الموقع تجريبي

الدين العمومي: من يدفع الثمن؟ وكيف نستعيد ثروتنا وسيادتنا؟

ثقل الديون في ميزانية الدولة[1]

يظهر التقرير الخاص بالدين العمومي ضمن قانون المالية لسنة 2026 أن مجموع نفقات الدين العمومي، بما فيه الدين المضمون، وصل خلال سنة 2024 الى 234 مليار درهم، وتتوزع على النحو التالي:

  • 172 مليار درهم للدين الداخلي،
  • 62 مليار درهم للدين الخارجي.

تكشف هذه المعطيات عن ثقل الدين العمومي داخل الميزانية، وعن أولوية تسديده مقارنة بعدد من القطاعات الاجتماعية الحيوية، حيث أن نفقات الدين العمومي تفوق تحملات وزارة الصحة بنحو سبعة أضعاف ونصف، ووزارة التعليم بثلاثة أضعاف.

آثار الديون على الصحة والتعليم

ينعكس هذا مباشرة على أوضاع الأسر الشعبية التي تعاني نتائج الخصاص المهول في الموارد البشرية والبنيات التحتية داخل هذين القطاعين، وتزداد تكاليفها للعلاج والدراسة.

فعدد الأطباء بالقطاعين العام والخاص لا يتجاوز 8,6 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، كما أن عدد السكان لكل مؤسسة صحية للعلاج الطبي الضروري في المغرب يزيد عن 12 ألف نسمة، وعدد السكان لكل سرير في المستشفيات العمومية يفوق 1300 نسمة.

يؤدي تراجع أداء التعليم العمومي الى لجوء الأسر إلى التعليم الخاص والى تقلص فرص الاندماج المهني للشباب. يتعمق أثر هذا الوضع في بلد يصل فيه معدل الأمية لدى البالغين حوالي 28 في المائة، ويتجاوز 36 في المائة لدى النساء.

احتجاجات شعبية من أجل الحق في الصحة والتعليم

كان هذا الواقع في صلب الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من أكادير في شتنبر 2025 قبل أن تمتد إلى مدن أخرى عديدة. كما جعل الحراك الشبيبي “جيل زيد” من الصحة والتعليم مطلبين أساسيين.

ان استمرار تسديد الديون العمومية على حساب الصحة والتعليم يفاقم معاناة الشعب ويعمّق الفوارق الاجتماعية. لابد من مواصلة النضال الذي بدأه الحراك الشبيبي “جيل زيد” لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العمومي بما يضمن حقوق الشعب في الخدمات الأساسية.

تكاليف الدين الداخلي والخارجي

بلغ اجمالي الدين العمومي، بما في ذلك دين الخزينة والدين المضمون، 1337 مليار درهم مع نهاية سنة 2024، يمثل منه:

  • الدين الداخلي العمومي نسبة 65 بالمائة بمبلغ 868 مليار درهم،
  • الدين الخارجي العمومي نسبة 35 بالمائة بمبلغ 469 مليار درهم.

خطورة الدين الخارجي

مقارنة بالدين الداخلي، يظهر الدين الخارجي العمومي خطورة أكبر لكونه تترتب عليه فوائد مرتفعة وتحويلات مالية كبيرة بالعملة الصعبة، ويرتبط بمؤسسات مالية دولية تفرض شروطا صارمة. على رأس هذه المؤسسات، نجد البنك العالمي وصندوق النقد الدولي[2] بمبلغ 14 مليار دولار (29 بالمائة من مجموع الدين الخارجي العمومي)، موزعة كما يلي:

  • 10 مليار دولار للبنك العالمي،
  • 4 مليار دولار لصندوق النقد الدولي.

