يقدّم المسؤولون الرسميون في الدولة حصيلة صناعة السيارات في المغرب بنبرة من الحماس، معتبرين إياها نموذجًا لنجاح استراتيجية محكمة، ودليلًا على التطور الصناعي الذي شهده المغرب خلال العقدين الماضيين. كما يستندون إلى معطيات رقمية وإحصائية لتأكيد حقيقة الدينامية الصناعية، التي تُعدّ صناعة السيارات محركها الأساسي.
دليل الأرقام الرسمية [1]
صعدت صناعة السيارات المغربية إلى مستويات نمو نوعية خلال العقد الأخير. يبرز ذلك من خلال ارتفاع الانتاج و نمو أرقام الصادرات والعائدات الضريبية، وإحداث فرص الشغل. وكلها مؤشرات عما يحققه القطاع نموا سنويا مهما.
تبوأت صناعة السيارات صدارت القطاعات التصديرية في مجمل الاقتصاد الوطني متجاوزة قطاع الفوسفاط ، وحققت صناعة السيارات في المغرب خلال عام 2025 رقما تاريخياً[2]، حيث قفز حجم الإنتاج الوطني إلى مستوى قياسي ناهز مليون سيارة، مسجلاً نمواً ضخماً بنحو 79٪. مكن هذا الأداء من انتزاع صدارة القارة الأفريقية لأول مرة . وقد تعزز موقع المغرب كمحطة إنتاجية وتصديرية للمعدات والسيارات باستقرار مجموعات من شركات صناعات السيارات العالمية مثل RENAULTو SNOP وGMD وBAMESA و DELPHI و YAZAKI و SEWS وSAINT-GOBAIN ومؤخرا PSA PEUGEOT CITROËN …الخ
وبلغت قيمة صادرات القطاع حوالي 157 مليار درهم (16 مليار دولار). أما المنظومة الصناعية فيضم القطاع حالياً شبكة واسعة تتجاوز 250 شركة مناولة، مما رفع نسبة الإدماج المحلي إلى مستويات تتطور تصاعديا، ووفر أكثر من 220 ألف فرصة عمل.
الشركات الامبريالية وهيامها بالمغرب
يُرجع المسؤولون قدوم شركات صناعة السيارات -التي تمثل أحد رماح الامبريالية لنهب الشعوب- الى بعد نظرهم وقوة الإقناع لديهم ، والحال أن ما يحرك الشركات الامبريالية حصريا جنى الأرباح أينما كانت وبأي طريقة.والدليل أن الشركات الصناعية تهجر بلد المنشأ الى مناطق أبعد تحقق فيها معدلات أرباح أكبر رغم ما تخلفه من تصحر صناعي وما تسببه من اغلاقات يثير حقن السياسيين البرجوازيين أنفسهم، لأن المنافسة الشرسة بين الشركات الصناعية تجبرهم على التحول الي حيث يمكنهم تحسيين شروط صمودهم بوجه منافسيهم الشرسين.
بالتالى فاستثمار شركات صناعة السيارات في المغرب يجد تفسيره في ما يتيحه البلد من ظروف عامة للانتاج الصناعي، تتيح للشركات المصنعة من خفض كلفة الانتاج وزيادة أرباحها ا التي تضخ في أرصدتها. وحين تنتفي هذه الشروط أو يبرز بلد اخر يوفر ظروفا أفضل سيحملون الالات ويرحلون كحلم عابر.
خفض كلفة الانتاج وترحيل الثروات
ما يسميه المسؤولين بالاستراتيجية المغرية لجذب شركات السيارات هي في الحقيقة نهب امبريالي للثروات الوطنية سواء بتوفير بأسعار مخفضة للمواد الاولية، والعقار ،والمياه،والطاقة ، وسواء ودلك بضخ أموال طائلة من الميزانية العامة. وأيضا بتشييد بنية تحتية في خدمة الشركات الصناعية من ربط طرقي سككي وطرق سيارة وموانئ، وبسن اجراءات ضريبية تحفيزية تخفض الرسوم الضريبية المتعددة وتسمح بحرية تحويل الأرباح الي البلد الأصلى للشركة المصنعة ، وأيضا التساهل عن شروط احترام المعايير البيئية. لكن أساسا توفير يد عاملة مؤهلة ومنضبطة وباجور منخفضة. هذه هي المغريات الحقيقية الجادبة لشركات صناعة السيارات العالمية، التي تخوض حرب منافسة شرسة بينها و التي ستنتهى بافلاس بعضها وإلى مزيد من احتكار السوق وتمركز الانتاج من طرف شركات محدودة خصوصا في السباق الجاري في خضم التحولات التكنولوجية وأساسا استعمال الطاقات غير الأحفورية في الإنتاج والانتقال الى السيارة الكهربائية.
