الموقع تجريبي

قضاء التعليمات وعدالة الأغنياء تحكم على معتقلي دوار أولاد الرامي

عرت مجددا قضية ساكنة أولاد الرامي؛ بجماعة سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة؛ عن وجه “العدالة المغربية” التي ترتدي ثوبا واحدا لا يتغير، ثوب الأغنياء وأصحاب المصالح والنفوذ. وقفت المحكمة الابتدائية بقلعة السراغنة لتعلن حكما جاهزا على خمسة معتقلين من المشاركين في احتجاج ساكنة دوار أولاد الرامي،… حكما لم يسمع فيه القاضي لصوت “الحق” ولا لدفوعات المحامين التي كانت كفيلة وحدها بأن تقلب الموازين.

 

فقد حكمت المحكمة على كل واحد من الخمسة معتقلين بسنة واحدة  حبساً نافذا وغرامة ألفي  درهم، إضافة إلى تعويض مدني للدولة المغربية في شخص رئيس الحكومة قدره  خمسة وعشرون ألف درهم، مقابل خمسة آلاف كتعويض لشركة “ميارة بريكا” صاحبة مقلع تكسير الأحجار ونفس المبلغ لباقي المطالبين بالحق المدني.

يرمي إصدار حكم في غاية القسوة على رموز هذه الحركة الاحتجاجية كسر شوكة المقاومة لدى سكان دوار أولاد الرامي، وكل دواوير جماعة أولاد عيسى، إن لم يكن بكامل جماعات إقليم السراغنة. صدور هذا الحكم تكملة للقمع الذي واجهت بها السلطة القمعية السكان عندما قرروا تنظيم أنفسهم وخوض النضال للدفاع عن مصالحهم الحيوية في العيش بكرامة وفي بيئة سليمة.

لقد كشفت أطوار هذه المحاكمة عن الطابع غير العادل لهذا الحكم الظالم. فالمحكمة لم تأخذ بعين الاعتبار أن المحامين قد أثاروا دفعا قانونيا لا يقبل الجدل، يتمثل في مُطالبتهم بسحب محاضر المُطالبين بالحق المدني، وهم ليسوا سوى أفراد القوات العمومية نفسها الذين أعدوا تلك المحاضر وجعلوا أنفسهم فيها ضحايا. فكيف يمكن لطرف أعد المحضر أن يكون في آن واحد الضحية فيه؟ إنه تناقض صارخ مع مبادئ المحاكمة العادلة التي تكفلها المواثيق الدولية.

أضف لذلك أن المحامين قدموا أدلة قاطعة على أن المتهمين لم يكونوا حاضرين أثناء لحظات العنف المزعومة. إذا أن ثلاثة من المعتقلين كانوا قد اعتقلوا قبل اندلاع المواجهات . وقد أكدوا جميعهم أمام المحكمة غيابهم خلال الأحداث. أما المحكوم عليه الرابع والمتابع في حالة سراح(أستاذ مُدرس) ، فقد أدلى بشهادة حضور لاجتياز امتحانات الماستر بجامعة مراكش، وأثبت أنه لم يكن حتى في المنطقة زمن وقوع الأحداث.

لقد أصرت هيئة المحكمة على تجاهل جميع الأدلة التي تبرئ المعتقلين، وكأنها لم تكن، وكأن مبدأ “البينة على من ادعى” أصبح معكوسا في هذه البلاد، بحيث أصبح عبء إثبات البراءة يقع على المتهم، وليس أن عبء إثبات الإدانة على النيابة العامة.

لم يكتف دفاع المعتقلين بتفنيد التهم، بل رافع عن ساكنة دوار أولاد الرامي التي ليست ضد الاستثمار في حد ذاته. فهي تريد الاستثمار الذي يراعي خصوصية منطقتها والذي يكفل لها العيش الكريم. لكنها ترفض هذا النوع من الاستثمار القاتل، مقلع تكسير الأحجار الذي سيحول حياتهم إلى جحيم من الغبار والضوضاء والأمراض التنفسية، والذي سيدمر زراعتهم وأشجارهم ويهدد وجودهم في دوارهم الذي ولدوا فيه هم وآباؤهم وأجدادهم.

لقد طالب المحامين القضاة ووكيل الملك وجميع الحاضرين بأن يضعوا أنفسهم مكان هذه الساكنة، وسألوهم بصراحة: هل يمكن لأي واحد منكم أن يقبل أن يسكن بجانب مقلع تكسير الأحجار؟ وكان الجواب الذي يعرفه الجميع، لا، لن يقبل أحدكم. فلماذا تطلبون من هؤلاء الفقراء ما لا تقبلونه لأنفسكم؟

خرجت الساكنة تحتج بشكل سلمي رافضة إقامة المقلع القريب من المدرسة، فكان جزاؤهم اعتقال خمسة من أبناء الدوار والحكم عليهم ظلما بسنة حبسا نافذا وغرامات مالية مدمرة.

منذ بداية الحركة الاحتجاجية للسكان كان الملف جاهزا والأحكام جاهزة. رافع فيها وكيل الملك لصالح الدولة، وطالب فيها بأقصى العقوبات، وطالب بأن هذه المحكمة ليست محكمة اجتماعية وإنما محكمة زجرية ردعية عقابية. يا له من إعلان رسمي من ممثل النيابة العامة بأن العدالة في المغرب قد تخلت عن بعدها الإنساني والاجتماعي، وأصبحت مجرد آلة للردع والعقاب في خدمة أصحاب رؤوس الأموال. وهو ما رد عليه المحامون بأن القاضي لا يمكن أن يسحب منه البعد الإنساني والاجتماعي، وإلا لما كان هناك مكان لظروف التخفيف، ولما كان القانون نفسه يعترف بأن العدالة ليست سيفاً يقطع بل ميزاناً يزن الظروف والأحوال.

لكن الرد كان حكما جاهزا منذ البداية، فالملف كان جاهزا، والأحكام كانت جاهزة، ولم يبق سوى جلسة شكلية للنطق بما كتب خارج قاعة المحكمة، في مكاتب قضاء التعليمات الذي يرفض أن يرى في الفقراء والمحتجين ومنظمي الاحتجاجات إلا مجرمين، وفي احتجاجهم على المخاطر المحدقة بهم إلا شغبا يجب قمعه، وفي مطالبهم العادلة بالبيئة السليمة والحياة الكريمة إلا جناية تستوجب السجن والغرامة.

إن هذه القضية هي نموذج مأساوي لعدالة الأغنياء التي تحمي مصالح الفاسدين أصحاب النفوذ وأرباح شركة مقالع تكسير الأحجار على حساب صحة الأطفال في المدرسة القريبة، وحياة ساكنة بأكملها تواجه الموت البطيء بالغبار والحجارة.

 

بقلم: صامد جلال

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