الموقع تجريبي

إيران: ما الذي تريده الولايات المتحدة؟

تحشد الولايات المتحدة الأمريكية قوة عسكرية ضاربة بالمنطقة المحيطة بإيران برا وبحرا وجوا، بأهداف معلنة  وهي : تجريد إيران من برنامجها النووي ببعديه العسكري والمدني، أو بأقله حصره في مستوى مدني متدني، تم الحد من مدى برنامجها الصاروخي الذي يشكل تهديدا على إسرائيل .  أخيرا  قطع  الدعم عن المجموعات المسلحة الموالية لإيران بالمنطقة.

المطروح أمام بورجوازية إيران هو أن تستسلم للولايات المتحدة وتنخرط في تنفيذ استراتيجيتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأشمل بالمنطقة والعالم. كل القوى بمنطقة الشرق الأوسط حليفة/ عميلة  للولايات المتحدة ومربوطة باتفاقيات عسكرية و أمنية وثيقة ، دول الخليج ومصر وتركيا العضو بحلف شمال الأطلسي، كلها مندرجة فيما تريده الولايات المتحدة.  تحتاج أمريكا  لوضع منطقة الشرق الأوسط تحت هيمنتها الواسعة،  وحشر في الهامش ما أمكن لخصومها ، روسيا والصين، ووفق مصالحها الإستراتيجية بالأساس.

تسير الولايات المتحدة بمساعدة جزء من الحركة الإسلامية السنية التي في السلطة أو في المعارضة، إلى وأد القضية الفلسطينية باعتبارها قلب المشروع التحرر  بالمنطقة، من خلال توسيع حدود الدولة الصهيونية بإقبار عملي لحل الدولتين في حدود  1967 وفق اعلانات الأمم المتحدة.  تصفية القضية الفلسطينية بما هي قضية تحرر ، لكل المنطقة الناطقة بالعربية، يشكل حجر الزاوية في الاستراتيجية الامبريالية منذ عقود. تدمير الأنظمة الحاكمة ذات الطابع القومي تباعا  في العراق وليبيا وسوريا، لم يكن لطابعها الديكتاتوري الأكيد بل لكونها كانت حجر عثرة أم المشروع الأمريكي إلى هذا الحد أو ذاك .

إيران ومحورها الحركة الإسلامية في “الهلال الشيعي” تشكل حجر عثرة في وجه المشروع الأمريكي، لأن البورجوازية الإيرانية لا تقبل الموقع المتدني الذي تخصصه لها الامبريالية، و تريد أن تكون ذات نفوذ مسلم به في محيطها و هذا النفوذ يصطدم بالإستراتيجية الأمريكية بالمنطقة منذ مدة. الامبريالية الأمريكية تريد السيطرة على السوق الإيراني وموارده والحد من نفوذ الصين وضرب استراتيجيتها بالمنطقة. الهيمنة الأمريكية على الممرات البحرية بالشرق الأوسط وعلى منابع النفط من خلال القوة العسكرية الضاربة، هو محاولة لوقف الانحدار الاقتصادي الأمريكي من خلال نهب شعوب المنطقة. وخاصة أن القوى الرأسمالية الأخرى ليس لها القوة العسكرية  لفعل ذلك أو تحدي نفوذ الولايات المتحد دون المخاطرة بحرب شاملة.

التراجع الأمريكي في أوكرانيا التي يلوح في الأفق، تجعل الولايات المتحدة تسعى لتعويض ذلك بسرعة قبل أن تكون روسيا قادرة على تحديها في أماكن أخرى و قبل أن تصبح الصين قوة عسكرية ونووية بنفس القوة الأمريكية.  وخاصة أن البورجوازيات الأخرى في الدول الكبرى والبيروقراطية الصينية لن تكون حزينة على التمثيل بالبورجوازية الإيرانية، مادامت ستحصل على منافع من السوق الإيراني.

