الموقع تجريبي

تحالف السلطة ورأس المال في قلعة السراغنة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جريمة

سكان دوار أولاد الرامي يواجهون آلة القمع دفاعًا عن بيئتهم وحياتهم

 

في دوار أولاد الرامي بجماعة سيدي عيسى بن سليمان، بإقليم قلعة السراغنة، لم يكن يوم 24 مارس 2026 كغيره من الأيام. تصاعد الغبار هذه المرة ليس من تكسير الحجارة، بل من قوات عمومية مدججة اقتحمت الدوار، سخّرتها الدولة لخدمة برلماني ينهب ثروات المنطقة تحت غطاء “الاستثمار”، بينما يدافع السكان الكادحون عن أرضهم ومنازلهم ومدرستهم وآبارهم وصحتهم وحياتهم وثروات منطقتهم التي تنهب. المشهد، في فظاعته، ليس حالة معزولة، بل هو نموذج مكتمل لتحالف مكشوف بين السلطة ورأس المال، حيث تلتقي مصالح النافذين مع أجهزة القمع لتسحق كل صوت يدافع عن حق مشروع في العيش بكرامة.

 

من الاحتجاج السلمي إلى القمع الممنهج: سيناريو مدبر لتبرير العنف والاعتقال

لم يكن رفض الساكنة وليد اللحظة. فمنذ أكثر من عامين، خرج الأهالي في وقفات سلمية متتالية أمام عمالة قلعة السراغنة وسرية الدرك الملكي، وقدموا عرائض إلى وزير الداخلية تضم أكثر من 300 توقيع، تفضح بالدليل والبرهان مخاطر المقلع على صحة أطفالهم ومزارعهم ومواردهم المائية. كانت الاحتجاجات سلمية بامتياز، يعبرون فيها بحناجرهم وحدها عن حقهم المشروع في العيش بكرامة. لكن الأصوات لم تُسمع، والعرائض لم تُستجب، لأن “التنمية” التي يروج لها تجار الانتخابات لا مكان فيها لصغار الفلاحين.

وجاء يوم 24 مارس لتقتحم القوات العمومية المنطقة، بترسانة قمعية ضخمة من القيادة الجهوية بمراكش وسرية قلعة السراغنة، لتنفذ حكمًا قضائيًا بفتح الطريق بالقوة. هنا تبرز المفارقة الكبرى: الأرض موضوع النزاع هي ملكيات خاصة تعود لعدة فلاحين صغار بالمنطقة، ولم تكن هناك طريق عمومية في الأصل. هذا ما يجعل تنفيذ الحكم القضائي محل اعتراض واسع من طرف الساكنة والملاك المتضررين الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا لهذا القرار. بل إن الساكنة تشكك في الشهادات التي بُني عليها الحكم، لتؤكد أن العدالة سُخّرت لخدمة المستثمر على حساب صغار الفلاحين.*

هنا تحول الاحتجاج السلمي إلى مواجهات. الساكنة التي كانت تحتج بالكلمة فقط، فوجئت باقتحام قوات ضخمة لمنطقتها. لم يجدوا أمام آلة القمع إلا الدفاع المشروع عن أنفسهم وعن أرضهم، بعد أن أغلق كل سبيل سلمي. فاضطروا إلى استعمال الحجارة دفاعًا عن الحياة، بينما كان رد السلطات بقمع أعمى وبرصاصة أطلقت في الهواء لتفريق المتظاهرين ،وهناك العديد من الاصابات في صفوف الساكنة  من بينهم إصابة ثلاثة نساء احداهن حامل تعرضت للتعنيف وتم نقلهما للمستشفى وكادت أنت تفقد جنينها بسبب تداعيات التعنيف الذي تعرضت له،

الثانية تم ضربها وفقدت اسنانها بالكامل وقامت بعملية كلفت 7000 درهم ،والثالثة اصيبت في رأسها

لم يبادر المحتجون-ات من طرفهم بالعنف ، عكس ذلك كان التدخل القمعي هدفه ايجاد الذريعة لحملة اعتقالات ومتابعات وترهيب المواطنين أصحاب الحق وتمرير مشروع المقلع غصبا. إنه السيناريو المألوف: دولة تتغاضى عن نهب الثروات لسنوات، ولا تتحرك إلا حين يحاول السكان الدفاع عن أنفسهم. وعندها تسخر كل ترسانتها القمعية لتقول إنها “تطبق القانون”. غير أن السؤال الذي يفضح هذه اللعبة: أي قانون هذا الذي يحمي مستثمرًا ويقمع مئات السكان المدافعين عن بيئتهم؟ أي عدالة هذه التي تترك الفاسدين في منأى وتعتقل الضحايا؟

 

ثلاث صفات في رجل واحد.. وتحالف مكشوف ضد الساكنة

المقلع الذي تسعى السلطات لفتح الطريق إليه ليس مجرد مشروع استثماري عادي. صاحبه برلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي، وهو رئيس لمجلس بلدي ، ومحامٍ بهيئة مراكش. ثلاث صفات في رجل واحد:

  • منتخب يفترض فيه الدفاع عن المواطن والاستماع إلى مشاكله.
  • رئيس جماعة منوط به التنمية المحلية وتوفير المرافق الأساسية للسكان.
  • محامٍ يدرك القانون جيدًا ويعرف حدود الحقوق والواجبات.