تعرض تقارير الدولة نفسها بعضا من مظاهر النهب الإمبريالي الممنوح لشركات صناعة السيارات بالمغرب، علماً أن ما يعلن للعموم ليس إلا قمة جبل أما غار الحقائق فيحجب بعنوان سري جدا، بحجة أن بلدان منافسة مستعدة بدورها لتقديم عروض اغراء لجدب المفترسين الإمبرياليين.
دعم مالي سخي[3]
تستفيد شركات السيارات من دعم مالي سخي متنوع الأشكال ومتعدد المسارات.يتبين أن ما تصرفه المالية العمومية لفائدة الشركات الخاصة تلك، وما تكسبه في الأخير كعائد أن الرابح الأكبر هي الشركات الامبريالية وأن الممول هو الشعب المغربي في اخر التحليل.من بين أشكال الدعم المالي للمنوح للشركات:
- منح محفزة على الاستثمار.
- منح خاصة بالاندماج المحلي.
- دعم للمهن الريادية يمكن أن يصل إلى 30 في المائة من المبلغ الإجمالي للاستثمار.
- تشجيع الاستثمار( عروض عند الاستقرار وتوسعة القدرات الإنتاجية )،
- مواكبة المقاولات الريادية للمنظومة الصناعية (مَنح مِنح)،
- دعم الاستثمار من خلال صندوق التنمية الصناعية والاستثمارات، يمكن أن يصل إلى 30 في المائة من المبلغ الإجمالي للاستثمار.
توفير سوق محلي:
التزمت الدولة أيضا بتوفير منافد تصريف جزء من الانتاج في السوق المحلية بسن مجموعة من الاجراءات منها:
- التحديد التدريجي لعمر العربات المستعملة (لكي لا تتجاوز 20 سنة في أفق سنة 2020)،
- ترشيد الحمولة المنقولة (زيادة الوزن الكلي المحمول وإحداث معايير الأحجام)،
- زيادة الطلب العمومي الموجه للقطاع،
- تخفيف شروط أهلية الحصول على منحة تجديد حظيرة العربات وتعميمها على أي ناقل يتوفر على عربات من الوزن الثقيل تتجاوز 15 سنة،
- مساعدة نوعية لمقاولات المنظومة الصناعية الخاصة بـ ” بعربات الوزن الثقيل والهياكل الصناعية “.
- إحداث منظومة لتمويل أنصاف المقطورات بشراكة مع المؤسسات البنكية(تأجير مالي ومدة طويلة)،
- ولمواكبة تطوير تخصص “القوة المحركة” (باور تراين)، سيُقدم دعم ملائم للمقاولات من خلال:
- دعم مالي لمختبرات المحركات.
- دعم تنافسية المقاولات الصغيرة جدا والمقاولات المتوسطة والمقاولين الذاتيين.
توفير الوعاء العقاري
خصصت الدولة الوعاء العقاري وقامت بتجهيزه وربطه بمنصات التصدير، وتقدم الأرقام الرسمية ضخامة ما توفره لتلك الشركات الخاصة:
- استفادة أكثر يسرا من العقار (15 هكتارا من العقار التأجيري الموجه للقطاع).
- في إطار مخطط تسريع التنمية الصناعية، تنوي الوزارة تخصيص 1000 هكتار لإنشاء مناطق صناعية للكراء مع منشآت جاهزة : سيتوفر كل مجمع على شباك إداري وحيد، وسوق محلّية لليد العاملة، وخدمات خاصة وآلية لتكوين الموارد.
