الموقع تجريبي

انتفاضة الشعب الإيراني ونفاق الإمبرياليين المتربصين

يعود الشعب الإيراني مجددًا إلى الانتفاضة ضد النظام الديكتاتوري لرجال الدين الحاكم. اندلعت مظاهرات حاشدة في 28 ديسمبر 2025 في طهران احتجاجًا على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، والتي تحولت لاحقًا إلى احتجاجات عارمة عمت قرابة 170 نقطة احتجاج و40 مدينة في 25 من أصل 31 محافظة، خصوصًا في المناطق الكردية. صحيح أن الاحتجاجات الأخيرة لم تبلغ بعد من القوة الجماهيرية ما بلغته الانتفاضات المتتالية في السنوات الأخيرة، لكنها تتميز عن سابقتها بانخراط التجار (البازار) في الإضراب والتحامهم بالشباب والطلاب والنساء الذين واجهوا سلطات القمع، مما كلفهم ثمنًا باهظًا. وبطبيعة المطالب التي طغى عليها بعد سياسي صريح، فإنها لم تقتصر على النضال ضد غلاء الأسعار وندرة المواد وتفاقم التضخم وانهيار العملة الوطنية أمام العملات العالمية.

دخلت الاحتجاجات الشعبية أسبوعها الثاني، ووفق تقرير منظمة «إيران هيومن رايتس» يوم أمس الخميس، فإن قوات الأمن الإيرانية قتلت 45 متظاهرًا على الأقل، من بينهم ثمانية قاصرين، أثناء قمع الاحتجاجات باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي.

الجدور الموضوعية للانتفاضة المتواصلة للشعب الايراني

يعيش الشعب الإيراني تحت قبضة نظام ديكتاتوري يقوده رجال الدين، حيث يُعتبر المرشد الأعلى الحاكم الوحيد الذي لا ينتخبه الشعب ولا توجد سلطة فعلية تراقبه. إنه يحكم بتفويض سماوي، كما يليق بكل نظام ثيوقراطي، خلف مؤسسات ذات صلاحيات محدودة تتكون من رئيس منتخب وحكومة تدير الشؤون اليومية ومؤسسات برلمانية لمراقبة الحكومة والرئيس.

يمسك المرشد بأجهزة الدولة الرئيسية، مثل الحرس الثوري والقوات المسلحة وأجهزة الشرطة والمخابرات، بالإضافة إلى تشكيلات متعددة من الميليشيات لحماية النظام من الانتفاضات الشعبية. كما يتحكم في الركائز المالية والأنشطة الاقتصادية الكبرى عبر شركات عامة، خاصة في قطاع المحروقات، وفي قطاعات استراتيجية أخرى مثل التجارة الخارجية وصفقات البنية التحتية.

نتج عن الاستبداد الثيوقراطي فساد هائل ومفضوح يثير غضبًا شعبيًا عارمًا، حيث يعمل رجال الدين على إخفائه من خلال أبخرة التجييش الديني والطائفي ومبررات الأقدار الربانية، وبجهود تخبيل عقول الكادحين لجعلهم خاضعين للنظام الحاكم. تمتلك إيران ثروة كبيرة من المحروقات وتقع في منطقة جيواستراتيجية مهمة للمصالح الإمبريالية العالمية. كان النظام الشاهنشاهي الحاكم قبل ثورة 1979 مثالًا على العمالة للإمبريالية، وضامنًا لنهب ثروة الشعب الإيراني، وشرطيًا معتمدًا لدعم استقرار النفوذ الإقليمي، وجدارًا أمام توسع تأثيرات الثورة الروسية إلى قلب الشرق الأوسط. مقابل تلك الخدمات، دعمت الإمبريالية قبضته الشديدة على رقاب الشعب الإيراني وقمعت تطلعاته التحررية.

جاءت ثورة 1979 العميقة الجذور وأسقطت النظام الملكي، لكن رجال الدين بزعامة الخميني قطفوا ثمرة النصر وشنوا ثورة مضادة انتهت بتصفية الجناح الجذري والديمقراطي، وقمع التطلعات العمالية والشعبية، وإرساء نظام ثورة مضادة رجعي. لم يستمر هذا النظام إلا بإلهاء الشعب بحروب متتالية خارجية لخلق إجماع داخلي ضد العدو الخارجي، أو بجولات قمع رهيب لانتفاضات شعبية ما إن تخمد حتى تتحضر للانفجار مجددًا.

يواجه النظام الإيراني في السياق الحالي تضافر عدة أزمات معقدة: أزمة اقتصادية شديدة بسبب الحصار الإمبريالي، أزمة مالية ناتجة عن الأولى أدت إلى انهيار العملة، أزمة مناخية حادة تهدد محافظات عديدة بالعطش وبداية تداول إخلاء بعضها كالعاصمة طهران، أزمة قوميات مضطهدة في أطراف البلاد (البلوش، العرب، الأذريين، الكرد، إلخ)، وأزمة جيواستراتيجية بسبب الهزائم المتتالية التي تلقتها أذرع النظام في لبنان واليمن والعراق وفلسطين، والتهديد بتعرض البلاد لعدوان آخر صهيوني أمريكي.

تدفع تلك الأزمات القاسية الجماهير الإيرانية، التي تسدد فاتورة سياسات النظام الديكتاتوري، للتساؤل عن جدوى تضحيات هائلة لا تثمر انتصارات ولا تحسن من وضعها المعيشي، بل تؤدي إلى تبديد الأموال وإزهاق أرواح الأبناء. ما يضع النظام في قفص الاتهام وفي مرمى الغضب الشعبي المتفجر، حيث يكون الرصاص والمشانق في انتظاره.