لكن هذه الصفات الثلاث تحولت إلى أدوات لنهب ثروات المنطقة وإخضاع السكان الكادحين. هذا التحالف بين النفوذ البرلماني والسلطة المحلية والمال، يسنده جهاز الدولة بكل ترسانته القمعية، هو الذي يقف وراء تحويل حق سكان دوار أولاد الرامي في الدفاع عن بيئتهم إلى “قضية شغب” يُعتقل على إثرها ثلاثة من الساكنة، بينما يبقى صاحب المشروع والمسؤولون الذين تسببوا في الأزمة في منأى عن المساءلة.

إنها صورة مكتملة لـ «تحالف السلطة ورأس المال”: طرفه الأول رجل أعمال ذو نفوذ سياسي، وطرفه الثاني أجهزة الدولة التي تضع إمكانياتها القمعية في خدمته، وطرفه الثالث قضاء يُسخَّر لتمرير المشروع وإضفاء الشرعية على القمع. في مواجهة هذا التحالف، يقف سكان كادحون لا يملكون سوى حجارتهم وأصواتهم وإرادتهم في الحياة.

 

مغاديش يدوزو الطريق واخا نموتو على بلادنا وعلى ولادنا”: شعار لا يموت

في خضم المواجهات، رفع أهالي سيدي عيسى بن سليمان شعارًا ليس مجرد كلمات عابرة، بل تعبير عن إرادة الحياة رغم كل شيء: “مغاديش يدوزو الطريق واخا نموتو على بلادنا وعلى ولادنا”. إنهم يدركون أن فتح الطريق للمقلع يعني انتهاء حياتهم الهادئة، وتحول منطقتهم إلى منطقة صناعية تعمل فيها الشاحنات الضخمة وآلات التكسير العملاقة طوال اليوم، مع ما يصاحب ذلك من صخب وتلوث سمعي، وغبار كثيف يتساقط على المنازل والمدرسة والمزروعات، وأمراض تنفسية تنتظر الأطفال وكبار السن.

هذا الغبار، الذي سيغطي فصول مدرسة لا تبعد سوى 300 متر عن موقع المقلع، ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو سم بطيء يتنفسه الأطفال طوال سنوات دراستهم. إن الساكنة لا تحتج ضد الاستثمار، بل ضد نموذج “تنموي” يقتلهم ببطء، ويجعل من أرضهم مقلعًا، ومن هوائهم غبارًا، ومن مائهم سرابًا.

 

البيئة تستغيث والماء يجف: الاستنزاف المنظم لثروات المنطقة

ليست الصحة وحدها هي الضحية. فالشركة المستغلة للمقلع ستستنزف الفرشة المائية عبر آبار عمقيقة تستخدمها لغسل الرمال والأحجار. والسكان سيتأثرون من جفاف آبارهم التقليدية، ومعاناتهم اليومية في الحصول على الماء الشروب، بينما يُهدر الماء في خدمة مشروع ينهب ثرواتهم.

إضافة إلى ذلك، خطر أن تؤدي الأشغال العشوائية إلى انحراف المسار الطبيعي للوادي، وانجراف التربة الخصبة، وتهديد الأراضي الزراعية والمئات بل الآلاف من أشجار الزيتون التي تشكل مصدر رزق الساكنة الوحيد. إنها صورة مأساوية لمشروع لا يترك للسكان لا ماءً، ولا هواءً، ولا أرضًا صالحة للزراعة. هذا هو “الاستثمار” في نظر تجار الانتخابات: نهب منظم لكل مقومات الحياة.

 

تجار الانتخابات في قلعة السراغنة: تنمية الثروات الخاصة تحت غطاء الشعارات البراقة

على بعد خطوات من هذا الدمار، يتحدث تجار الانتخابات في إقليم قلعة السراغنة، وفي المغرب عمومًا، عن التنمية بأعلى أصواتهم. يغدقون الوعود، ويكثرون من الشعارات البراقة، ويتحدثون عن “الدولة الاجتماعية” و”تقليص الفوارق”. لكن القصد الحقيقي هو تنمية ثرواتهم الشخصية عبر نهب منظم ترعاه أجهزة الدولة.

