الموقع تجريبي

قمع نضالات جيل زد: الدولة المغربية تخنق نضال الشباب لثني الكادحين عن النضال

نضال شبابي محفز على النضال

أطلق شباب جيل زد المغربي (génération Z 212) مند 27 شتنبر 2025 نضالات دفاعا عن الحق في خدمات عمومية جيدة في الصحة، والتعليم، والشغل، وعارضوا المشاريع الباذخة للدولة (إقامة ملاعب مكلفة لاستضافة كأس العالم)، بحفز من احتجاج ساكنة أكادير على وفات ثمان نساء حوامل بمستشفى (مقبرة) الحسن الثاني. فانتشرت دعوات للاحتجاج أمام المؤسسات الصحية شملت عدة مناطق مغربية، وقبلها نضالات مناطق جبلية في الاطلس الكبير مثل أيت بوكماز. واجهتها الدولة بالمنع وبإنزال مكثف لأجهزتها القمعية لمحاصرة المحتجين، وبمطاردات واعتقالات طالت العشرات منهم. انطلقت نضالات شباب الزد من الشبكات الاجتماعية، وسرعان ما حفزت نضالات عمت المدن الكبرى وامتدت لمراكز حضرية أصغر(فم الحصن، قلعة مكونة…الخ) بشكل فاجأ الجميع، خصوصا انه عبأ شباب يخوض أول تجاربه في النضال الجماعي، موجها ضربة قوية لاستراتيجية الاحتواء التي نهجتها الدولة من تسويق النجاحات الرياضية المحققة والتظاهرات العالمية التي تتحضر لاستضافتها.

 

تكتيكات الدولة لتفادي اتخاذ النضال الشبابي لأبعاد جماهيرية وشعبية

رأت الدولة في حراك شباب زد كرة ثلج ستكبر بتمددها نحو المؤسسات الثانوية والجامعية وتعززها باعداد أكبر وانتشار واسع، ما سيخلق وضعية اضطراب اجتماعي يهدد بسحب استضافتها كأس افريقيا المقرر تنظيمه في دجنبر 2025، وهو ما سيفتح باب الشك حول قدرتها الاستجابة لدفتر تحملات الفيفا لتنظيم كأس العالم 2030 في ما تعلق بالجانب الأمني للرياضيين والجماهير، وهذا يشكل تقويضا تاما لاستراتيجية الدولة التي ترى في كأس العالم أبعد من تطاهرة رياضية وفقط، الى فرصة استثنائية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لا تقدر بثمن.

حسمت الدولة خيارها باخماد حركة شباب زد بالقمع، مع تفادى ان يثير ذلك تضامنا شعبيا يقلب السحر على الساحر. فسلكت تكتيكا حذرا بتحاشيها ممارسة قمع شرس لنضالات الشباب في بعض  المدن الكبرى كالدار البيضاء وطنجة قمعا سافرا، عكس ما قامت به من إطلاق يد أجهزتها القمعية في مدن أخرى (أحياء بسلا، ومراكش مثلا) وخصوصا المدن المتوسطة والصغرى كوارزازات، إنزكان، أيت عميرة والقليعة (بنواحي أكادير)….أدى القمع الى خسائر  بشرية وفق تصريحات رسمية،  فقد أردت أجهزة الدرك ثلاثة شبان قتلى بإطلاق الرصاص الحي وجُرح أخرون بالقليعة، ودُهِسَ شاب آخر بشكل متعمَّد بسيارة الشرطة بمدينة وجدة، نتج عنه بثر ساقيه.