لهاتين المؤسستين سجل حافل بالجرائم بحق شعبنا. ساعدتا على ترسيخ نظام الحكم الفردي بعد استقلال المغرب، ورافقتا “العهد الجديد” منذ أوائل الألفية الثالثة لتعميق تبعية بلادنا وتسهيل نهب ثرواته. كان تنظيم اجتماعاتها السنوية بمراكش في أكتوبر 2023 تتويجا لهذه السيرورة التي توثقت فيها السياسات الليبرالية المتطرفة بالاستبداد السياسي والتطبيع مع الصهيونية والانسياق الكامل مع مشاريع الامبريالية.

الدين الداخلي وسيلة لتحويل الثروة

يشكل الدين الداخلي العمومي أيضا أداةً لتعزيز ثراء الرأسماليين المحليين وشركائهم الأجانب، الذين يستثمرون فائضهم النقدي في سندات الخزينة. لا توجه هذه الأموال عادة نحو خلق ثروة حقيقية في الاقتصاد، ولا تسهم في الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، كما أنها لا تساعد في خلق فرص عمل مستدامة. بل يمكن وصف هذه الآلية بأنها وسيلة لتحويل الثروة من الخزينة العامة إلى جيوب فئة محدودة من الرأسماليين، على شكل فوائد مضمونة.

الطبقات الشعبية تتحمل العبء الأكبر من الضرائب والديون

تتشكل الموارد الرئيسية للميزانية لسنة 2026 من ثلاث مصادر رئيسية: الضرائب غير المباشرة (168 مليار درهم)، والضرائب المباشرة (166 مليار درهم)، والديون (123 مليار درهم). تتحمل الطبقات الشعبية جزءا كبيرا من هذا العبء الضريبي، كما تتحمل عبء المديونية وما تفرضه من سياسات التقشف. تدفع هذه السياسات الطبقات الشعبية الى الغرق بدورها في الديون عبر الاقتراض من الابناك ومؤسسات القروض الأخرى، أو من مؤسسات القروض الصغرى.

القوة الاجتماعية الضرورية لاستعادة السيادة والثروة

يمثل الدين العمومي الإجمالي، الداخلي والخارجي معاً، حوالي 84 بالمائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2024. هذا يعني أن جزءاً ضخما من الثروة التي تنتج يستولي عليها الرأسمال داخل البلاد وخارجها.

هذه الثروة لا يصنعها أصحاب البنوك والمضاربون، بل تنتجها الطبقة العاملة بكل فئاتها في القطاعين العام الخاص. إنهم/ن المنتجون المباشرون الذين يشكلون العمود الفقري لاقتصاد البلاد، وبالتالي فهم وحدهم قادرون على إيقاف عجلة هذا الاقتصاد إذا توحدوا وتنظموا كقوة اجتماعية واسعة تضم الطبقة العاملة وكل حلفائها من صغار المنتجين وغيرهم، وبينهم الشباب والنساء.

هذه القوة يمكن أن تضع برنامجاً جذرياً وواضحاً من أجل استعادة الثروة والسيادة الشعبية، يبدأ بوقف تسديد الدين العمومي، وكسر التبعية لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وتأميم البنوك الخاصة.

بهذه الخطوات، سنرسي ديمقراطية حقيقية تعزز المساواة والحرية، ونسير نحو الخروج من النظام الرأسمالي وبناء مجتمع تكون فيه الحاجيات الاجتماعية والبيئية

على رأس الأولويات.

بقلم: مروان

[1] – يمكن زيارة الموقع الالكتروني لوزارة الاقتصاد والمالية للاطلاع على مجمل التقارير المتعلقة بقانون المالية لسنة 2026، ومن ضمنها التقرير الخاص بالدين العمومي، وأيضا وثيقة “ميزانية المواطن” باعتبارها محاولة لتبسيط مضامين قانون المالية.

[2] – القروض التي يحصل عليها المغرب من صندوق النقد الدولي لا تُدرج في الإحصائيات الرسمية. يمكن العثور عليها في احصائيات البنك العالمي على الرابط التالي: https://datatopics.worldbank.org/debt/ids/countryanalytical/MAR# . المعطيات لسنة 2023.

منشورات ذات صلة

ما الذي تريد معرفته اليوم؟