- وبالموازاة مع ذلك، تضمن محطات صناعية مندمجة عامة وقطاعية – قد تستفيد من وضع منطقة التصدير الحرة لاحقا- وتوفر وعاء عقاريا تنافسيا، وخدمات عقارية ولوجستية متكاملة ومتنوعة حسب أعلى المعايير الدولية، إضافة إلى خدمات في عين المكان وشباك إداري وحيد.
- الاستفادة من العقار (جعل 200 هكتار رهن الإشارة بثمن مُغرٍ)،
- عرض عقاري تأجيري بأثمان مغرية:
- لقد احتُفظ بـ 275 هكتارا من العقار التأجيري لقطاع السيارات منها 95 هكتارا بوشر بها العمل فعلا.
- مخطط تكويني مندمج يتلاءم مع احتياجات القطاع.
- دعم لتفعيل نظام المقاول الذاتي خاص بجمع الخردة.
عرض تكويني:[4]
تحملت الدولة مسؤولية توفير يد عاملة مكونة وجاهزة، شيدت مركز للتكوين المهني وخلقت شعبا ومسارات مهنية تستجيب لحاجيات الشركة .
– موجه لتأهيل 90.000 تخصص يتلاءم والاحتياجات النوعية للقطاع.
– إحداث مركز للدراسات والتجارب والتطوير
– دعم خاص بالتكوين.
– من خصائص معاهد مهن صناعة السيارات نمط إدارة هذه المعاهد هو شراكة بين القطاعين العام والخاص (تدبير مفوض).
– إقامة أربعة معاهد لمهن صناعة السيارات بالدار البيضاء والقنيطرة وطنجة، وتقديم مساعدات مباشرة في تكوين الموارد، في حدود 65 ألف درهم للشخص.
انها جزء قليل من التسهيلات المسخرة لشركات صناعات السيارات وشركات صناعة أجزاء السيارات بالمغرب، انها خدمات تمولها المالية العمومية و من استغلال يد عاملة مؤهلة مقابل أجور منخفضة ويفرض عليها الانضباط حتى لا تمس بأحد منابع الربح أي فائض القيمية المتأتية من الأجور المتدنية. جدير بالذكر أن لائحة التسهيلات السخية أعلاه قيديمة ولا تغطي ما منحته الدولة المغربية في السنوات الست اللاحقة2000-2026 والتى ستعزز بمزيد من المكاسب لشركات صناعة السيارات لتضخم أرباحها، بخلفية إغرائها على زيادة استثماراتها ونقل مصانعها من مناطق أخرى من العالم الى المغرب في إطار التنافس بين بلدان الأجور المنخفضة والتسهيلات الضريبة والقابلة بتخريب بيئتها واستنزاف ثرواتها ومعظمها من بلدان الأطراف.
هل المغرب سائر للتحول الى بلد صناعي؟
خلال الخمسة عشر عاماً الاخيرة، عمل المغرب على بناء قاعدة صناعية للسيارات، بما جعله وجهة جاذبة لكبار المصنعين والمورّدين. وقد ساهمت في ذلك الحوافز الضريبية، واتفاقيات التجارة الحرة مع الأسواق العالمية الكبرى، وانخفاض الاجور، والبنية التحتية ، الى جانب القرب على أسواق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والانفتاح على الصين،
يُعد الميثاق الوطني للإقلاع الصناعي الذي وقع سنة 2009، نقطة انطلاق للاستراتيجية الصناعية الجارية،والتي تعززت لاحقا بمخطط تسريع التنمية الصناعية 2014- 2020، إمتداذا لمخطط الإقلاع الصناعي، الذي أطلقه المغرب سنة 2005ثم بمخطط الإنعاش الصناعي 2023-2021،و تندرج هذه المخططات جميعها ضمن خطة استراتيجية ” تسعى إلى إرساء صناعة قوية وتنافسية، تمكن من خلق مناصب الشغل ورفع نسبة القطاع الصناعي في الناتج الداخلي الخام المغربي”.
