انكشفت مرة أخرى حالة من حالات الاعتداءات الجنسية الأشد بشاعة، والتي يكون ضحاياها نساء وقاصرين يقطنون جغرافيا مقصية، ويعيشون حياة القهر والتهميش. تعرضت “حياة”، وهي شابة تبلغ من العمر 24 سنة وفي وضعية إعاقة دهنية بدوار بويدمومة ضواحي جماعة اغبالة بإقليم بني ملال، لجريمة اغتصاب متكرر. ونتج عن هذا الاعتداء الشنيع حمل لمرتين وإنجاب طفلين، ويبلغ عمر الطفل الأول حوالي 8 سنوات بينما لم يكمل الثاني عامه الأول بعد. وتعود جريمة الاغتصاب الأولى التي تعرضت لها “حياة” إلى سنة 2018 وكانت آنذاك تبلغ من العمر 16 سنة. ولم تتدخل مؤسسات الدولة ذات الصلة برعاية الفئات الهشة لحماية هذه الشابة التي كانت تعيش أوضاعا مزرية ومن ذوات إعاقة. كما لم تتم متابعة الجناة أمام القضاء لعدم التعرف على هوية المرتكب الحقيقي لجريمة الاغتصاب وطويّ الملف. ولم تتلقى حياة -التي كانت قاصرا وعاجزة عن حماية نفسها عند الاعتداء عليها في المرة الأولى- أي دعم قانوني ولا مرافقة نفسية، كما لم تحظى بأية رعاية اجتماعية تجنبها مخاطر الوقوع مرة أخرى ضحية انتهاكات جنسية.
تعري حالة “حياة” المأساوية مخاطر العنف الجنسي التي تتربص بنساء كادحات في مناطق مهمشة، سيما عندما يكن في وضعية إعاقة. وبسبب شروطهن الاجتماعية والاقتصادية الهشة، تجد النساء المعتدى عليهن جنسيا أنفسهن عاجزات عن ولوج منظومة العدالة في مجتمع ذكوري تتسع فيه التفاوتات الطبقية والاجتماعية والمجالية.
عندما تجعل الإعاقة والفقر النساء لقمة سائغة لعنف مجتمع ذكوري.
استمرت مأساة “حياة” المعروفة بعجزها التام عن حماية نفسها من كل ما قد يمس سلامتها الجسدية والنفسية. كما أن أسرتها الفقيرة التي تسكن بيتا طينيا تنعدم فيه أي شروط للسكن اللائق والآمن، غير قادرة على ضمان حد أدنى من الرعاية لحياة كونها من ذوي الحاجيات الخاصة. ولم تكتشف الأسرة حادثة الاغتصاب المؤلمة التي ألمت بابنتها إلا عند بلوغها الشهر الخامس من الحمل لضعف إدراكها، وعند الاستفسار أفصحت المعتدى عليها عن تناوب أربعة اشخاص على اغتصابها، مما دفع الأسرة إلى نقلها للمستشفى.
يبقى الحمل بعد ظهوره للعيان الوسيلة الوحيدة التي تُخْرِج للعلن بشاعة الاعتداءات الجنسية التي تحطم حياة النساء في وضعية عزلة وهشاشة. وبينت حالات سابقة لضحايا يعشن في مناطق تفتقر لأدنى شروط حياة الكرامة والعدالة، أنهن كن عرضة لجرائم جنسية فظيعة لمدد طويلة، كما يعجزن عن الإفصاح عنها إما خوفا من تهديدات الجاني، أو لانتمائهن لبيئات تجرم الضحايا وتجبرهن على الصمت رغم حجم الأضرار النفسية والجسدية التي تلحق بهن.
حدود القوانين الزجرية في مواجهة هشاشة وفقر ضحايا العنف الجنسي.
بعد انكشاف جريمة الاعتداء الجنسي للمرة الثانية والتي أفضت للحمل، قدمت أسرة حياة شكايتها وجرى على إثرها استدعاء مرتكبي الاغتصاب الأربعة بعد أن تعرفت عليهم المعتدى عليها. وتم الانصات لهم وأنكروا كل الأفعال المنسوبة لهم. وأجريت الخبرة الجينية للمتورطين في جريمة الاغتصاب لتحديد الأب البيولوجي للطفل الثاني الذي وضعته حياة بتاريخ 19 يناير 2026.
