الموقع تجريبي

استجواب مع عامل نقابي بمعمل رونو المغرب: ظروف العمل والأجور والنضال النقابي

لنتعرف على ظروف العمل والأجور والنضال النقابي

 بمعمل شركة رونو للسيارات بالمغرب

في هذا الاستجواب مع عامل نقابي بالشركة

 

نشرنا مقالا حول ” صناعة السيارات في المغرب: بين أرباح الشركات واستغلال الطبقة العاملة” تناول الأرباح الضخمة التي تجنيها الشركات الصناعية الكبرى بفضل الامتيازات المالية والقانونية التي وفرتها الدولة باسم تشجيع الاستثمار الخاص. كما أبرز المقال أن وفرة اليد العاملة، وتأهيلها، وضبطها (القصد نضال عمالي أقل أو انعدامه)، وأجور منخفضة، تمثل من بين أهم عوامل انجذاب الرأسمال الخاص بهدف تحقيق فائض القيمة الذي يصب كربح في حسابات هذه الشركات.

وجذير بالذكر أن قطاع صناعات السيارات في المغرب يضم مئات الشركات، منها شركات عالمية كبرى متعددة الجنسية إلى شركات مناولة صغرى ومتوسطة متخصصة في أجزاء السيارات، أو في الخدمات المرتبطة بالقطاع مثل الصيانة واللوجستيك والحراسة وغيرها.

ورغم تباين الأوضاع بين هذه الوحدات، فان قاسمها المشترك يظل هو كثافة الاستغلال، وتدني الأجور، وغياب الاستقرار المهني، في ظل تدرير كبير، وضعف التنظيم النقابي، أو تحوله في كثير من الحالات الى مجرد مرافق”اجتماعي” يوظف لتنفيد استراتيجية الشركة.

ولالقاء الضوء على أوضاع عمال وعاملات صناعة السيارات بشركة رنو التي عرفت تململا نضاليا شهر أبريل الماضي ثم احتواؤه مؤقتا بتوقيع اتفاق مع المكتب النقابي. ولمعرفة مجريات الأحداث طرحنا بعض الأسئلة على عامل نقابي بشركة رونو للسيارات، وقدم لنا أجوبة نعرضها في الاستجواب الآتي.

المناضلة الاشتراكية

***********************

 

السؤال الأول، هل يمكن أن توضح لنا أسباب غضب العمال  مؤخرا بشركة رونو وما هي المطالب؟

يعود السبب المباشر إلى نسبة الزيادة في الأجر التي لم ترقى إلى المستوى المطلوب حيث كانت في السنوات الماضية %5، بينما هذه السنة لم تتجاوز %4. كانت هذه الاستجابة بمثابة تهدئة شرارة احتقان العمال ودر الرماد في الأعين، لتحييد أي معركة وشيكة، التي قد تندلع بسبب تماطل الإدارة في استجابتها للملف المطلبي. فعادة كانت تعطي موافقتها عليه في أواخر شهر يناير و بداية شهر فبرايرـ، غير أن هذه السنة ماطلت إلى أواخر شهر أبريل.  كان جوابها، في الأخير، على مطالب العمال الرفض المطلق، واستمرت المفاوضات أكثر من ثلاث أشهر، إلى أن وصل الاحتقان إلى ذروته.

وهكذا تكمن المشكلة في الراتب الذي لا يتماشى مع غلاء المعيشة. فالتعويضات لا ترقى إلى المستوى المطلوب مقارنة مع الجهد المبذول في الإنتاج ومقارنة بأرباح الشركة.  هذا بالنسبة للعمال والعاملات، أما بالنسبة للأطر فالشركة تمكنهم من تعويضات سمينة ومتنوعة، تشمل تعويضات نقل ومردودية وترقيات وغيرها.

السؤال الثاني، حدثنا عن أوضاع العمل المهنية في شركة رونو.

في شركة رونو للسيارات كلما ارتفعت وتيرة الإنتاج، والا وزاد الوضع بؤسا لدى العمال والعاملات. اذ تمارس عليهم/هن ضغوط شديدة واستنزاف كبير من طرف رؤساء الوحدات والاقسام، هؤلاء طبعا يستفيدون من مرابحة إرتفاع خط الإنتاج عكس عموم العمال والعاملات. أما حين يتم خفض الإنتاج، ويتوقف خط الإنتاج بالمصنع يوم في الأسبوع مثلا.، وهنا مربط الفرس، فيتم اقتطاع يوم إلى يومين من أجر العمال بعد توقف قررته الشركة و لا دخل لهم فيه.

أما بخصوص توفير شروط السلامة المهنية بشكل عام، فهم حريصون كل الحرص على السلامة، وهناك دورات تكوينية دائمة، لكن مع بعض التماطلات.

مع كل غضب عمالي أو شعبي يحدث خارج المعمل يجد تربة خصبة بالمصنع، بسبب تراكمات المعاناة التي تدفع الى التعبير عن الغضب. وفي حالتنا هاته، فإن أهم وأول ما نعانيه هو الأجر الهزيل الذي لا يغطي النفقات الضرورية والحاجيات الأساسية. ثانيا، هناك الضغط النفسي الذي يمارس من طرف الإدارة ورؤساء الأقسام على العمال/ات.  ثالثا، زيادة وثيرة الإنتاج المترافق مع خفض عدد العمال في خط الإنتاج. رابعا، ليست هناك امتيازات مادية وقانونية للعمال بحكم أنهم يعملون في الصناعة الثقيلة.

