الموقع تجريبي

صدمة غلاء الأكباش تكشف حقيقة سياسة الدولة وفئة المستفيدين منها

وجدت الأسر الشعبية المغربية نفسها في مواجهة لهيب أسعار الأضاحي داخل أسواق عشوائية خاضعة تماماً لمنطق الاحتكار والمضاربة، مِمَّا يكشف بالملموس زيف تأكيدات الدولة بشأن وضع آليات الرقابة، وسنِّها إجراءات صارمة لضبط الأسعار وتوفير أعداد كافية من الرؤوس المستوردة لخلق التوازن.

تجلى جانب من هذا الاحتقان الشعبي في إطلاق حملة “خليه يبعبع” على منصات التواصل الاجتماعي، والتي دعت إلى الامتناع عن الشراء لكسر جشع المضاربين وفرض تراجع الأسعار. غير أن الحملات المضادة التي واجهت هذه المبادرة، عكست بوضوح مخاوف الدوائر الرسمية والمستفيدين من الريع من أي مقاطعة واسعة، وهي المقاطعة التي بينت التجربة التاريخية للمغاربة أنها إحدى أدوات النضال السلمي الأكثر فعالية في مواجهة موجات الغلاء المتصاعدة التي تلتهم المواد الأساسية.

إن صدمة غلاء الأضاحي لم تفضح فقط وعود الدولة وشعاراتها الاستهلاكية، بل عرّت الأسباب الهيكلية العميقة للخصاص الحاد في اللحوم الحمراء، وكشفت بجلاء عن الهوية الحقيقية للجهة المستفيدة من طوق الدعم العمومي: كبار المستوردين على حساب جيوب عموم المواطنين/ات.

علاوة على الأزمة الهيكلية للفلاحة المغربية المرتبطة بخيارات استراتيجية ليبرالية فيما سمي بمخطط المغرب الأخضر، ساهمت العوامل المناخية والاقتصادية العالمية بشكل حاسم في تفاقم أزمة اللحوم الحمراء بالمغرب. فقد سبب تواتر سنوات الجفاف وتراجع المراعي الطبيعية في إضعاف القدرة الاستيعابية للمراعي، مما دفع المربين إلى الاعتماد شبه الكلي على الأعلاف المصنعة والمركزة باهظة الثمن. وفي الوقت نفسه، ضربت موجة غلاء عالمية أسعار الحبوب (الشعير والذرة) والمواد العلفية الأساسية، نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد والحرب الروسية على أوكرانيا، مما رفع تكاليف تربية الماشية إلى مستويات غير مسبوقة. هذا التقاطع بين الإجهاد المائي من جهة، وصدمة الأسعار العالمية من جهة أخرى، أدى إلى تسارع وتيرة التخلي عن تربية الماشية من طرف صغار الفلاحين، وتقليص حجم القطيع الوطني، ورفع تكلفة الإنتاج المحلي. هكذا لجأت الدولة الى الاستيراد الذي لم يفعل سوى تعميق التبعية الغذائية وأثقال كاهل الميزانية دون معالجة الهشاشة البنيوية للقطاع.

وضعت الدولة آلية لتحفيز الاستيراد من الخارج (خاصة من إسبانيا والبرتغال ورومانيا)، خصصت من خلالها دعما جزافيا مباشرا قدره 500 درهم عن كل رأس غنم مستورد مباشرة للمستوردين عبر المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، بالإضافة الى إعفاء تام من الرسوم الجمركية، وإلغاء الضريبة على القيمة المضافة (TVA) عند الاستيراد. وهذا ما كلف الميزانية مئات الملايين من الدراهم كمنح استفاد منها بالأساس حفنة من كبار المستوردين، حيث أن الدولة فرضت إلزامية استيراد حصة دنيا لا تقل عن 1000 رأس لكل دفعة في إقصاء ممنهج لصغار التجار.