الفساد المستشري في المنطقة ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نظام متكامل: رشوة متاحة تقدم للأدوات الانتخابية الفاسدة ــ أحزابًا ورجال أعمال ــ من قبل نظام هو رأس الفساد وراعيه. أليس من المفارقة أن طرقات المنطقة تعاني من العزلة والفقر والتهميش والعطش، بينما تُسخَّر كل إمكانيات الدولة ــ من قوات مساعدة ودرك ملكي ومعدات ثقيلة ــ لفتح طريق لمقلع هذا الرأسمالي وحماية مصالحه؟ هذه هي “التنمية” التي يقدمها تجار الانتخابات: تنمية مصالحهم على حساب دماء السكان ومستقبل أطفالهم.

 

قمع ممنهج واعتقال المدافعين عن الأرض.. والجناة في منأى

في مواجهات 24 مارس 2026، واجهت القوات العمومية سكانًا لا يملكون سوى حناجرهم لإسماع صوتهم. كانوا يحتجون بشكل سلمي، لكن بعد تعرضهم للقمع اضطروا للدفاع المشروع عن أنفسهم. سقطت إصابات متفاوتة بين الطرفين، وأطلقت قوة عمومية رصاصة في الهواء لتفريق المتظاهرين. لكن السؤال الذي لا يُطرح في الرواية الرسمية: لماذا اقتصرت الاعتقالات على ثلاثة من الساكنة، بينما بقي صاحب المشروع والمسؤولون الذين تسببوا في الأزمة من الأساس في منأى عن المساءلة؟

بدلًا من ذلك، أوقفت السلطات ثلاثة أشخاص من الساكنة، وفتحت النيابة العامة تحقيقًا يركز على “عنف المحتجين” دون البحث في أسباب احتجاجهم. هذه هي العدالة النموذجية في مناطق الفقر: معاقبة الضحية وتغليظ العقوبة على من يدافع عن حقه بالوسائل المتاحة. إنها رسالة واضحة لكل مواطن يحاول الدفاع عن بيئته: إذا تكلمت سنسكتك، وإذا احتججت سنقمعك، وإذا دافعت عن أرضك سنعتقلك.

 

النهب المكشوف وصمت الدولة.. والمقاومة مستمرة

ستظل مظاهر النهب في سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة فاضحة للمفارقة الصارخة بين ثروة المنطقة الطبيعية وواقعها المزري من فقر وتهميش ومرض. المقلع سينهب ثروات المنطقة، ونصيب الساكنة سيبقى الفقر المستشري، والخصاص المهول في المرافق الاجتماعية، وتردي البنيات التحتية. البيئة تستغيث يوميًا فلا تجد مغيثًا، والساكنة ترفع شعاراتها ولا تجد من يسمع.

لكن أكيد أن هذه المقاومة المشروعة لن تتوقف، لأنها دفاع عن الأرض والعرض والماء والهواء. السكان الكادحون في سيدي عيسى بن سليمان يعرفون أنهم يواجهون تحالفًا قويًا بين السلطة ورأس المال، لكنهم يعرفون أيضًا أن حقهم في الحياة أقوى من أي ترسانة قمعية، وأعلى من أي حكم قضائي يُسخَّر لخدمة مستثمر على حساب سلامتهم.

ستبقى مقاومة سيدي عيسى بن سليمان شاهدة على أن تحالف السلطة والمال، مهما بلغت قوته، لا يمكنه أن يسحق إرادة شعب قرر أن يحمي بيته وأطفاله بأي ثمن. وستبقى حجارتهم التي دافعوا بها عن أنفسهم في وجه القمع شاهدًا على أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأرض لمن يحميها، وأن النهب مهما تنكر بثياب القانون، سيبقى مكشوفًا أمام عيون الجميع.

هذه الوقائع التي تعيشها ساكنة دوار أولاد الرامي بجماعة سيدي عيسى بن سليمان ليست حالة معزولة، بل هي نموذج لما يحدث في عموم جماعات إقليم قلعة السراغنة ومناطق كثيرة من المغرب حيث تلتقي مصالح النافذين مع أجهزة الدولة لتكريس الفقر والنهب باسم “التنمية”. إنها دعوة مفتوحة لكل من يؤمنون بالعدالة الاجتماعية والكرامة والمواطنة الحقيقية، أن ينحازوا إلى جانب السكان الكادحين وقضيتهم الطبقية ضد الاستغلال والظلم، والوقوف إلى جانب سكان لا يطلبون إلا حقهم المشروع في العيش بكرامة على أرض أجدادهم، والعمل على تحفيز النضال على الملفات المحلية والتصدي لجذور النهب والفساد وطنيًا.

 

 بقلم:صامد جلال

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