يعد الشباب من كلا الجنسين ضمانا لتجدد المجتمعات وركيزة للانتاج المادي والثقافي. وقد لجأت غالبية البلدان التي تعاني من ارتفاع نسبة الشيخوخة في مجتمعاتها الى استقبال المهاجرين/ات من بلدان أخرى لتنشيط اقتصادها. فبعد الحرب العالمية الامبريالية الثانية (1938 و1945)، واجهت الدول الصناعية الكبرى في أوروبا وضعا مأساويا نتيجة الهلاك الواسع لجزء مهم من ساكنتها، وعانت من خصاص في الأيدي العاملة الضرورية لاستئناف الحياة من جديد.
وإذا كانت الطاقة المنتجة المحركة للمجتمعات أمرا ضروريا، فإن الاهتمام بالشباب، وتوفير كل ما يتيح تفتح طاقته، شرطٌ لا ينكره أحد قولاً. لكن على أرض الواقع، فإن السياسة الرأسمالية النيوليبرالية تحطم عزيمة الشباب وتغرقهم في انفصام حاد بين واقع قاس وطموحات بعيدة.
استغلال كفاح الشباب ضد الاستعمار لبناء دولة تخدم الرأسمالية والامبريالية
شهدت السنوات التي تلت إعلان نهاية الاستعمار المباشر عدة معارك سياسية، من بينها التفاوض مع القوى الاستعمارية حول شكل وطبيعة الاستقلال والعلاقة المستقبلية بالمستعمر ومصالحه الاقتصادية والأمنية خصوصا.
وقد اتسم الوضع السياسي في المغرب، طيلة العقود التي أعقبت الاستعمار المباشر، بصراع بين الملكية المصممة على الإمساك بمقاليد الحكم، وبين معارضة برجوازية كانت تضغط من أجل تقليص صلاحيات الملك. وكان الشباب مجالاً للاستقطاب وهدفا سعى كل طرف إلى كسبه بجانبه، كما حرص كل منهما على إظهار تبنى طموحاته وترجمة انشغالاته.
وقد دأبت الدولة الحديث عن فئة الشباب، وخلقت لذلك هيئات وطنية تعنى بشؤونهم، غير أن الحديث عن جميع هذه المراحل يتطلب مساحة لا يسمح بها هذا النص، لذا سنكتفى بالتطرق إلى فترة الثمانينات من القرن الماضى، التي مثلت ذروة الإحباط من عدم بلوغ طموحات الاستقلال المنشود، بالتزامن مع أزمة اقتصادية-سياسية خانقة، وبداية تنفيذ سياسة تقشفية صارمة باشراف من صندوق النقد الدولى وما خلفته من اثار وخيمة على صعيد بطالة الشباب وغلاء الاسعار وتراجع الخدمات العمومية وغيرها.
وأدت هذه التدابير الى اثارة ردة غضب شعبي كان الشباب المتضرر فيها عنصر التفجير الرئيسي. فجاء رد النظام عنيفا، بالنظر إلى مستوى البطش والتصفيات الجسدية والاغتيالات السياسية التي شهدها المغرب آنذاك. وبعد ترسيخ ركائز حكمه وهزيمة المعارضة البرجوازية التاريخية، أعلن النظام طيّ صفحة ماضيه وبداية عهده الجديد في إطار مسلسل سماه “الانصاف والمصالحة”. واستُعمل بعض الضحايا السابقين اللذين جحدوا ماضيهم في تمرير مخطط النظام، دون أن تكشف الحقيقة الكاملة وفق المعايير الموصى من الهيئات الحقوقية باعتباره حقا من حقوق الضحايا، ودون مسألة الجلادين ومعاقبتهم، مع اقرار تعويض مادي لا يصلح ما حطمته آلة القمع الجهنمية ولا يمنع من تكرار نفس الجرائم في حق الأجيال اللاحقة
قمع احتجاجات الشباب المتتالية عبر الأجيال
استجابت الجماهير لدعوة المركزيات النقابية في 20 يونيو 1981، ولاسيما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ففعلت القواعد النقابية سلاح الاضراب العام من أجل الغاء الزيادات في أسعار المواد الأساسية للمعيشة. وكانت الدار البيضاء، بوصفها أكبر تجمع سكني والمركز الاقتصادي للبلاد، مركزا لتفجر الغضب الشعبي. وقد تعرضت الأحياء الشعبية لقمع همجي، اذ اقتحمت مختلف قوات القمع أماكن الاحتجاج، من قوات مساعدة ودرك وجيش، وأطلقت الرصاص الحي على الناس، فقتل الأبرياء، ومعظمهم من فئة الشباب.