الضباع الامبريالية تتحين الفرصة للانقضاض على النظام الايراني

 هناك إجماع إمبريالي ضد النظام الإيراني بسبب سعي الأخير لعقود لنيل اعتراف إمبريالي كقوة إقليمية لها نفوذها الخاص. إلا أن وجود قوى منافسة تحظى بثقة الإمبريالية، مثل إسرائيل بشكل أساسي، يقبر طموحات النظام الإيراني. تجد أسباب الخلاف الإيراني الإمبريالي تفسيرها في محاولات إيران المتكررة لاستعمال أوراق ضغط لاستعادة أدوارها الإقليمية التي كانت لها في العهد الشاهنشاهي، ولكن بصيغ تتناسب مع طبيعة النظام الحاكم في سياق جديد، وهو ما ترفضه الإمبريالية وتعمل من جانبها على إحباط تلك الجهود وإقبار أحلام النظام الإيراني.

إن ملف القضية الفلسطينية وتصدير الثورة والحملات المذهبية ليست سوى أوراق ضغط وأدوات ابتزاز أو مساومة لتحقيق الأهداف الإقليمية للنظام الديكتاتوري في طهران. وكل محاولات صبغ هذه الأهداف بألوان تقدمية أو تحريرية هي تجاهل للمصالح الطبقية التي يعبر عنها النظام الإيراني، ولطبيعته الديكتاتورية وأيديولوجيته الرجعية. إن ذلك لا يعدو كونه تزويرًا لتاريخه المضاد للثورة داخل بلده وامتداداته الإقليمية، كما يتضح من جرائمه في سوريا والعراق، وليس حصراً.

تستخدم الإمبريالية الغربية جرائم حقوق الإنسان المنتهكة فعليًا في إيران كوسيلة للضغط، لكن لا أحد يصدق نفاقها، وهي التي تدعم أنظمة مجاورة لإيران حولت بلدانها إلى سجون ضخمة للقهر وقمع شعوبها. كما أن دعمها المشين للجرائم الإسرائيلية في حرب غزة أسقط أقنعتها الزائفة وكشف دفاعها المنافق عن الإنسان وحقوقه. إنها تدافع عن مصالحها الطبقية، وما عدا ذلك مجرد ذرائع. تضغط الدول الإمبريالية ومؤسساتها الدولية على النظام الإيراني في عدة قضايا، مثل الملف النووي، وهي تمتلك ترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل، في حين أن حليفها الإسرائيلي ليس حتى عضوًا في منظمة منع انتشار الأسلحة النووية. كما تتهم إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بينما تملك هي قواعد عسكرية تطوق المنطقة بسفنها وغواصاتها وأقمارها الصناعية في كل مكان.

إن الهدف وراء الأباطيل الإمبريالية في تحرشها بالنظام الإيراني هو السيطرة على الثروات الطبيعية لإيران، وإجبارها على الخضوع للهندسة الإقليمية، والكف عن أي طموح إقليمي، وفتح سوقها الداخلي أمام الشركات الإمبريالية. أما طبيعتها الديكتاتورية داخليًا فلا ضرر منها، طالما أنها تؤمن بعدم اندلاع ثورة تحررية تحقق ما فشلت في تحقيقه ثورة 1979.

نحو وصل ما انقطع مع ثورة 1979

نجحت ثورة 1979 في إسقاط النظام الملكي العميل وإقامة الجمهورية، وبدأت في مصادرة الملكيات الكبيرة وضرب النفوذ الإمبريالي. لكن رجال الدين قاموا بثورة مضادة نجحت في تصفية الطلائع القائدة من خلال حملات أعدمت الآلاف من الشيوعيين والشيوعيات، والديمقراطيين والديمقراطيات، والنقابيين والنقابيات، والمناضلين والمناضلات، والطلاب والطالبات، والنسويات، والمثقفين الدينيين الأكثر جذرية. وقد أُرسيت ديكتاتورية دينية شديدة الرجعية، ظل الشعب الإيراني يقاومها باستمرار. وشهدنا في السنوات الأخيرة سلسلة متتالية من الانتفاضات، كان آخرها احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت بعد وفاة مهسا (جينا) أميني في سبتمبر 2022 بسبب انتهاكها قواعد الحجاب الإلزامي، حيث واجهها النظام الديكتاتوري بقمع قاسٍ واغتيال المئات. ورغم شراسة القمع، سرعان ما تنفجر انتفاضة أخرى لتلقى نفس المصير.

لا شك أن ما ينقص ليس عزيمة العمال والشباب والنساء وكادحي إيران، بل افتقارهم إلى تنظيمات عمالية وشعبية كأحزاب نضال ومنظمات جماهيرية. فالقمع الرهيب للحريات الديمقراطية لعقود طويلة يفسر الصعوبات التي يحاول الشعب الإيراني التغلب عليها لهزيمة نظام رجال الدين الديكتاتوري وقطع الطريق عن الذئاب الإمبريالية المتربصة وعلى الفلول الملكية الحالمة بالعودة إلى سدة الحكم في إيران من جديد. مستقبل إيران إما ثورة عمالية شعبية أو دوامة تفكك مريع. الشعوب العالمية تتضامن وتدعم الخيار الأول.

 

بقلم: أنور أحمد

 

 

 

 

 

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