  السؤال الثالث، وما هي وضع  الحريات النقابية بالشركة؟

يعتبر المكتب النقابي نفسه على أنه ذلك الحصان المنيع أمام تعنت الإدارة في السنوات الأولى من تأسيسه. لكن مع مرور السنوات أصبح شريك اجتماعي ويدعو للسلم الاجتماعي. وأصبح يُسوق لفكرة رابح رابح. لكن هذه السنة الباطرونا من ربحت النزال.

ثانيا إدراة المصنع تخشى كل الأصوات والاحتجاجات الواعية وليس العفوية. وهذا الوعي بالاستغلال لازال غائبا لدى نسبة كبيرة في صفوف العمال، علاوة على ذلك فالمكتب يتشكل بأغلبية ساحقة من الأطر العليا أو المتخصصة، وبعض المناديب داخل المكتب هم الذين ينتمون فئة العمال. ولهذا فالمكاسب تكون في الغالب لصالح الأطر.

من المضايقات التي واجهت العمال هذه السنة، تجاهل الإدارة للمطالب وسن سياسة الاذان الصماء تجاهها. فحين تم تداول حمل شارة الغضب أستهزئ مدير المصنع بقوله إنه سيضعها معنا. ما يعني وعي الإدارة أن الخطوة عفوية ولن تكون ذات جدوى، الا أنه كان يُواجَهُ بصافرات الاستهجان حين يتحرك داخل أقسام المصنع.

أما حق ممارسة التنظيم النقابي هناك صبورة نقابية داخل الشركة، وتُعقد اجتماعات مع من لهم مشاكل بتنسيق مع مناديب العمال. وممارسة العمل النقابي تتم شكل طبيعي لحد الآن، لأن المكتب شريك وضامن للسلم الاجتماعي داخل الشركة.

السؤال الرابع، ماذا يُستفاد من مقارنة أجور وأوضاع العمل بفرع رونو المغرب وباقي فروع الشركة ببلدان أخرى؟

على مستوى العدالة الاجرية،   لا مجال للمقارنة بين متوسط الأجر بفرع طنجة ومتوسط الأجور الذي يحصل عليه العمال بمعامل رونو بفرنسا. مثال ذلك عمال/ات لديهم/هم أقدمية عشر سنوات ولا يتجاوز أجرهم 19 درهما في الساعة، مع العلم أن زيادة نسبة الإنتاج حققت نتائج قياسية، إذ ارتفعت من 28 سيارة سنة 2016 إلى 38 سيارة سنة 2026 في الساعة.

ونقدم نموذج أوضح حول متوسط الأجر الشهري بفرع رونو المغرب: لدينا متوسط الأجر في الساعة 19.20 درهم X 191 ساعة عمل شهريا: 3667 درهما. هذا هو أجر عامل بأقدمية عشر سنوات. وإذا أضيفت المنح، مثل السكن والنقل والأكل، تصبح الأجرة الشهرية لا تتجاوز 4500 درهم شهريا. هذا الاجر هزيل ولا يمكن أن يقارن بمتوسط الأجر الشهري بفروع شركة رونو بأي دولة أخرى.

يعتبر خط إنتاج رونو طنجة من أكثر الخطوط حفاظا على سيرورة الإنتاج المستقرة. إذ يحتل كل سنة الرتبة الثالثة أو الثانية لنسبة الإنتاج، والأول فيها حسب مراكمة الأرباح. وهذا ما يجعل الفجوة تتسع الى أبعد الحدود من حيث الامتيازات والأجر مقارنة مع مصانع المجموعة بدول أخرى.

كل أجير في النهاية يتقاضى مقابل عمله، لكن التجربة والملاحظة اللصيقة لظروف العمل تبين أن أشكال تحقير العمال وتشغيلهم تحت الضغط ليس مرتبط فقط بالإدارة وسياسة الإنتاج، بل هو مرتبط بنظام اقتصادي موجه عالميا. فالدولة نفسها تتدخل في ترسيم الأجور، وذلك بضغط من نقابة الباطرونا.

السؤال الخامس، هل من توضيح للأسباب المباشرة للاحتجاج العمالي في شهر أبريل الماضي؟

أعتقد، أولا، أن توقيت الاحتجاج بفرع رونو المغرب تأخر كثيرا. تعرف الإدارة أن العمال في القاعدة هم من يتململون. فطلبت من المكتب النقابي قيادة التململ عوض العمال، لكن تعرض الأعضاء لصافرات الاستهجان ضدهم فاضطروا للالتحاق ووقف الإنتاج إلى حين تحقيق المطالب.