في الوقت نفسه شنت الدولة حملة اعلامية موجهة عبرأقلام مأجورة محسوبة على الجسم الصحافي ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى سياسيين، هدفها تأليب الرأي العام ضد الشباب المناضل، وربط الحراك بجهات أجنبية معادية للبلد، لتخويف الناس وعزل الحركة، واتهم الشباب بخدمة أجندة خارجية معادية للبلد في إشارة إلى الجزائر، وهي الجريرة نفسها التي حاول إعلاميو النظام وسياسيوها إلصاقها بحراك الريف سنة 2018. إن المحرض الفعلي للنضالات بالبلد لم يكن سوى السياسات المتبعة والتي دمرت القطاعات الاجتماعية، أما من يستقوي بالأجانب فلم يكن سوى حكام هذا البلد المستبدين الذين جعلوه تحت رحمة الديون الخارجية، ومنحوه على طبق من ذهب للمستثمرين الأجانب والمحليين لاستنزافه.

 

قمع شرس في وجه مطالب مشروعة ونضال سلمي جُرَّ نحو العنف

استغلت الدولة بعض  الانزلاق للعنف مدبره مثار شكوك، انجر له أبرياء أغلبهم باعتراف الدولة نفسها قاصرين، نتجت عنه بعض الخسائر المادية كتعرض بعض الوكالات البنكية وبعض حافلات النقل الحضري للإحراق وكسر زجاج بعض السيارات، ونالت مؤسسات جهاز القمع وأفراده وسياراته النصيب الأوفر من العنف، فأرغمت الأجهزة القمعية للرجوع للخلف مؤقتا، قبل أن تواصل الهجوم بشدة، مخلفة قتلى وجرحى ومعتقلين. ووضع الجيش في بعض المدن على أهبة التدخل.

بادرت الدولة إلى استعمال العنف ضد حراك شبابي حرص على ازالة مبررات لقمعه ، فاعتقلت العديد منهم، ولم يسلم من ذلك حتى الأطفال، فاستثارت بذلك عنفا مضادا، لاشك أنه بدوره مخطط له من قبل أجهزة الدولة لتفكيك الطابع الجماهيري الذي بدأ يتسع لنضالات شباب الزد، فليس من الصدف أن تمر الثلاثة أيام الأولى للاحتجاج بشكل منظم تمسك الشباب بسلميته رغم قمع الدولة وما وازاها من حملات اعتقال، تم احتدم العنف في نفس اليوم الثلاثين من شتنبر بجل المدن المحتجة تباعا، كسلا ومراكش وإنزكان وتارودانت وأيت عميرة ووجدة والقليعة…،وتجدد يومي الفاتح والثاني من أكتوبر 2025، فتحولت الشوارع إلى مسرح للمطاردات بمختلف الآليات، وشُنَّت اعتقالات عشوائية واسعة في صفوف الشباب والقاصرين، لم يسلم منها حتى الصحفيون، واقتحمت منازل لاقتياد من هم متهمين حتى دون احترام للإجراءات القانونية التي تتبجح بها تلك الأجهزة، وأُوقِفَ مواطنون أمام المحاكم جاؤوا لتقصي أخبار أقربائهم، واستمر ذلك لغاية الثامن من اكتوبر، فانتزعت اعترافات بعنف وغابت شروط المحاكمة العادلة عن أغلب المتابعات، كما رصدت ذلك الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تقريرها الأولي حول الانتهاكات المرتكبة ضد نضالات شباب الزد، ووزعت قرون من الاعتقال على الشباب والأطفال (422 سنة على 50 معتقل من طرف محكمة الاستئناف بأكادير وحدها خلال يومي 15 و22 أكتوبر)، وصلت ل 15 سنة لبعض المعتقلين.

 

تهافت ذرائع الدولة لانتشال القتلة من المحاسبة

مباشرة بعد سقوط القتلى بالقليعة سارع وكيل الملك بأكادير مستبقا نتائج البحث القضائي، ومعتمدا على أشرطة مفصولة الأجزاء، لبتبرئة أفراد الدرك الملكي من جريرة القتل، خوفا من أن يثير قتل الشباب بالرصاص الحي رد فعل شعبي، فالدولة لم تنسى ما أثاره مقتل بائع السمك محسن فكري بالحسيمة من احتجاج، فأوهمت الرأي العام أن قتل الشباب الثلاثة من قبل الدرك الملكي، مجرد دفاع عن النفس، ضد شباب أهوج جاء، لسرقة الأسلحة الوظيفية بمخفر الدرك الملكي بعد تخريبه.