تكشف المعطيات عن الأرباح الخيالية التي كانت المحرك الأساسي وراء هذه العملية: إذ يتم شراء الأغنام لدى تجار الجملة الأوروبيين بمعدل سعر يتراوح بين 50 و57 درهماً للكيلوغرام الواحد. وإذا كانت تضاف إلى تكلفة الانطلاق من أوروبا مصاريف النقل البري والبحري، فإن هذه الأخيرة تُغطى بالكامل عبر المنحة الحكومية البالغة 500 درهم التي يتلقاها المستورد عن كل رأس، ناهيك عن الإعفاء التام من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة. وبناءً على ذلك، فإن تكلفة السعر الصافي لخروف إسباني متوسط الحجم (ما بين 25 و30 كلغ) لفائدة مستورد كبير، تستقر بين 1300 و1600 درهم عند خروجه من الميناء المغربي.

لكن، وعوض أن تُعرض هذه الأغنام في السوق بأسعار افتتاحية تنافسية تتراوح بين 1800 و2200 درهم للتخفيف عن كاهل الأسر ذوي الدخل المحدود، جرى تحويل مسار العملية، مع اضافة دور الوسطاء وتجار الجملة المحليين (“الشناقة”) أيضا، لتُباع في نقط البيع الحضرية بأسعار حارقة تتراوح بين 3500 و4500 درهم. هكذا، بطلت الغاية المعلنة لعملية الاستيراد في دعم المواطن، لتتحول إلى غنيمة تُمكن كبار المستوردين والوسطاء من تحقيق هوامش ربح جشعة، التهموا من خلالها أموال دافعي الضرائب.

عيدنا عيدكم.. بفرح وبلا ذبيحة

إن نار غلاء الاسعار ليست أمرا عابرا، بل ستتواصل بلا تراجع، لأن السياسة العامة للدولة تؤدي إلى نهب حقيقي للشعب، سواء بوصفهم فلاحين صغار، أو عمال وعاملات يتقاضون أجورا منخفضة، او مستهلكين ومستهلكات يواجهون غلاء الأسعار.

إن مواجهة غلاء الأسعار غير ممكن الا بفرض السلم المتحرك للأجور، أي أن ترتفع الأجور بالتوازي مع منحى ارتفاع أسعار الحاجيات الضرورية للعيش. كما وجب تعزيز مكسب منحة العيد للعمال والعاملات الذي انتزعته النضالات النقابية في عديد من المؤسسات في القطاعيين العمومي والخاص، وصرف الدعم العمومي لفائدة الاسرة الشعبية تحت شعار” عيد سعيد للجميع”.

إلى جانب مطالبنا التي تستدعي النضال المستمر لانتزاعها من الرأسماليين ودولتهم، علينا طرح حلول أخرى يجري تداولها شعبيا دون الجرأة على طرحها عمليا وترجمتها إلى أفعال. نقصد بذلك: بناء حركة وعي مجتمعي تكسر طوق النفاق الاجتماعي والتناقضات الصارخة التي يعيشها شعبنا.

لنا كامل الثقة في حكمة الطبقات الشعبية في ابداع طقوس الاحتفال بالعيد الكبير، وتعزيز التضامن الأسري، وتلبية رغبات الأطفال، بطرق أخرى تكون غير مستنزفة، وتقلص من وطأة الضغوط الاجتماعية، وتسمح بتفادي دوامة ديون خانقة تفوق طاقة الأسر.

يمكن، مثلا، اقتراح إطلاق حملة مواطِنة تحت شعار”عيدنا عيدكم.. بفرح وبلا ذبيحة، تترافق مع تنظيم مبادرات للتكافل الشعبي، مادياً ومعنوياً، لفائدة الأسر الأكثر هشاشة، من خلال توجيه جزء من تكلفة الأضحية إلى دعمها مباشرة. إنها خطوة نحو ترسيخ روح التآزر الإنساني الحقيقي، وتشجيع الأجيال الصاعدة على تبني قيم بديلة وإنسانية نبيلة. كما قد يساهم ذلك في الحدّ من الاستنزاف القياسي والمفاجئ للقطيع الوطني في يوم واحد، وهو ما يخفف الضغط على أسعار اللحوم خلال باقي أشهر السنة، ويسمح للفئات الشعبية باستهلاكها بشكل منتظم حتى العيد القادم.

 

 بقلم: الزيتوني طارق

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