمكن الديمقراطيون، على الرغم من إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية الحزبي، من السيطرة على مجلس النواب وربما حتى مجلس الشيوخ. ورغم أن هذه النتيجة بعيدة كل البعد عن أن تكون مثالية، فإنها قد تعرقل مشاريع ترامب المختلفة في السياسة الداخلية والخارجية، حتى لو استمر في استخدام الصلاحيات الكاملة للرئاسة لفرض سياساته المشينة، وقد لا تكون لدى الديمقراطيين الإرادة الكافية لوقفه. ومع ذلك، فإن هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي ستشكل انتكاسة لترامب، وانتصارًا للمعارضة، وستتيح للمقاومة فرصًا لبناء حركة اجتماعية واحتجاجية، يمكن أن تنبثق منها سياسة جديدة.
بقلم: دان لا بوتز
- تُرجم هذا المقال من الإنجليزية من طرف موقع ch ؛ وسيُنشر في العدد 138 من محلة New politics
- دان لا بوتز Dan La Botz هو عضو في هيئة تحرير مجلة New politics.