وعادت الجماهير الكادحة إلى اللاحتجاج ضد الأوضاع الكارثية بعد نحو سنتين ونصف من جريمة قمع انتفاضة الدار البيضاء. ففي يناير 1984، انتفضت بعض المدن، مثل مراكش والناظور والحسيمة وتطوان والقصر الكبير وبركان، وكان الشباب في مقدمتها احتجاجا على فرض رسوم التسجيل في مؤسسات التعليم الاعدادي والثانوي. وبما أن السياسات المتبعة لا تهتم بالأغلبية، فقد وجدت الجماهير الشعبية نفسها أمام ضرورة الالتحاق بالمحتجين سخطا على الأوضاع. وبدل أن تلبي الدولة مطالب الجماهير، أصرت على المضي في خضوعها لأوامر المؤسسات المالية الدولية، ونهج سياستها الطبقية ضد الكادحين/ات وأبنائهم وبناتهم، فترجمت ذلك باللغة التي تجيدها: التدخل القمعي العنيف، وشن حملة اعتقالات واسعة، والاستعانة بفرق القوات العسكرية لقمع المدنيين، مما تسبب في عدة قتلى ومجهولى المصير.
تكتيك جديد
أدركت الدولة أن تجاهل متطلبات الشباب-ات وتطلعاتهم-هن والتعويل على حملات القمع الدورية في مواجهة توالى الانتفاضات التي تعبر عن اشتداد عمق الازمة، رهان خطير يهدد استقرار نظام الحكم. فكان لا بد من تغيير تكتيك تدبير ملف الشباب، والانتقال من القمع السافر الى الاحتواء المقرون بمقع محسوب، بوصفه آلية لتنفيس الاحتقان الجماهيري.
ولهذا أنشأ النظام “المجلس الوطني للشباب والمستقبل” بأمر من الملك الحسن الثاني، في 20 ابريل 1990، جوابا على دينامية تشكل لجان شبابية للنضال ضد البطالة التى دلت على مقدمات انفجار اجتماعي آخر في الافق القريب، وتمهيدا مبكرا لمسلسل ادماج المعارضة البرجوازية، وانتقال السلطة من ملك الى آخر
مر قرابة شهر على تأسيس هذا المجلس، لكن الازمة أدت الى الهزة الشعبية الكبرى التي شهدتها مدينة فاس، وهي من بين مدن المغرب ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ونسبة الفقر العالية، وضعف منافذ تشغيل الشباب، خصوصا المتخرجين من الجامعات والمعاهد. وقد دعت المركزيتان النقابيتان (الاتحاد العام للشغالين والكونفدرالية الديمقراطية للشغل الى الاضراب العام الوطني. وخرج المتضررون من الأوضاع التي تسببت فيها سياسة الدولة في عدة مدن: الناظور وطنجة والقنيطرة وبني ملال ومكناس والرباط وسيدي قاسم.
وكما هي العادة، عالجت الدولة المطالب الشعبية بالقمع الشرس، وتدخلت فرقها بتشكيلاتها المتنوعة للبطش بالشعب وحسم الأمر والقضاء على الانتفاضة الشعبية. وخلف القمع الغاشم قتلى وجرحى، واختلفت المعلومات حول عددها بالضبط، كما طالت الاعتقالات الواسعة المئات من الشباب. وبعد إخماد الغضب وطمس الأدلة، جاء دور المؤسسات الرسمية للتظاهر بتدقيق التجاوزات، وجرد الانتهاكات، وإنصاف الضحايا. والحقيقة أن الهدف كان بث الوهم وخداع الأقل وعيا، واقناعهم أن قمع الدولة ليس الا خيارا لا بد منه لصد تجاوزات الشعب المنتفض. وقد شكل مجلس النواب لجنة للتحقيق، خلصت الى تقرير من مئات الصفحات، مديل بتوصيات أحيلت الى رفوف الأرشيف. وبذلك سلم الجلاد، وانتهت جولة من جولات الصراع ضد الاستبداد والفساد دون ان ينتصر الشعب ويحقق سيادته ويقرير مصيره.