لكن الوقائع تبرز تهافت رواية الدولة، فالقتلى الثلاثة لا علاقة لهم أصلا بالاحتجاج، وكيف عرف من قالت عنهم الدولة أن أغلبهم أطفال عن وجود أسلحة في مخفر الدرك بالقليعة؟؟ وكيف عرف وكيلها بنوايا المتهمين حتى قبل اعتقال أغلبهم أواستنطاقهم؟؟ وما الخطر الذي شكله الشاب الذي دهسته سيارة الشرطة بوجدة مما تسبب في بثر أطرافه؟؟ ما الذي يبرر لمن يدافع عن نفسه إطلاق الرصاص الحي على النصف الأعلى من جسد الضحايا، مما أراد ثلاثة قتلى وآخرون اخترق الرصاص مناطق علوية بأجسادهم إما من الظهر أو من اليد؟؟ فأي خطر يمثله من تلقى رصاصة في الظهر؟؟ أليس بالأحرى أن يتلقى المهاجم على مخفر الدرك لسرقة الأسلحة الرصاصة في الجزء الامامي وليس في الخلف؟؟ أي خطر شكله قاصرون أصيبوا بالرصاص؟؟ لماذا إطلق الرصاص الحي على بعد عدة أمتار كثيرة من مخفر الشرطة وصلت 500 متر عن سرية الدرك بالشارع العام الرئيسي بالقليعة ؟؟ أي خطر مثله طالب بمعهد السينما في يده آلة تصوير؟؟ أي خطر شكله قتيل آخر أنزلته سيارة أجرة بعيدا عن المحتجين قادما من عمله؟؟.

إنها أسئلة شائكة تبرز تهافت طرح الدولة لانتشال القتلة والدفاع عن جهاز أنشا أصلا للقمع، أثناء خروج الشعب للاحتجاج تبدو جليا للعيان حقيقة ما دبجت به الدولة دستورها الممنوح دستور العبيد كما وصفته حركة 20 فبراير، من حماية الحقوق والحريات والتظاهر السلمي، وحقيقة أجهزتها الأمنية التي تدعي زورا أن دورها توفير الأمن وحماية الأرواح والممتلكات، إن من يزهق الأرواح هو هذه الأجهزة التي تمعن في القتل والتنكيل، إن من يخرب الممتلكات هي الدولة نفسها التي دمرت القطاع العام، عبر سياساتها المشجعة للقطاع الخاص، فردت المستشفيات العمومية مجرد مقابر جماعية لانتظار مواعدا للموت على أسرتها، فتمنح شهادة وفات لمن هم غير قادرين على ولوج المصحات الخاصة، التي تجودعليها الدولة بالدعم من المالية العمومية.

لم يسلم رواد مواقع التواصل الاجتماعي من التحرشات والمحاكمات بسبب نشرهم لتدوينات اعتبرتها السلطات تحريضا على النضال ومسا بمؤسساتها، كما اعتقل آخرون لا لسبب سوى ارتداءهم لأقمصة تحمل إشارة لحراك الزد أو للتضامن مع فلسطين واعتقل حتى من شارك في طبع تلك الأقمصة، مما يعني أن الدولة عازمة على المزيد من تكميم الأفواه وتجريم حرية الرأي والتعبير وتسييج الفضاء الرقمي الذي يعد متنفسا للشباب بعد إغلاقها لكل الفضاءات العمومية، إنه مؤشر أخر على الإغلاق التام للقوس الذي كان مفتوحا للتعبير إبان تعيين محمد السادس خلفا لأبيه.