وقد جعلت هذه الاسترايجية من المغرب منصة قارية تتوافر على مقومات صناعة السيارات اذ يضم 10 منظومات صناعية مرتبطة بهذا القطاع ، تشمل المحركات، ونظام نقل الحركة، والأسلاك الكهربائية والميكانيك والبطاريات والمقاعد وإطارات السيارات…كما يتوفر على احتياطيات مهمة من المواد الضرورية لصناعة بطاريات ليثيوم- أيون المستخدمة في السيارات الكهربائية،خاصة الكوبالت، وهو عامل جدب اضافيا للشركات المتعددة الجنسيات المتنافسة على حسم سباق السيارات الكهربائية.
وفي هذا السياق أوضح الاقتصادي سعيد سعدى ” أن نسبة القيمة المضافة للصناعة في الناتج الداخلي الخام كانت تصل إلى 20.5 في المائة عام 1984، قبل أن تتراجع إلى 18 في المائة سنة 1994 وبلغت 18.49 في المائة سنة 2000. وأضاف أنها وصت إلى 17.78 في المائة عام 2004، وإلى 16.49 في المائة عام 2014، في الوقت الذي لم تتعدّ نسبة 15.27 في المائة سنة 2020″[5]
وهذا ما يدل على أن مساهمة القطاع الصناعي لا تعرف اختراقا نوعيا في مساهمتها في الاقتصاد الوطني، وأن صعود قطاعات جديدة مثل السيارات والطيران يقابله تراجع صناعات أخرى، تعرضت للتفكك بسبب عجزها على منافسة غزو سلع أجنبية، نتيجة تطبيق اتفاقيات التبادل الحر، على سبيل المثال تراجع حصة النسيج والجلد من 16.7% إلى 10.8% ليس إنجازاً تقنياً بل هو خسارة اجتماعية مقنّعة: هذا القطاع يُشغّل نسبة عالية من النساء في المناطق الهشة. تفكيكه بلا بديل تشغيلي يعني نقل الهشاشة من الاقتصاد إلى الأسر الأكثر فقراً.
اقتصرت الأهداف المنتظرة من الشركات الأجنبية كما جاء في مخطط التسريع الصناعي (2020/2023) تقتصر على احداث فرص الشغل و “عقود مناولة مع النسيج المحلي”.[6]
إن القول بأن بلذا ما أصبح بلذا صناعيا يستلزم توافر شرطين أساسين كحد أدني، أولهما ان يكون ماسكا بالدورة الصناعية كاملة من الإبتكار إلي انتاج وسائل الانتاج، وثانيهما ان يحثل الانتاج الصناعي وقيمته مكانة قوية في مساهمته في الاقتصاد الوطني الاجمالي، ولاسيما بالمقارنة مع نسبة انتاج المواد الخام. هذا الشروط تحدد المكانة التي يحتلها الاقتصاد الوطني في اطار التقسيم الدولي للعمل، وهو أحد مرتكزات السيطرة الامبريالية.
يمكننا تسجيل ثلات ملاحظات جوهرية حول حصيلة الاستراتيجية الصناعية المشاد بها بقوة من طرف الدولة واعلامها:
أولاً، نموذج “الصادرات” مُضلِّل ما دامت نسبة مستوردات الصادرات تصل إلى 45–58% في القطاعات الرائدة. الرقم الصحيح هو إجمالي الصادرات مطروحاً منه محتواه من الواردات — وهذا ما لا تذكره الارقام الرسمية.
ثانياً، العجز التجاري المتصاعد في ظل كل هذا “الإقلاع الصناعي” هو دليل هيكلي لا ظرفي: النموذج القائم على التجميع يعيد إنتاج الاعتماد على الاستيراد الأجواء الصناعية لا يقطعه. رغم ارتفاع معدل تغطية الصادرات للواردات من 47.7% إلى 58%، يبقى العجز التجاري في غشت 2024 عند 197 مليار درهم ويرتفع بنسبة 3.2%. والأخطر أن ارتفاع الواردات مدفوع بأجزاء وقطع السيارات (+7%) وأجهزة التجهيز (+10.9%)، أي أن النمو الصناعي المُعلَن يُغذّي بنفسه الاعتماد على الاستيراد بدل تخفيفه.
