تعاني النساء العاملات في ظل النظام الرأسمالي، وبشكل أشد في البلدان التابعة، أوضاعا متأصلة من الهشاشة والاستغلال الطبقي المزدوج. إن بنية المجتمع البرجوازي، المبنية على استغلال العمال والعاملات لمراكمة الربح، تولّد علاقات إنتاج تكرس ثقافة تحطّ من قيمة عمل النساء وتُكبّلهن بأشكال من القهر المزدوج: قهرٍ رأسمالي مبني على استنزاف قوتهن العاملة، وقهرٍ ذكوري داخل بيئة الشغل والنضال وفي المجتمع بأسره، وأساسا الأسرة. ويقوم على حصر مهامهن في رعاية افراد الأسرة. ومن هنا ينبع مصدر الميز تجاه النساء، ومختلف تجليات قهرهن، بدءا العنف الجنسي اتجاههن، وضرب حقوقهن الأساسية في المساواة الكاملة. هذه الحقيقة لا تُفهم كقضية أخلاقية أو إنسانية مجردة بل كتعبير عن تناقضات نظام استغلالي إسقاطه ضرورة لتحرير كل العمال والعمالات، وكمقدمة لبدء سيرورة القضاء على كل أشكال الميز ضد النساء.
تترافق نسونة تشغيل النساء، أي الاعتماد بكثافة على اليد العاملة النسائية في بعض القطاعات، مع استغلالهن الكثيف، حيث يتحمّلن أثقال الميز في الأجور وتدنى قيمتها خاصة بالقطاع الخاص، مقابل ساعات العمل الطويلة، وهشاشة الشغل بفعل عقود العمل المحددة المدة، ، وغياب شروط السلامة والصحة المهنية، إضافة إلى غياب الحضانات في أمكان العمل وعدم التعويض عنها والافتقار للحضانات العمومية، وعدم توفير وسائل نقل امنة من وإلى مكان العمل…الخ. إن الميل لتشغيل النساء، لا يفضي إلى مراجعة دورهن داخل الأسرة. إذ أن معدل البطالة في صفوفهن لازال مرتفعا جدا مقارنة بالذكور. فنسبة النساء العاملات لا زالت تقل عن 20%. وهكذا نرى أن العمال الذكور يشكلون الأغلبية الساحقة من اليد العاملة المُشتغلة(أزيد من 80%)، في حين أن الأغلبية الساحقة من النساء محصورات في مهام الرعاية المنزلية(أزيد من 80%).
أما بالنسبة للنساء العاملات، فإن ثقل العمل المنزلي غير المدفوع الأجر يضاعف أعبائهن اليومية. كل ذلك يجعل النساء العاملات هدفاً مزدوج الاستغلال: استغلال طبقي من قبل الرأسمال واستغلال جنسي/اجتماعي داخل علاقات السيطرة الذكورية.
واقع النساء داخل النقابة
يعكس واقع النساء العاملات المتسم بالاستغلال والاضطهاد المزدوج حال الحركة النقابية المغربية. لا تمثل النقابات الا جزءا ضئيلا من مجموع الطبقة العاملة المغربية وقاعدتها الرئيسية من شغيلة القطاع والمؤسسات العمومية، والأخيرة تستفيد من ظروف ومكاسب أفضل مقارنة بأوضاع عمال وعاملات معظم شركات القطاع الخاص. ورغم الارتفاع المتزايد من أعداد النساء العاملات، لدرجة أن قطاعات سائرة لتكون بغلبة نسائية متصاعدة، كالصحة والتعليم وبعض مهن تركيب السيارات…الخ، فأن المنظمات النقابية متخلفة عن ترجمة هذه التحولات النوعية الى تغيير عميق في آلياتها التنظيمية وبلورة مطالبها وطرق اشتغالهابتعزيز حضور النساء النقابيات وتحويل المنظمات النقابية الى منابر لصالح النساء عموما. ليحدث ذلك لابد من تقويض واع لمنظورات غير ديمقراطية داخل النقابات، لا تحفز مشاركة النساء، إن لم تقصيهن، لاسيما إن تعلق الأمر بالتمثيل داخل الهياكل.