لا تستطيع البورجوازية اليوم كما الأمس تحرير شعوبها من الهيمنة الامبريالية، وستكون دوما خاضعة لمنطق السوق الرأسمالي العالمي وقوانينه.  سيقول الشعب الإيراني وفي طليعته الطبقة العاملة كلمته  في اليوم الذي سيقرر، أن تحرره سيكون بالقطيعة مع السوق الرأسمالية و بتنظيم الاقتصاد على أسس الملكية العامة لوسائل الإنتاج و الموارد الطبيعية. بالتعاون مع شعوب المنطقة و ذلك على أساس المساواة بين البشر.

المطلوب من إيران، هو التطبيع مع إسرائيل و الانخراط في تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية بالمنطقة تحت القيادة الإسرائيلية، الوكيل الأمريكي بالمنطقة. فالتطبيع، يعني لا حاجة لبرنامج نووي عسكري، ولا لقوة صاروخية متطورة ولا لمنظمات مسلحة موالية لإيران في بلدان المنطقة. من المؤكد أن روسيا والصين لا ترغبان في أن تصبح إيران دولة حائزة على أسلحة نووية. و من المرجح أن تستقبلا  أي اتفاقية سلام بين دولة الاستيطان الصهيوني بفلسطين والجمهورية الإسلامية الايرانية  بارتياح، وخاصة إذا كانت مصالحهما بالمنطقة لن تتأثر بشدة. علما أن الطبقة الحاكمة في كل من روسيا و الصين لن تقوم بخوض معركة نيابة عن الشعب الإيراني، ودفاعا عن مصالحه.

من المؤكد أنه دون حماية صينية أو روسية تحت المظلة النووية ووجود عسكري، فوق التراب الإيراني، وهو أمر يعني فقدان سيادة لا غبار عليه، فسيكون حظ بورجوازية طهران في الهرب مما تعده لها الولايات المتحدة شبه معدوم.

نظام آيات الله بطهران كل شعاراته، على مر عقود،  تختتم بالموت لإسرائيل و الموت لأمريكا، فما الذي جعله لا ينتقل للمواجهة الشاملة بعد السابع من أكتوبر 2023 وهو يرى كل الوحشية تصب على محور مقاومته؟ السبب هو أن نخب طهران البورجوازية تناور بقضايا تحررية، باستعمال أساليب وقوى طائفية لتوطيد مصالحها. غير أنها لم تدرك أن ذاك السلاح تتقنه الامبريالية  الأمريكية بما لا يقاس ولها موارد كبيرة لتنفيذه.

يجد النظام الإيراني نفسه في موقع لا يحسد عليه، من جهة مواجهة خطر حرب قدرته على تحويلها لحرب ثورية تشمل المنطقة و وجعلها مستنقع يستنزف الولايات المتحدة، مشكوك فيها، ومن جهة أخرى استسلام يهدم أهم مبررات وجوده: العداء لأمريكا وإسرائيل.

تنتظر شعب إيران بمختلف مكوناته، أيام صعبة في مواجهة بورجوازية محلية يائسة مستعدة لقمع كل محتج عليها و على أوضاع البؤس التي يفاقمها حصار امبريالي غاشم. وكذا مواجهة عدوان امبريالي حربي يدمر قدرات الشعب الإيراني ويغرقه في الموت و الدمار. وقد كان عدوان 2025 لمحة مصغرة على وحشية المحور الأمريكي الصهيوني.

لكن قدرة الشعوب على المقاومة، تنبعث دوما من تحت الرماد، وتستطيع أن تلقن كل القوى المستبدة والامبريالية دروسا قد تكون مؤلمة وخاصة إذا نجح الشعب الإيراني في تفادي الطائفية وصمد وحاز التضامن من طرف الطبقة العاملة عبر العالم.

التدخل الامبريالي لا يجلب الديمقراطية والرخاء بل التفكك والحروب الأهلية ونهب الثروات الوطنية. إن الحرب ضد ايران حرب رجعية استعمارية، وليست الطبيعة الديكتاتورية للنظام الإيراني سوى حق أريد به باطل وقنطرة تستعملها الامبريالية لفرض استراتيجيتها بالمنطقة.

بقلم: أيوب

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