ثالثاً، انهيار صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 52% سنة 2023(يمكن أن يتكرر لأنه خاضع لمصلحة الرأسمال الخاص العالمي)، مع ارتفاع حاد في تحويل الأرباح للخارج، يطرح السؤال عن الجدوى التنموية للانفتاح غير المُقيَّد على الرأسمال الأجنبي.
قال ارنست ماندل “إن الشركات متعددة القوميات تجد في إطار استراتيجيتها العالمية مصلحة في الانغراس في عدد من البلدان التابعة لتحتل فيها السوق منذ البدء تقريبا، نظرا لتوسع المبيعات اللاحق الذي تتوقعه. هكذا تتعمم صيغة المنشآت المشتركة (joint-ventures) بين الرأسمال الإمبريالي والرأسمال الصناعي «القومي» في تلك البلدان، أكان رأسمالا خاصا أو رأسمال دولة، حيث تشكل هذه الصيغة إحدى ميزات البنية شبه الاستعمارية. ويزداد بالتالي ثقل الطبقة العاملة في المجتمع.
هذه البنية تظل منخرطة في منظومة إمبريالية قاسية واستغلالية. ويبقى التصنيع محدودا، حيث تكاد «سوقه الداخلية» لا تتعدى إجمالا ما بين 20% و25% من السكان: الطبقات الميسورة + التقنيون والكوادر، الخ + الفلاحون الأغنياء. ويضل بؤس الجماهير هائلا. فتتزايد التناقضات الاجتماعية بدل أن تتقلص: من هنا تبقى طاقة الانفجارات الثورية المتتالية في البلدان التابعة.”[7] وماندل هنا يستحضر تجارب أكثر طموحا لأنظمة ما بعد نزع الاستعمار المباشر وليس أنظمة واهمة بالاندماج في الرأسمالية النيوليبرالية.
ويظهر بجلاء أن المغرب يوفر حاضنة لشركات الصناعات العالمية، ويغريها بالمزيد من التسهيلات، في حين تحتكرهذه الشركات التكنولوجيا الاساسية،وتلجأ الى مقاولات من الباطن محلية في الأجزاء التي لا تهدد بنقل التكنولوجيا، مستفيدة من منتوجات بأقل كلفة، ودون تحمل الأعباء الإجتماعية والضريبية. وهكذا، انتهت الدعاية الخادعة التي بشرت بانتاج سيارة “محلية مستقلة”- من التصميم الي التصنيع، حتي الانتاج والتسويق- الي مجردكذبة سمجة.
ثم ان الناتج المحلي الإجمالي للمغرب، بلغ في عام 2025 حوالي 182.6 مليار دولار [8]، فيما سجلت حصة الصناعة الوطنية في الناتج الداخلي الخام 15.3 بالمائة، مسجلة ارتفاع طفيف مقارنة بـ 14.8بالمائة المسجلة في سنة 2019. غير أن هذه نسبة تبقى ضئيلة، بل إنها ادنى من نسبة 18 بالمائة المسجلة سنة 1994 قبل توقيع اتفاقية الكات، وما تبع ذلك من خضوع لاتفاقية منظمة التجارة العالمية، وفتح الأبواب أمام اتفاقيات التبادل الحر التي دمرت النسيج الصناعي في منافسة غير متكافئة.
إن المغرب ليس بلذا صناعيا، والسياسة المتبعة لن تفضي به الى التحول الى اقتصاد صناعي. فكل التطورات الحاصلة في العقود الأخيرة لا تتجاوز احلالا صناعيا باشراف الشركات الامبريالية المتحكمة في السر التكنولوجي، والتي تستفيد من أرباح أكبر مما تحصل عليه في مناطق أخرى من العالم. وبقاؤها رهين باستمرار تدفق الأرباح الى أرصدتها في البنوك الامبريالية ، وان وجدت بدائل أفضل، فإنها ستشد الرحال، وتفكك مصانعها، وتغادر، ولن يبقى للبلد سواء الأنقاض. ولكي يكون البلد صناعيا، لا بد من صناعة قومية متكاملة الأركان، نابعة من منظور تحرر وطني من التبعية الاقتصادية وقطع لوريد القسمة الدولية للعمل، وهي شروط لم تتوفر بعد في المغرب.