وهكذا، تواجه النساء في النقابات العمالية عدة تحديات تعيق مشاركتهن الفعالة في العمل النقابي. من أبرزها نقص التمثيلية النسائية في المناصب القيادية واللجان النقابية، مما يؤثر سلبًا على قدرتهن على التأثير في صنع القرار. بالإضافة إلى ذلك، تعاني النساء من ضغوط ثقافية تفرض عليهن تصورات تقليدية حول دورهن، مما يحد من انخراطهن الفعّال. كما أن الأمية ونقص الوعي بحقوقهن النقابية يشكلان عقبة رئيسية، حيث تؤثران على قدرتهن على المشاركة بفعالية. علاوة على ذلك، تتعرض بعض النساء النقابيات للتمييز والإقصاء في بيئة العمل النقابي، مما يزيد من صعوبة وصولهن إلى المسؤوليات القيادية.
لا يكمن هذا الوضع في تقاعس النساء أو ضمور نضاليتهن، بل في بنية النقابات الميّالة للذكورية. فما يكبح فعلهن يتمثل في عدم مراعاة شروط النساء في المجتمع، ودورهن في اعادة الانتاج الاجتماعي، اذ تعقد اجتماعات مارطونية لا تقوى النساء عليها، أو في مواقيت لا تراعي خصوصيتهن كأمهات أو ذوات مسؤوليات أسرية. وهذا ما يتطلب سنّ اجراءات تمييز ايجابي لفائدتهن في كل القرارات وتولى المهام والمسؤوليات.
صعوبة وصول النساء لمراكز المسؤولية في النقابات
تظل قيادة النقابات بالمغرب، مركزيا وجهويا ومحليا وفي الفروع، غالبا حكراً على الرجال، مما يجعل وصول النساء إلى مراكز المسؤولية أمراً صعباً. تاريخياً، كانت المسؤوليات القيادية تقتصر على الرجال، مما يخلق تحديات كبيرة في تقاسم المسؤولية اليوم. فرغم ازدياد أعداد النساء العاملات والتقدم الذي أحرزه النضال النسائي في الحركات السياسية والجمعوية، لا تزال الذهنيات بحاجة إلى تغيير لضمان المساواة الفعلية. علاوة على ذلك، تعاني النساء من تردد وخوف من التنافس على المناصب القيادية، مما يسهم في عدم وصولهن لمواقع القرار. لذا، يجب تعزيز ثقة النساء النقابيات بأنفسهن كقوة للتغيير، ومواصلة النضال من أجل تحقيق تمثيلهن في القيادات النقابية.
إن قلة نسبة وصول النساء لمراكز القيادة في النقابات يُعتبر وجها من أوجه السيطرة الذكورية مرتبطا بالثقافة السائدة في المجتمع وهو تمييز جندري يعكس التحديات القائمة أمام المساواة بين الجنسين. لهذا فالحركة النقابية الديمقراطية مستحيلة دون خوض معركة إزالة كل العوائق الثقافية والاجتماعية التي تمنع النساء من الوصول إلى المراكز القيادية والمسؤولية
ليس الهدف الاستجابة لمعايير التمثيل الشكلي للنساء كتماثيل لاخفاء تحكم ذكوري واستشراء ثقافة معادية لحقوق النساء العاملات، حتى في صفوف رفاقهن النقابيين الذكور، بل الغاية تحولا شاملا وتثقيفا دائما بالمساواة، وتدليلا واعيا للعقبات امام العاملات المناضلات اللائي يوجدن في مقدمة النضال النقابي
فبناء حركة نقابية تتبنى منظورا تحرريا نسويا، وتحرص على اعطاء المثال على صدق أقوالها لا يأتى تلقاءيا ووفق خط تراكمي، بل هو قلب المعركة لأجل بناء نقابة جماهرية ديمقراطية نقابة صراع ضد الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد الذكوري للنساء.
انخراط النساء في العمل النقابي
يشكل انخراط النساء بكثافة في العمل النقابي تحولا جذريا في ميزان الصراع الطبقي داخل المجتمع الرأسمالي برمته، حيث لا تنفصل قضية تحرر المرأة عن شروط الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي الذي تعانيه الطبقة العاملة عمومًا. ومن هذا المنظور، فإن تحليل موقع النساء داخل الحركة النقابية بالمغرب يقتضي ربطه بالبنية الطبقية وبآليات إعادة إنتاج الهيمنة الرأسمالية.