في بداية الامر تحرك المكتب النقابي بكل صدق من أجل قيادة النضال، إذ صارت مصداقيته تحت محك العمال وحراكهم إن لم يبادر إلى القيادة والتفاوض. اتضح بعد نتائج الحوار أن ما كان يقوم به مجرد مناورة تكتيكية مع الإدارة، حيث أن القيادة، بسبب انتماءها لفئة الأطر ، مَحورت المطالب إلى مطالب لفئة الأطر ودافعت عن مكاسب لهم سواء الأطر العليا او المتوسطة، وتجاهل مطلب الأكثرية الساحقة من العمال في أسفل هرم تراتبية بالمصنع. بل تراجعت عن بعض الامتيازات التي كانت ممنوحة لهم وتحويلها للفئات الأخرى، وقد بينت هذه التجربة تحوير بيروقراطية المكتب النضال لما يخدم مصلحتها.

وأوضح ثانيا، أن المكتب النقابي التحق بالقاعدة بغرض واحد هو احتواء احتجاج الشغيلة وغضبها ، فقد فطنت الإدارة وقيادة المكتب أن الاحتجاج عفوي وغير معبئ بشكل جيد، وبدون وعي بمناورات الإدارة. فقد عرفت الإدارة من خلال خبرتها أن التحرك لن يزعزع خط الإنتاج. فلو توقف العمال ولو ليوم واحد بعد النتائج الباهتة للمفاوضات، والتي خدمت مصالح الباطرونا والمكتب النقابي، لكانت النتائج أكثر مما هي عليه، ولانتصروا على الإدارة ومكتب الأطر والمناديب.

السؤال السادس، ما تقييمك لمصداقية ووزن النقابة بفرع شركة رونو المغرب ؟

لا وزن حاليا للنقابة في صفوف العمال لأنها فقدت مصداقيتها وانعدام الثقة في ممثليها، قبل الإعلان عن نتائج السلف جميع العمال تجندوا خلف المكتب، على أمل تحقيق نتائج مميزة، لكن مات أملهم.

إن علاقة الثقة بين القاعدة العمالية والمكتب النقابي داخل معامل شركة رونو طنجة مرت بمراحل رئيسية:

أولا: بعد تأسيسه مباشرة كانت درجة عاليا من الثقة المتبادلة بين العمال والمكتب النقابي

ثانيا: بعد مرور خمس سنوات وتغيير الكاتب العام، بدأت هذه الثقة تتزعزع لكن ليس بانعدام الثقة.

ثالثا: مع صعود كاتب عام آخر، بدأ العمال يلاحظون ولاء غير مبرر للإدارة. وهذا ما جعل سقوط الثقة في المكتب تصل أقصاها.

رابعا: بعد الإعلان عن التصعيد وعدم الاستجابة للملف المطلبي زرعت الثقة من جديد، لكن خاب أمل العمال في الأخير. وهذا ما جعل الثقة تستأصل من جذورها.

السؤال السابع، ما تقييمك لنتائج الاتفاق الجديد؟

كان الاستياء هو الغالب على رد فعل العمال حول النتائج التي لم تحقق سقف تطلعاتهم، ولم تحافظ على المكتسبات الدنيا السابقة، خاصة نسبة الزيادة 5 بالمئة.

في هذا الإطار لا يمكن القول بالقبول، بل لا حول لهم في هذه النتائج ولا قوة، اذ لا قوة لهم في الرفض. فالمكتب هو من يفاوض نيابة عنهم، وقام هذا الأخير بالقبول لإنقاد شرعيته وإنقاد الإدارة من مواجهة مباشرة مع العمال. ومن أهم النقط التي غفلها الاتفاق هو الزيادة في الأجر. وتسقيف أجر أصحاب السنوات العشر من الأقدمية، بالزيادة في نسبة الأرباح كانت وعدت بها الإدارة.

السؤال الثامن، هل يمكن أن تحدثنا عن الديمقراطية النقابية داخل الشركة؟

سأتحدث عن علاقة النقابة بالإدارة: هي علاقة تطبعها الشراكة الشخصية وقضاء المصلحة، علاقة الشراكة أو الشريك الاجتماعي كما تسمي نفسها إذ أصبح أعضاء المكتب النقابي يسايرون اللإدارة من أجل البقاء أو الارتقاء في مناصبهم لا غير.

أما اللقاءات الدورية التي يعقدها المكتب فلا تكون داخل الشركة، بل خارجها بالمقر الجهوي بطنجة، لكنها تبقى شكلية.

السؤال التاسع، وماذا عن مستوى التواصل والشفافية داخل النقابة بفرع الشركة؟  

كل هذه الأدوات التواصلية موجودة، إلا الشفافية. فما يدور في الحوارات المباشرة مع الإدارة لا يعلم بها العمال/ات.

أما من جهة أخرى، فلا دور للمناديب سوى حل المشاكل الشخصية بين العمال والمسؤولين المباشرين. إضافة إلى تنظيمهم الأنشطة الإجتماعية والثقافية التي تساهم فيها الإدارة أو المكتب. مثل الخرجات والرحلات والمسابقات الرياضية والثقافية. ويبقى هذا الدور شكلي ولا يعطي أي إضافة، أو يساهم في الضغط العمالي على أعضاء المكتب النقابي أو يفرض شيئا على الإدارة.

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