الأجور المنخفضة وارتفاع ارباح شركات صناعة السيارات
لقد رأينا أن الدولة وفرت الشروط المغرية لشركات صناعة السيارات، و هيأت كل المدخلات المساهمة في الانتاج بما يستجيب لمصالح الشركات الامبريالية:من تهيئة المناطق الصناعية وتجهيزها، الي البنية الضخمة للنقل واللوجستيك،ومرورا بتغيير المنظومة القانونية والضريبية،وتسهيل التصدير والاستيراد،وتوفير اليد العاملة المؤهلة والمنضبطة وبأجور منخفضة. هذده العوامل كلها تمنح للشركات المصنعة انتاجا منخفض الكلفة مقارنة بمنافسيها الاخرين أو مقارنة بمصانعها في بلدان المركز أيضا. وتعتبر الأجور المنخفضة المقرون بمعدل انتاجية جيدة من مصادر فارق الأرباح التي تجنيها الشركات الخاصة في بلدان مثل المغرب.
اكدت “دراسة صادرة عن “Oliver Wyman”[9] أن المغرب أصبح من بين أبرز الوجهات الصناعية الأكثر تنافسية في قطاع السيارات من حيث كلفة الإنتاج، مستفيداً من انخفاض تكاليف اليد العاملة مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا.
وأوضحت الدراسة، التي شملت أكثر من 250 مصنعاً لتجميع السيارات عبر العالم، أن كلفة اليد العاملة في تصنيع سيارة واحدة بألمانيا تصل إلى نحو 3300 دولار، مقابل 106 دولارات فقط في المغرب، ما يعكس الفارق الكبير في تكاليف الإنتاج بين البلدين، ويبرز التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع صناعة السيارات عالمياً.” وأظافت ” أن المغرب بات من بين أكثر الدول تنافسية عالمياً في مجال تصنيع السيارات، بكلفة إنتاج منخفضة تقل حتى عن الصين، التي تصل فيها تكلفة اليد العاملة إلى حوالي 585 دولاراً لكل سيارة.” كما سجلت الدراسة “حضور كل من المكسيك ورومانيا ضمن قائمة الدول منخفضة التكلفة، بمعدل 305 دولارات و273 دولاراً على التوالي، بينما جاءت إسبانيا ضمن الفئة المتوسطة بتكلفة بلغت 955 دولاراً للسيارة، أي ما يعادل نحو تسعة أضعاف الكلفة المسجلة بالمغرب.”
ما العمل؟
إن الأجور المنخفضة التي تُغري الشركات الصناعية، خصوصًا إذا اقترنت ببنية تحتية جيدة، وبوفرة المواد الأولية، وميزة القرب من الأسواق، هي التي تفسّر الاستثمارات المحققة، كما تفسّر أيضًا نوايا توسيع المشاريع مستقبلًا. وهي قرارات تخدم حصرًا مصلحة الشركات الخاصة، وليست قرارًا سياديًا للبلد المستضيف. ويتجلى الخطر في التحولات التي يعرفها التنافس بين الشركات المصنعة، والتي تجبرها على الانعطاف السريع في خياراتها، عبر نقل مراكز الإنتاج وإعادة النظر في الخطط الاستثمارية.
لكن الأجور المنخفضة ليست قدرًا أبديًا، بل هي مسألة صراع طبقي في البلد برمّته، وداخل المقاولة أيضًا. فمهما حرصت الشركات على فرض سعر أدنى لشراء قوة العمل، فإن استثماراتها الضخمة تخلق تركزًا عماليًا كبيرًا، يشغّل سلسلة مترابطة من الآلات والشركات الفرعية المتخصصة في أجزاء تدخل كلها في تركيب المنتوج النهائي. وبالتالي فإن أي قطاع عمالي قادر على التأثير في سلسلة الإنتاج برمّتها، ويمنح الإضراب قوة ضغط هائلة، تجبر الشركات، عاجلًا أو آجلًا، على رفع الأجور وتحسين شروط العمل.