لقد كشفت التجارب النضالية للنساء العاملات، خاصة في قطاعي النسيج والفلاحة، عن إرهاصات وعي بطبيعة هذا الاستغلال، حيث قادت النساء معارك بطولية ضد الباطرونا وضد ظروف العمل القاسية، ولنا من الشواهد ما يكفي خاصة حاليا في معارك سيكوميك مكناس والعاملات الزراعيات بسهل شتوكة وعاملات نماطكس NAMATEX، علاوة على ما راكمته نساء التعليم والصحة. غير أن هذه النضالات غالبًا ما اصطدمت بتحالف موضوعي بين الرأسمال والسلطة، بل وأحيانًا مع الأجهزة النقابية نفسها، التي تسعى إلى كبح النضالات بدل تطويرها. إن غياب الديمقراطية النقابية ينزل بثقله ليخنق النضالات العمالية، فتؤدى الى نزيف القاعدة العمالية خارج التنظيمات النقابية، وتتقلص قاعدتها وتفقد مصداقيتها وتقوى التوجس انعدام الثقة واستشراء السلبية.
أن ضعف تمثيلية النساء داخل الأجهزة النقابية يعكس، في العمق، اختلال ميزان القوى داخل التنظيمات العمالية، حيث يتم إقصاء القضايا الخاصة بالنساء أو تهميشها، باعتبارها قضايا “ثانوية”، في حين أنها في الحقيقة جزء لا يتجزأ من الصراع. فالمطالبة بالمساواة في الأجور، والحماية الاجتماعية، وظروف العمل اللائقة، وزيادة العطل المؤدى عنها (الولادة والرضاعة) وانتزاع أخرى (العادة الشهرية) ورخص الرضاعة.. الخ كلها مطالب ذات بعد طبقي ونسوي في الآن ذاته.
أي آفاق للعمل النقابي وسط النساء
إن أزمة التمثيلية النسائية داخل التنظيمات النقابية ليست مجرد خلل تنظيمي أو ضعف في آليات الإدماج، بل هي انعكاس مباشر للبنية الطبقية ولعلاقات الهيمنة التي يعيد النظام الرأسمالي إنتاجها داخل المجتمع، بما في ذلك داخل مؤسسات يفترض أنها تمثل الطبقة العاملة. فالأجهزة النقابية، حين تنفصل عن القاعدة العمالية، تعيد إنتاج أشكال الإقصاء والتهميش نفسها التي تمارسها البنية الرأسمالية، مما يجعل النساء العاملات في موقع مزدوج من الاستغلال. لتجاوز هذا الواقع لا يمكن أن يتم عبر إصلاحات شكلية أو إجراءات تجميلية تقتصر على رفع نسب المشاركة النسائية داخل الأجهزة النقابية، بل يقتضي بناء وعي طبقي نقدي لديهن.
وفي هذا الإطار، يصبح النضال من أجل دمقرطة النقابات، وبث الحياة داخلها ، وعمل تثقيفي ورفع الوعي في صفوف الشغيلة، وتوسيع مشاركة النساء في مواقع القرار، جزءًا من الصراع الطبقي العام، وليس قضية فئوية معزولة. كما أن تفعيل اللجان النسائية، وتكوين القيادات النقابية النسائية، وتبني مقررات دقيقة للميز الايجابي لفائدة النساء النقابيات ومدونة سلوك نقابية لحمايتهن من التحرش الجنسي وتدقيق مسطرة التبليغ والتقصي داخل المنظمات النقابية، من شأنه أن يضع لبنات لنقابة ديمقراطية تولي البعد النسوي ما يستحقه من مكانة في معركة تحرر العمال والعاملات.
إن تحرر النساء العاملات لا يمكن فصله عن الصراع ضد الرأسمالية، باعتبارها نظامًا قائمًا على الاستغلال وإعادة إنتاج اللامساواة. ومن ثم، فإن تعزيز انخراط النساء في العمل النقابي ليس فقط مسألة إنصاف، بل هو شرط أساسي لتقوية الحركة العمالية وتطوير قدرتها على مواجهة الرأسمال وبناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة. فالتوجه الى النساء والشباب هو السبيل لإحياء الديمقراطية بالنقابات المُبقرطة.
بقلم: ماسين