 

اعتقالات بالجملة وتدخل الدولة للاحتواء

بعد تراجع نضالات الحراك باشرت الدولة حملة ممنهجة للانتقام وبشراسة ضد الشباب، ففاق عدد الموقوفون وبشكل عشوائي 5780 شخصا أطلق سراح 3300 منهم أي أكثر من النصف بعد أن تأكد عدم تورطهم في أفعال إجرامية، وقدم 2480 منهم أمام النيابة العامة، يتابع 1473 منهم في حالة اعتقال و959 في حالة سراح وحفظ الملف في حق 48 مشتبه، واعترفت الدولة أن جلهم قاصرين. إلى جانب القمع السافر سعت الدولة إلى احتواء الحركة عبر إغراء الشباب للتقدم للانتخابات المقبلة، مقابل 35 مليون سنتيما لكل مترشح، وهي بمثابة رشوة لجر جزء من شباب الحركة للتوجه صوب المؤسسات المسؤولة عن تزويق الاستبداد والمانحة للشرعية للمخططات التي خرج ضدها شباب زد،عوض التوجه لساحات النضال.

ما من غرض لقمع الدولة الأهوج سوى كبح تدفق الشباب للنضال وإبعاد الناس عن نضالات شباب الزد، وإبعاد الحركة عن سكان الهوامش، الحاضنة الاجتماعية لنضالات الحراك، فما من مكتو بتدمير المستشفيات والتعليم العموميين وغياب التشغيل غير أولئك المهمشين، الذين تجود الدولة على أبائهم ب 500 درهم شهريا مهددون بفقدانها في كل وقت وحين.

فرض نضال شباب زدعلى الدولة القيام ببعض الاجراءات العاجلة للادعاء أنها تستجيب لمطالب الحراك، تجهيز بعض المؤسسات الصحية بأجهزة جديدة وتحسين الخدمات والتعامل مع المرتفقين وإحداث 27 ألف منصب شغل في الصحة والتعليم، وضخ مزيدا من الأموال في ميزانيتي الصحة والتعليم ففاقت ميزانية السنة الماضية ب21 مليار درهم، كما أقر ذلك الاجتماع الوزاري ليوم 19 أكتوبر 2025 الذي ترأسه الملك، كما تم رفع سن التقدم لاجتياز مبارة التعليم إلى 35 سنة، بعد أن تمسكت الدولة في السنوات السابقة بتخفيضها إلى 30 سنة فقط كحد أقصى. تنحني الدولة مؤقتا حتى تمر العاصفة لتواصل الهجوم، فاستراتجيتها العامة قائمة على إعدام الخدمات العمومية وإحلال المستثمرين الخواص محلها، وبفضل هذه السياسة الليبرالية تتلقى الدعم المجزي من المؤسسات المالية الدولية، وتقدم كمثال في المحافل الدولية.

يبرز تدخل المجلس الوزاري أن المؤسسة الملكية هي المقرر الفعلي للخطوط الكبرى للبرامج الحكومية، فالحكومات المتعاقبة على تسيير البلد لا دور لها سوى التتنافس على  من يطبيق برامج الملك، مما يفرغ مطلب إسقاط حكومة أخنوش أو أية حكومة أخرى من مضمونه، فطالما أن القرارات الاستراتيجية ليست بيد الحكومة فان تغيير الاخيرة ليس الا تغييرا للواجهة التي لاحكم لها. إن الخروج من الأزمة الاجتماعية بالبلد رهين بربط النضالات الاجتماعية بالنضال لأجل تغييرسياسي جدري يعيد سلطة الحكم للشعب السيد، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بنضال عارم يكون فيه للطبقة العاملة دورا مركزيا لكونها  القادرة على ايقاف عجلة الإنتاج وشل الحياة الاقتصادية.

الحرية لكافة المعتقلين ولا لإفلات قاتلي الشباب من العقاب والنصر للشباب المناضل

 

بقلم: سامي علام

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