إن الشركات المتعددة الجنسيات راكمت خبرة هائلة في سبل إحباط الإضرابات العمالية، وتبادر إلى تقطير المكتسبات المادية التي لا تؤثر في أرباحها الضخمة، خصوصًا أن واقع الشغيلة في قطاعات أخرى أشد سوءًا، وأن قانون الشغل نفسه متخلف، وما يمنحه من مكاسب عمالية يبقى بسيطًا جدًا، رغم أن أعدادًا هائلة من عمال وعاملات المغرب لا تزال تشتغل في أوضاع هشاشة واستغلال، خارج ما ينص عليه القانون المتخلف نفسه.
إن للدور التقدمي للثورة الصناعية في المراكز الرأسمالية، التي سمحت للطبقة العاملة بانتزاع مكاسب تاريخية من قبيل تقليص أيام العمل، والعطل السنوية، والتأمين عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، والمفاوضات الجماعية، والحريات النقابية… إلخ، ما شكّل الجوهر الاجتماعي للديمقراطية البرجوازية، وكان دفعًا تاريخيًا لاقتصاديات تلك البلدان، دون إغفال مكانة النهب الإمبريالي للبلدان المستعمرة، طبعًا. غير أن هذه الدفعة التاريخية لا وجود لها في محاولات التوطين الصناعي للشركات المتعددة الجنسيات؛ إذ لا تتعدى، في أحسن الأحوال، ما يتضمنه قانون الشغل المتخلف، مع حرص شديد على عدم تطبيق “أجر واحد للعمل الواحد” في مختلف فروع الشركة الواحدة، سواء في بلدان المركز أو في البلدان التابعة. فمثل هذا القرار، لو فُرض، سيسمح بإحداث تغير هائل في أوضاع شغيلة القطاع، وسيكون قاطرةً تجرّ باقي القطاعات، ومثالًا للاقتداء، وإشعالًا للنضال العمالي، وفتحًا لأفق لا تقترب منه القيادات النقابية، ولا تجرؤ حتى على التفكير فيه: رفع الأجور بثلاثة أرقام كنسبة مئوية لتقليص تدمير القدرة الشرائية للعمال، تخفيض ساعات العمل الأسبوعي إلى أقل من 40 ساعة، تشغيل جميع القادرين على العمل أو تعويض العاطلين عن البطالة، وتحمّل المسؤولية العمومية في رعاية العاجزين عن العمل والأطفال، وتعويضات عن المخاطر المهنية، وتقليص سن التقاعد في المهن الشاقة ذهنيًا أو عضليًا… إلخ.
إنها عينة من المطالب التي، بفرضها، تتحسن أوضاع الطبقة العاملة، وترتفع قيمة بيع قوة عملها، ويُنهى نهم مصاصي الدماء الإمبرياليين، ويدفع بلدنا خطوات نحو أوضاع اجتماعية واقتصادية أفضل لشعبه الكادح. وفرض ذلك ممكن ببناء أدوات عمالية وفية للدفاع عن مصالح الشغيلة، من منظمات نقابية ديمقراطية وكفاحية، ولكن أيضًا ببناء حزب عمالي يضم أفضل العناصر وعيًا ونشاطًا.
بقلم: طارق الزيتوني
إحالات:
[1] –https://mcinet.gov.ma/ar/content/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9/%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA
[2] -https://www.afdb.org/fr/documents/indice-de-lindustrialisation-en-afrique-2025
[3] -نفسه
[4] نفسه
[5] – https://iktissadkom.ma/last-news-maroc/wzyr-sbq-lqt-lsn-y-blmgrb-d-yf-jd
[6] -https://www.mcinet.gov.ma/ar/strategiques/115/tab/39
[7] – https://almounadilasocialiste.org/%d9%85%d8%af%d8%ae%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a9/
[8] –https://www.worldometers.info/ar/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8/
[9] –
دراسة دولية: المغرب من بين أكثر الدول تنافسية في تصنيع السيارات