أي مستقبل تحت نظام الاستغلال والاستبداد؟
بعد انتفاضة 14 دجنبر 1990 التي كان الشباب وقودها ومفجرها، انطلقت عملية استسلام المعارضة البرجوازية واندمجها في مؤسسات تنفيذ سياسة الحكم، وتخليها عن أوهام إصلاحه. وفي هذا السياق، قام النظام الحاكم بخطوات تمهيدية لفك القبضة القمعية الشديدة، إذ اعترفت الدولة سنة 1991 بوجود المعتقلات السرية، وأعلن الملك العفو عن عدد من السجناء السياسيين، كما سُمح بعودة بعض المنفيين، وتمكين عدد من الصحف المستقلة والجمعيات المعارضة من التأسيس.
وشهدت الفترة نفسها صعود قوى تنظيم الشباب من خريجي الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين، حاملي الشهادات، الذين أطلقوا حراكا نضاليا ميدانيا، ووضعوا سياسة الدولة أمام الواقع، وكشفوا للشعب المغربي قضية البطالة وضرورة توفير مناصب الشغل على أسس متساوية تضمن الكرامة الإنسانية بعيدا عن المحسوبية. وقد بلغت ذروة حركة الشباب المعطل ذروتها/ قمتها حين بادروا الى تنظيم صفوفهم والنضال من اجل انتزاع حقوقهم،
وفي الفترة نفسها، وبعد الانتفاضات والهزات الاجتماعية، أسست الأحزاب المتحدرة من الحركة الوطنية البرجوازية في 17 مايو 1992، تحالفا سياسيا باسم ” الكتلة الديمقراطية “ضم، حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وحزب التقدم والاشتراكية، وكان هدفه المعلن تحقيق نظام ملكي دستوري ذي طابع اجتماعي.
وخاضت الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب معارك نضالية جماهرية شملت مختلف جهات البلد، في مدنها وبلداتها، وأسهمت في ضفاء بعد شعبي على النضال ضد البطالة، كما نالت تعاطفا واسعا وحققت مكاسب مهمة، من بينها فرض خلق آلاف المناصب لفائدة الشباب. غير أن أبرز مكاسبها تمثل في ترسيخ أشكال نضال وأساليب احتجاج، وطرق تنظيم مستقلة، وكفاحية ميدانية في وجه دولة قمعية كرست في الذاكرة الجماعية للكادحين أن لغتها الوحيدة هي الرصاص والاختطاف واثارة الرعب العام.
وجاءت حكومة التناوب ايدانا عن نهاية عقود المعارضة البرجوازية واندماجها الكامل في دواليب الحكم. كانت هذه الحكومة واجهة لمواصلة تنفيذ توصيات المؤسسات المالية الدولية، والاشراف على مسلسل واسع لخوصصة المؤسسات العمومية، ودمج البلد أكثر في منظومة منظمة التجارة العالمية، وتعميم التحرير الشامل للاقتصاد الوطني، وتنفيذ سياسة ليبرالية هجومية.
وقد تخلى النظام عن حكومة التناوب وأحزابها بعد أن استنفدت دورها، وأمنت انتقال الحكم، وفككت قاعدتها الشعبية، فأصبح في غنى عنها.
وبات النظام يقود استراتيجية ليبرالية أكثر عمقا واتساعا، وأضحى تطبيق برامج المؤسسات المالية وتوصياتها علامة نجاح. وارتفعت المديونية العمومية بما يخدم الشركات الخاصة، وتعاظمت قوة الرأسمال الخاص على حساب اتساع قاعدة الفقراء، كما فرضت الاجور المنخفضة وغلاء المعيشة المتصاعد على العمال والكادحين.