يحدد الفصل 486 من مجموعة القانون الجنائي العقوبات المترتبة عن ارتكاب جريمة الاغتصاب ويُفصل في الشروط التي يجري فيها تشديد العقوبة والرفع من مدتها. ويشترط تشديد العقوبة السجنية أن تكون ضحية الاغتصاب قاصرا أو حاملا، أو عاجزة أو معاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية، ويعاقب مرتكب فعل الاغتصاب في هذه الحالات بالسجن من عشر إلى عشرون سنة.
بتاريخ 12 ماي 2026 قضت الغرفة الجنائية الابتدائية لدى محكمة الاستئناف ببني ملال بإدانة مقترفي جرم الاغتصاب، في حق شابة معروفة بإعاقتها بخمس سنوات سجن نافذة، وتعويض مالي للضحية قدره 20 ألف درهم بشكل تضامني. ويثير هذا الحكم مرة أخرى مسألة تطابق الأحكام الصادرة مع خطورة الأفعال المرتكبة. فرغم توفر شروط تشديد العقوبة في الحالة المعروضة على القضاء، والمتمثلة في أن الضحية ذات إعاقة وعاجزة عن المقاومة وحماية نفسها، علاوة على هشاشتها الاجتماعية لم يتم تشديد العقوبة، والتي تتراوح ما بين عشر إلى عشرين سنة.
تعد الأحكام العقابية الصادرة ابتدائيا والتي لم تنصف الضحية شكل تدخل مصالح الدولة الوحيد، والحال أن عبء رعاية الأشخاص في وضعية هاشة بشكل عام، وذوي الإعاقة بشكل خاص يقع على مسؤولية الدولة. وتشهد واقعة حياة على حجم المأساة التي تعيشها الأسر الفقيرة العاجزة عن إعالة نفسها حين تجد نفسها مجبرة على تحمل ثقل الاعتناء بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
حين تسحق بنية مجتمع رأسمالي ذكوري كرامة نساء في وضعية هشاشة.
تبقى مأساة حياة وحالات اغتصاب كثيرة سبقتها مرآة كاشفة لأشكال العنف والقهر المتربصة بحياة النساء، خاصة من يعشن حياة الفقر والعوز. تصادر السياسات الاجتماعية والاقتصادية الظالمة التي تنهجها الدولة كرامة وحقوق أقسام واسعة من الشعب المغربي والذي تنتمي له “حياة” جغرافيا وطبقيا واجتماعيا. وكشف انفجار حادثة الاغتصاب المروعة الشروط الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي تعيشها “حياة”. غير أن هذا الوضع تتقاسمه أعداد كبيرة من النساء يعشن الفقر والهشاشة وذوات إعاقة. وتعاني هذه الفئة من النساء بمعية أسرهن في صمت. ويعرضهن وضعهن الخاص لأبشع أشكال الاستغلال الجنسي.
يقتصر تدخل الدولة في الغالب على الحل العقابي عندما تطفو إلى السطح اعتداءات جنسية شنيعة في حق النساء والقاصرين، وتقوم سياستها على معالجة نتائج العنف وليس الأسباب البنيوية التي تعيد انتاجه. وتختزله قوانينها في مجرد أفعال يقوم بها أفراد وجب سجنهم وتغريمهم ماليا. ومقابل جسامة عواقب الاغتصاب لا تكلف الدولة نفسها عناء إنشاء مؤسسات عمومية مجانية مجهزة بوحدات طبية تتكفل بالضحايا وتقدم لهم كل أنواع المرافقة والدعم النفسي.
يفاقم فقر وهشاشة النساء في مجتمع رأسمالي ذكوري، خصوصا بالمناطق النائية، مخاطر تعرضهن للعنف الجنسي والجسدي والنفسي. ولا يمكن فصل جرم الاغتصاب الشنيع الذي اقترفه أربعة أشخاص في حق حياة عن البنية الاجتماعية والاقتصادية التي سلبتها حقها في حياة عادلة وآمنة.
بقلم: قدس