السياسات النيوليبرالية تحطم مستقبل الشباب
تواصل الدولة منذ عقود فرض سياسة الخوصصة على الشعب بكل الوسائل. وفتحت الأبواب للرأسماليين المحليين والأجانب لاستغلال الطبقة العاملة، وكافة الاجراء. ووفرت لهم كل الشروط للاستفادة من الأوضاع وزيادة أرباحهم ونفوذهم، عبر بيع المؤسسات والشركات العمومية، وجعل الشباب تحت الاستغلال المفرط لأرباب العمل الجشعين.
بهذه السياسات جرى حرمان جماهير الشعب من مكاسب انتزعت في سنوات كفاح التحرر الوطني، ولم يتبقى للشباب ما يضمن له مستقبلا. وقد شهد بلدنا موجات هجرة جماعية، للشباب نحو الخارج بكل الوسائل، وفي جميع الاتجاهات، من أجل مغادرة بلد سلمت فيه الدولة جل القطاعات الأساسية للرأسماليين، مما جعل الحياة في المغرب عسيرة جدا، وبدون آفاق، وبلا مستقبل يضمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة.
وحسب إحصاء 2024، بلغ عدد سكان المغرب نحو 36.828.330 نسمة. ومقارنة بإحصاء 2014 ارتفعت نسبة المتوفرين على مستوى التعليم الثانوي الاعدادي من 30.2 بالمائة الى 39.1 بالمائة، وتراجع نسبة الذين ليس لديهم/ن أي مستوى تعليمي من 44.6 بالمائة الى 36.3 بالمائة خلال الفترة ذاتها. واستقرت نسبة الأشخاص الذين لديهم/ن مستوى التعليم الابتدائي في حوالي 21 بالمائة [21.7 بالمائة سنة 2024 مقابل 21.2 سنة 2014].
ومع تسجيل الفوارق بين الوسطين القروي والحضري، وهذا الأخير أصبح يحتضن غالبية السكان، بلغت نسبة البالغين 25 سنة فأكثر المتوفرين على مستوى التعليم الثانوي الاعدادي 50.4 بالمائة بالوسط الحضري مقابل 18.1 بالمائة بالوسط القروي، و45.7 بالمائة بالنسبة للذكور مقارنة 32.7 بالمائة بالنسبة للإناث. اما قضية تشغيل الشباب خلال الفترة ما بين 2014 و2024 فقد انتقل معدل البطالة من 16.2 بالمائة الى 21.3بالمائة [من19.3 بالمائة الى 21.2 بالمائة بالوسط الحضري، ومن 10.5 بالمائة الى 21 بالمائة بالوسط القروي] (2).
فما الغاية من الإحصاءات الرسمية للسكان والسكنى اذ كانت لا تفيد في وضع مخططات سياسية قيد التطبيق تضمن أفضل مستقبل الشباب؟ لكن الدولة الرأسمالية لها حساباتها. فهي تصرح في اعلاناتها بأهمية ما تسميه الرأسمال البشري، بوصفه ثروة حية وطاقة متجددة للاستغلال مستفيدة من قوة الشباب على الإنتاج. ولذلك، فهي تضع استراتجيتها وفق مصالح أرباب العمل، عبر سياسة الخوصصة، وسنّ قوانين الشغل، ومنع الاضراب، وتوفير كافة شروط الاستغلال المفرط. ولهذا فإنها تعمل لصالح مستقبل الرأسماليين الكبار، الأجانب والمحليين بتوفير الأيدي العاملة، لا من أجل تأمين مستقبل آمن للشباب المغربي
ولهذا يتوجب على الشباب أن يفكر في مستقبله بتنظيم ذاته، وخوض المعارك من أجل الدفاع عن ثروات بلده، وتحقيق الديمقراطية الفعلية، وانتزاع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والعمل بصبر وطول نفس من أجل رد جماعي ومنظم على سياسة طبقية شاملة، لا تمثل الحلول الفردية فيها مخرجا من دوامتها.
بقلم:عاقل حليم
https://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/7439 – (1)
(2) بالنسبة لنتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنتي 2014 و 2024 ، يمكن الرجوع للمصدر في موقع المندوبية السامية للتخطيط